فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 1942

أما إذا امتنع الذمي عن دفع الجزية مع القدرة عليها فإنه يعاقب، من غير أن تنقض ذمته، يقول القرطبي:"وأما عقوبتهم إذا امتنعوا عن أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم، لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه، ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء". (42)

لقد أدرك فقهاء الإسلام أهمية عقد الذمة وخطورة التفريط فيه، وأنه لا ينقض بمجرد الامتناع عن دفع الجزية، يقول الكاساني الحنفي:"وأما صفة العقد (أي عقد الذمة) فهو أنه لازم في حقنا، حتى لا يملك المسلمون نقضه بحال من الأحوال، وأما في حقهم (أي الذميين) فغير لازم". (43)

رابعًا: شهادة المؤرخين الغربيين

ولسائل أن يسأل: هل حقق المسلمون هذه المثُُل العظيمة ، هل وفوا ذمة نبيهم طوال تاريخهم المديد؟ وفي الإجابة عنه نسوق ثلاث شهادات لغربيين فاهوا بالحقيقة التي أثبتها تاريخنا العظيم.

يقول ولديورانت:"لقد كان أهل الذمة، المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زيّ ذي لون خاص، وأداء ضريبة عن كل شخص باختلاف دخله، وتتراوح بين دينارين وأربعة دنانير، ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ، والأرقاء والشيوخ، والعجزة، والعمى الشديد والفقر، وكان الذميون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية..ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها اثنان ونصف في المائة من الدخل السنوي، وكان لهم على الحكومة أن تحميهم..." (44)

يقول المؤرخ آدم ميتز في كتابه"الحضارة الإسلامية":"كان أهل الذمة يدفعون الجزية، كل منهم بحسب قدرته، وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون، وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار". (45)

ويقول المؤرخ سير توماس أرنولد في كتابه"الدعوة إلى الإسلام"موضحًا الغرض من فرض الجزية ومبينًا على مَن فُرضت:"ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين - كما يردد بعض الباحثين - لونًا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين".

وهكذا تبين بجلاء ووضوح براءة الإسلام بشهادة التاريخ والمنصفين من غير أهله، ثبتت براءته مما ألحقه به الزاعمون، وما فاهت فيه ألسنة الجائرين.

هذا والله أسأل أن يشرح صدورنا لما اختلفنا فيه من الحق بإذنه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

(1) سورة التوبة: 29 .

(2) الجامع لأحكام القرآن (8/114) ، المغرب في ترتيب المعرب (1/143) ، وانظر مختار الصحاح (1/44) .

(3) سورة التوبة: (29) .

(4) الجامع لأحكام القرآن (8/72) .

(5) انظره في إرواء الغليل ح (1255) .

(6) رواه الترمذي في سننه ح (623) ، وأبو داود في سننه ح (1576) ، والنسائي في سننه ح (2450) ، وصححه الألباني في مواضع متفرقة ، منها صحيح الترمذي (509) .

(7) مشكاة المصابيح ح (3970) ، وصححه الألباني.

(8) الممتحنة ( 8 ) .

(9) رواه مسلم برقم (2553) .

(10) رواه أبو داود في سننه ح (3052) في (3/170) ، وصححه الألباني ح (2626) ، و نحوه في سنن النسائي ح (2749) في (8/25) .

(11) رواه البخاري ح (2295) .

(12) رواه مسلم ح (2613)

(13) الجامع لأحكام القرآن (8/115) ، وتفسير الماوردي (2/351-352) .

(14) طبقات ابن سعد (1/266) .

(15) الفروق (3/14-15)

(16) الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 266) .

(17) تاريخ الطبري (4 / 449) .

(18) انظر: تاريخ الطبري (4/ 449) .

(19) فتوح البلدان للبلاذري (128) .

(20) فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (68) .

(21) تاريخ الطبري (2/503) .

(22) المغني (9/290) ، أحكام أهل الذمة (1/139) .

(23) رواه البخاري برقم (1392) في (3/1356) .

(24) الخراج (9) .

(25) فتوح البلدان (156) .

