لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أحداث 11 سبتمبر فتحت ملف العداء للإسلام على مصراعيه وأعطت الضوء الأخضر لخصومه من المتعصبين الإنجيليين أو الكائدين الموالين لإسرائيل لكي يجروا بتجريمهم له والنيل منه حتى إن وزير العدل الأمريكي جون أشكروفت وهو ابن لقسيس قال في إحدى خطبه في معرض تجريحه للإسلام إن إله المسيحيين يضحي بابنه في حين أن إله المسلمين يحثهم على أن يرسلوا أبناءهم إلى الموت"كان يعلق على العمليات الاستشهادية في الأرض المحتلة". ورغم أنه من غير المألوف أن يتحدث أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية بهذه اللغة، إلا أن أجواء التحامل على المسلمين واستباحة عقائدهم تكفلت بتمرير الكلام، وهو ما تكرر في وقت لاحق ، حين تحدث أحد كبار موظفي وزارة الدفاع - الجنرال ويليام بويكيني نائب وكيل الوزارة لشؤون الدفاع - عن إله المسلمين"سبحانه وتعالى"وقال إنه"مجرد وثن"..
إذا كان ذلك كلام الرسميين الذين يفترض أنهم يمثلون الإدارة والسياسة العليا، فإننا نستطيع أن نتصور المدى الذي ذهب إليه آخرون ممن لا يحسبون على الإدارة ولا على السياسة العليا، ولا يحتاج الأمر لأن يبذل المرء جهدًا في قدح الذهن لكي يتصور الموقف لأن الصحف اليومية ما برحت تنقل إلينا بين الحين والآخر تلك الآراء الجارحة التي تتردد في المحافل ووسائل الإعلام الأمريكية من بذاءات القس نالويل، إلى مقالات كتاب أعمدة الصحف، مرورًا ببرامج التلفزيون الوثائقية وغير الوثائقية، من أننا لا نبالغ إذا قلنا إنه ما من شيء في الإسلام إلا وتعرض للتجريح من الله -سبحانه وتعالى- إلى شخص النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى القرآن الكريم، الذي جرى التشكيك في مصدره وصياغته، فضلًا عن التنديد بقيمه ومعانيه"خصوصًا الجهاد"وذلك بالإضافة إلى الهجوم الحاد على الشريعة، وتسفيه تعاليمها ومقاصدها.
وإذا كان ذلك حظ الإسلام كدين؛ فإن حظوظ المسلمين لم تكن أفضل، حيث تعرضوا لحملة شرسة استهدفت اغتيالهم معنويًا، الأمر الذي كان له صداه بين قطاعات غير قليلة من الجمهور الأمريكي الذي نجحت إلى حد كبير، حملة تنفيرهم من الإسلام والمسلمين، الأمر الذي أدى إلى تكرار وقوع حوادث الاعتداء عليهم وعلى بيوتهم على نحو لافت للنظر، رصدته المؤسسات الإسلامية المعنية وفضحته في حينه.
تحامل الإعلام الغربي
قرأت وصفًا لتلك الأجواء في مقالة نشرتها مجلة"المنار الجديد"للدكتور محمدي حامد الأحمري رئيس مجلس أمناء التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية؛ قال فيه: إن الإعلام الأمريكي صار يربط بسخرية لافتة بين مفردات مثل قرآن وباكستان وأفغانستان، وجهاد وعرب وإسلام وشرق أوسط وفلسطين وطالبان، في خلطة من مجموعة من العبارات المكروهة والمستبعدة، التي أصبحت تكرر بطريقة تثير القرف لدى السامع وتعرض غالبًا مرتبطة بصورة لنساء أفغانيات يضربن رجل في الشارع، أو بصورة زانية يقام عليها الحد في ملعب في كابل، أو قصة الحكم بإعدام زانية أخرى في نيجيريا، أو بالمباني المهدمة في نيويورك، أو دماء يهودية في الشارع، ومطعم يهودي أو سيارة مفجرة. ولا يتردد كبير المذيعين في"سي. ان . ان"لاري كينج أن يقول: إن حربنا هذه مع سكان الكهوف، وغالبًا تقدم في سياق يتجاوز أفغانستان ليشمل العرب والمسلمين في العالم أجمع.
على صعيد آخر تنشر صحيفة مثل"نيويورك تايمز"مقالات صريحة دعت إلى تجنب الحرب على الإسلام واعتماد استراتيجية الحرب من داخل الإسلام.
لا يزال الخط السياسي الرسمي والموقف المبدئي المعلن للإدارة الأمريكية يدعو إلى احترام الإسلام والتشديد على أن الولايات المتحدة ليست لها معركة ضد الإسلام، ولكن معركتها ضد التطرف والإرهاب المنسوب إليه، وتمثل تصريحات رسمية صدرت عن الرئيس بوش وبعض مساعديه عبرت عن هذا المعنى، كما أن الرئيس الأمريكي حاول أكثر من مرة أن يجامل المسلمين في حفل للإفطار وفي عدة مناسبات أخرى، لكن ذلك لم يوقف الحملة ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام، كما أنه لم يغير من الصورة السلبية التي استقرت في الأذهان عن موقف إدارته إزاء المسلمين في داخل الولايات المتحدة وخارجها.
تبعات تحملها يتحملها المسلم في الغرب
لقد تمثلت أهمية الإجراءات التي اتخذت بحق المسلمين في الداخل فيما يلي:
-إخضاع الجميع للرقابة وإصدار أحكام بالحد الأقصى - الذي يصل إلى الطرد من البلاد - إذا ما ارتكب أحدهم أي مخالفة صغيرة، حتى وان كانت مرورية!
-التنصت على الاتصالات واختراق أجهزة الكمبيوتر ومراقبة الموارد المالية، والحرمان من دراسة مجالات معينة في الجامعات وحرمانهم من بعض التخصصات.
-تحريض المواطنين الأمريكيين على مراقبتهم ورصد تحركاتهم، والتشدد المفرط في إجراءات الإقامة والدخول والهجرة.
-حرمان الموقوفين في أبسط ضمانات الصداقة والحقوق الإنسانية، من قبيل احتجازهم لفترات طويلة دون أن يسمح لهم بالاتصال بالمحامين أو حتى الاتصال بعوائلهم.
-التحقيق معهم لساعات طويلة في حال وصولهم إلى الموانئ الأمريكية وممارسة التمييز بحقهم في وسائل النقل، بحيث لا يسمح لأكثر من عدد منهم بركوب طائرة واحدة وإجلاسهم في مقاعد خلفية خاصة لأمثالهم.
-مداهمة مراكز نشاطهم ومصادرة محتوياتها، وإغلاق مقار ومصادرة الجمعيات الخيرية والإغاثية التي شكلوها للتضامن ومساعدة ضحايا الاحتلال الصهيوني من الأيتام والعجزة والأرامل.
بالتوازي مع ذلك، تبنت الولايات المتحدة سياسة الدعوة إلى ضرورة إحداث تغيير شامل في البنية الثقافية للعالم الإسلامي، وتكرر في التصريحات الرسمية مصطلح"حرب الأفكار"بحجة تجفيف منابع الإرهاب واستئصال جذوره، واستخدمت كل ما تملك من عناصر الضغط وأساليب الغواية والتهديد لتحقيق الأهداف التالية:
-التضييق على مراكز التعليم الإسلامي، في الأقطار الإسلامية المختلفة، والإصرار على إخضاعها لسيطرة الحكومات (الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قال في تصريح صحافي: إن بلاده هددت بالقصف الأمريكي ما لم يتم إلحاق المعاهد الدينية بوزارة التعليم وفرض الإشراف الحكومي عليها) .
-تغيير مناهج التعليم لإضعاف التدين وتعزيز قيم العلمنة في المجتمعات الإسلامية وقد وجدنا أن دولًا عربية حذفت من مناهج الثقافة الدينية ما يتعلق بالجهاد وبتغيير المنكر وبإسرائيل، وإلى جانب تقليص دروس الدين ، تم تدريس منهج آخر للأخلاق ، لا يستند ولا يشير إلى أي مرجعية دينية، بحيث يصلح لمخاطبة أي مجتمع ينتمي لأي ملة أو جنس.
-ملاحقة أنشطة المؤسسات المالية الإسلامية ، الاقتصادية منها والخيرية واستخدام سلاح المصادرة لشل حركة تلك الأنشطة ووقف نشاط الجمعيات الإنمائية الإسلامية خارج حدود بلادها.
هل هذه تعد حربًا على الإسلام
إذا قلنا إن هذه الإجراءات مرتبطة بهيمنة اليمين الإنجيلي المتعصب والمتحالف مع الصهيونية التي تؤرقها المقاومة الإسلامية في فلسطين؛ فربما قائل يقول إن الموقف قد يتغير إذا تغيرت الإدارة في الانتخابات القادمة - أو التي تليها - حين ينحسر تأثير اليمين الإنجيلي على القرار السياسي.
أضيف إلى ما سبق أن الولايات المتحدة بما تتخذه من إجراءات وما تمارسه من ضغوط ليست في حقيقة الأمر ضد العقيدة الإسلامية، وإن كان بعض أركانها المتعصبين كذلك. وإنما هي تريد إسلامًا مروضًا مطيعًا لا يقاوم هيمنة ولا يعترض على احتلال ولا يستنفر طاقات المسلمين لأي معركة.