فضلًا عن هذا وذلك؛ فإن الدين في الدول الغربية أصبح يلعب دورًا ثانويًا وهامشيًا للغاية. وبالتالي فليست لديها على الجملة حساسيات عقدية ولا ثأرات ضد الإسلام، هذا إذا استثنينا مجتمع المتدينين المتعصبين في الولايات المتحدة، وإذ كان الإنصاف يقتضينا أن نقرر أن اسم الإسلام أصبح مخيفًا لكثيرين الآن في الغرب ، وهذا الخوف نابع من انطباعات زمنية وليس من تأثيرات عقدية.
هذه الخلفيات تسوغ لنا أن نقول: إن الغرب بالمفهوم الذي تحدثنا عنه ليس ضد الإسلام كعقيدة ودين، ولكنه متمسك بإضعاف الإسلام وتقليص دوره في المجتمع.
لكننا إذا نظرنا إلى المشهدين من زاوية المقاصد والمآلات؛ فلا مفر من أن نعترف بأن عملية الإضعاف هي في حقيقة الأمر نوع من إماتة الإسلام وتضييق الخناق عليه إلى حد خنقه في نهاية المطاف ، وقد يجوز ذلك أن نقول إن العبرة ليست بالنوايا ولكنها بالنتائج؛ فالإماتة في النتيجة لا تختلف كثيرًا عن القتل، إذ في الحالتين تشل حركة الإسلام ويفقد"روحه"حتى وإن استغرقت عملية الإماتة وقتًا أطول.
والله أعلم. (*) ورقة قدمت في مؤتمر (الإسلام والغرب في عالم متغير) والذي عقد في جمهورية السودان في الفترة من 19 إلى 21 شوال 1424هـ.
القضايا النقدية عند المفكر أنور الجندي
محمد شلاّل الحناحنة 10/3/1425
أقامت ندوة (الوفاء) لعميدها الشيخ أحمد باجنيد في الرياض محاضرة للأستاذ الباحث محمد العصيمي بعنوان: ( أنور الجندي وقضايا نقدية) ، وأدار اللقاء الذي حضره جمهور من المهتمين والمثقفين والأدباء، الدكتور محمد الهواري؛ إذ عرّف بداية بالمحاضرة، وبيّن أهمية الموضع الذي يطرحه في ظل ما تتعرّض له الأمة في محاولة تشويه هويتها وثوابتها وقيمها الإسلامية.
القمة الشامخة
تحدّث المحاضر عن حياة أنور الجندي الذي ولد في ديروط بصعيد مصر سنة 1335هـ، ودرس فيها حتى أخذ الشهادة الابتدائية، وحفظ القرآن الكريم، ثم حصل على الثانوية التجارية، وتزوج مبكّرًا وعمره لم يتجاوز سبعة عشر عامًا، وهو رجلٌ عصامي اعتمد على نفسه في تحصيل الثقافة والفكر والأدب، ونشر أول مقالة له في هذا السن عن شاعر النيل حافظ إبراهيم، ثم انتقل إلى القاهرة ليعمل في الصحافة، واتصل بالشيخ حسن البنّا، وعمل بصحيفة (الإخوان المسلمون) وأشرف على النواحي الإدارية والمالية فيها، كما كتب على صفحاتها حتى تم إغلاقها عام 1949م. وقال الأستاذ العصيمي: سيظل أنور الجندي قمّة شامخة وإن تجاهله الإعلام العربي مما يحزننا جميعًا، وهذا من مآسي الأمة، وقد عاش أكثر من ثمانين عامًا منافحًا عن الإسلام وفكره وأدبه ولغته العربية، وحين توفي في 14/11/1422هـ قال الشيخ العلامة يوسف القرضاوي:"علمت أن الكاتب الإسلامي المرموق أنور الجندي توفي منذ أسبوع.. يا سبحان الله، يموت مثل هذا الكاتب الكبير ولا نعرف عن موته إلا بعد عدة أيام، لو كان أنور الجندي مطربًا لامتلأت الصحف بالثناء عليه".
مصادر ثقافته
نشأ الكاتب أنور الجندي رحمه الله في بيئة تراثية، اهتمت بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، والثقافة الأصيلة للأمة، واتصل بالأدباء والعلماء، مما زاده ثقافة وعلمًا وأدبًا مثل زكي مبارك، كما التقى بالإمام الشيخ حسن البنّا حين كان يأتي إلى ديروط، واهتم أنور الجندي بالحضارة الإسلامية، واللغة العربية، وتأثر بأعلام الفكر الإسلامي وأدبائه وكتّابه، وكان يقول رحمه الله:"ليست أدوات الكاتب هي المحابر والأقلام؛ بل أدواته مصادره ومراجعه التي تمدّه بالمضمون والبيان، وإذا كانت الثقافة في حق المثقف زادًا فهي في حق الكاتب تكون عتادًا".
القضايا النقدية
وقف أنور الجندي يدافع في كتاباته الكثيرة المتعددة عن فكر الأمة وتراثها ولغتها بكل صدق وقوة أمام علم من أعلام التغريب هو طه حسين.
وعرض ي كتابه"محاكمة فكر طه حسين"منهج طه حسين في دراساته للأدب العربي حين نادى بمذهب الشك لا سيما في كتابه عن الشعر الجاهلي، واعتمد على الذوق بعيدًا عن المنهج العلمي، ولذلك فآراؤه متناقضة ذاتية لا تستند إلى تحليل وتعقّل ورؤية ناضجة، مما يجعله يناقض نفسه، وينقض بعض القصص في القرآن الكريم، وكان غرضه إنكار كُلّ قطعي، والقضاء على النصوص الإسلامية المقدسة كما يقول الكاتب أنور الجندي. ويجعل طه حسين الذوق علمًا، ويُدرس الأدب في رأيه فقط من أجل تذوق الجمال، ويطفح أسلوبه في دراساته وكتاباته بالسخرية، وغلبة العاطفة والبعد عن العدل، والاعتماد على الإثارة مما يناقض المنهج العلمي. كما نادى طه حسين بحرية الأديب، وينبغي في رأيه أن يتحرر الأدب من الدين، واللغة من القدسية، ويبتعد عن الأخلاقية، وقد أفاض في دراسة الشعراء الماجنين في العصر العباسي، وجعلهم هم الأصل، وحاول تدمير الأدب العربي من خلال تقديس الشعر الماجن، كما حاول أن يجعل الأدب العربي صورة للأدب الغربي، والأدب الإغريقي؛ بل زعم أن الأدب العربي متأثر بهذه الآداب الدخيلة.
وقد استطاع الكاتب أنور الجندي أن يردّ على افتراءات وشبهات طه حسين في عدة مقالات في كتبه المتنوعة؛ فالأدب العربي صورة عن المجتمع العربي المتميز بالأخلاق ونظرة العرب للأدب بعد الإسلام جاءت من منهج هذا الدين، ولذا فأدب المسلمين مرتبط بدينهم وفكرهم وأخلاقهم، ويتميز هذا الأدب بالوضوح والجمال، والبعد عن الإيهام والأفكار المنحرفة.
كما حرص الكاتب أنور الجندي في كثير من كتبه على الوقوف مع اللغة العربية الفصحى لا سيّما في كتابه:"أخطاء المنهج الغربي الوافد"؛ لأن الفصحى لها ميزات عظيمة، والأخذ بالعامية يقطع العرب عن دينهم وتاريخهم وماضيهم، بينما تزيد الفصحى من اتصالهم بدينهم وتراثهم وحضارتهم، كما أن اللغة الفصحى لغة خالدة ومحفوظة بالقرآن الكريم الخالد المحفوظ، وهي واسعة منتشرة واضحة ومفهومة، بعكس العامية الضيقة في انتشارها، وغير المفهومة في كثير من قرى وأقاليم القطر الواحد، فكيف ستفهم في أقطار متعددة؟! كما أن العامية مندثرة لا حياة فيها من عصر لآخر، وهناك الكثير من عيوب العامية، وأصالة الفصحى وتميّزها بخصائص مشهودة وعظيمة!.
هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم أم الحرب؟
عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل 8/8/1425
الحمد لله والصلاة على رسول الله .. وبعد:
فإن دين الإسلام، دين الرحمة بالناس أجمعين"هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون" [سورة الجاثية 20] ."وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [سورة الأنبياء 107] وهو دين الخير للعالمين مؤمنهم وكافرهم، لا يجحد ذلك إلا من جهل الحقيقة"ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [سورة الروم 30] أو كان من المستكبرين"وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور" [سورة لقمان 32] .أما خيرية الإسلام للمسلمين فهي كما قال الأول:
فليس يصح في الإفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
وأما خيريته لغير المسلمين، فلأنه حفظ حقوقهم، وصان كرامتهم وعاملهم بالحسنى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن". [ سورة العنكبوت 46 ] . ولم يتخلف هذا التعامل الراقي حتى في ساعة الانتصار، ونشوة الشعور بالعزة والغلبة ."
وكانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرائه الذين يبعثهم على الجيوش والسرايا: اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا" (1) ."