(26) فتوح البلدان (132) .

(27) قوانين الأحكام الشرعية (176) .

(28) اختلاف الفقهاء (233) .

(29) مسند الشافعي (1/344) .

(30) الجامع لأحكام القرآن (2/246) .

(31) الأحكام السلطانية (143) .

(32) انظر: مغني المحتاج (4/253) .

(33) مطالب أولي النهى (2/602) .

(34) مجموع الفتاوى (28/617-618) .

(35) الفروق (3/14-15) .

(36) الخراج (135) ، وانظره في: فتوح البلدان للبُلاذري ، وفتوح الشام للأذري.

(37) وانظر فتوح البلدان (210- 211) .

(38) الفروق (3/14) .

(39) الأموال (1/163) .

(40) تاريخ مدينة دمشق (1/178) .

(41) الأموال (1/170) .

(42) الجامع لأحكام القرآن 8/73-74.

(43) بدائع الصنائع (7/112) .

(44) قصة الحضارة (12/131) .

(45) الحضارة الإسلامية (1/96) .

لماذا تقدم الغرب ؟ ، ولماذا تأخرنا ؟ !!..

لماذا الغرب متقدم في العلوم الدنيوية، والصناعات، والقوة الحربية، والنظام؟..

ولماذا نحن المسلمون متأخرين في كل ذلك ؟!!!!!…

المسلمون كانوا أسبق من الغرب في التقدم، فحضارتهم العلمية سبقت بقرون عدة، أما الغرب فلم ينهض ويتقدم إلا منذ ثلاثة قرون، فما الذي كان ليتقدم المتخلف، ويتأخر المتقدم؟!!..

وفي الوقت الذي بدأ في الغرب بالنهوض، كانت الحضارة الإسلامية في خفوت، وبسرعة هائلة تقدموا، وبمثلها تأخرنا… فما السبب في ذلك؟!..

عاشت أوربا ظلاما قرونا متطاولة، اعتنقت خلالها النصرانية المحرفة ودانت بها شعوبها، ولما كان دينها محرفا لم ينفعها بشيء، فلم تفد منه في محو التخلف عن نفسها، بل زادها جهلا وظلاما، حيث منعت من التفكير إلا من خلال الكنيسة، وضمن الحدود التي ترسمها، وخضعت للقسس والبابوات خضوعا مطلقا، في نشاطها الفكري، فبقيت كما هي لم تتقدم خطوة إلى الأمام..

ثم طرأ عليها حدث مهم، كان نقطة تحول في تاريخ أوربا، وبداية لمرحلة جديدة، مختلفة كلية عن مراحلها السابقة، كان ذلك سقوط الإمبراطوية الرومانية في المشرق، تحديدا بلاد الشام، على يد الصحابة رضوان الله عليهم، ثم بعد ذلك توسع الفتح الإسلامي في بلاد الروم، حتى تم فتح القسطنطينية عاصمة الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية، في القرن التاسع.

هذا التحدي الجديد الذي صار يهدد عروش الملوك والبابوات في أوربا كان حافزا لإعلان الجهاد المقدس ضد المسلمين، فبدأت الحروب الصليبية، و من خلال الحروب والفتوحات احتك نصارى أوربا بالمسلمين..

وقع الاحتكاك:

بين أمة لا تعرف الغلو ولا التبعية المطلقة، وتؤمن بأهمية العقل والتفكير الصحيح، وتنزل الإنسان منزلته اللائقة، فلا تهدر كرامته في بدنه أو عقله، باسم الدين، أو الخضوع للسيد أو الملك أو القسيس..

وبين أمة لا تعرف شيئا من ذلك، ولم تفكر يوما أن لها حقوقا، هضمت ومحيت من كتب القانون وشريعة البابوات..

كان ذلك الاحتكاك سببا مهما في استفاقة نصارى أوربا، وشعورهم بمهانة إنسانيتهم على يد الملوك والبابوات، فكانت تلك نقطة البداية لاشتعال نار التمرد على السيطرة الجائرة ضد عقل الإنسان..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت