أزمتنا الحضارية في ضوء سنّة الله في الخلق
تقديم: عمر عبيد حسنة
الحمد لله الأكرم ، الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، ميزه بالعقل ، ومنحه حرية الاختيار ، وبذلك جعله أهلًا لتحمل المسؤولية ، والقيام بأعباء الاستخلاف الإنساني ، فهو المخلوق المكلف .. والمسؤولية في حقيقتها تكليف وتشريف ، فهي تكليف يحمل الأمانة الثقيلة ، التي عرضها الله على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ، فلو لم يكن مؤهلًا للحمل ، بما يمتلك من خصائص وصفات ومزايا وقدرات هائلة ، لما نيطت به الأمانة من دون سائر الخلق . وهي تشريف أيضًا ، لأن اختياره من الله لحمل الأمانة دليل شرفه وتميزه وأهليته ، والتكليف والمسؤولية إنما هما في الحقيقة دليل الحرية وامتلاك الاختيار، فالمسؤولية فرع الحرية فلا مسؤولية بلا حرية.
والصلاة والسلام على البني الخاتم ، الذي انتهت إليه تجربة النبوة التاريخية وأصول الرسالات السماوية، فكانت رسالته في قمة التجربة البشرية ، قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .. ) (الشورى:13) .
وطلب من أصحاب الرسالة الخاتمة ، أن يتبصروا بأحوال الأمم السابقة ويستشرفوا التجربة البشرية التاريخية ، فينقلوها من ورائهم إلى أمامهم ، ليعتبروا ويحول اعتبارهم دون السقوط الحضاري ، وانتقال علل الأمم السابقة إليهم ، والتعرف من خلال الأمر بالسير في الأرض ، والنظر في أحوال الأمم ، على سنن وقوانين النهوض والسقوط.
فالتاريخ العام هو المصدر الأساسي للفقه الحضاري ، والمختبر الحقيقي لصواب الفعل البشري ، قال تعالى: (أولم يسيروا في الأرض ، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ، وجاءتهم رسلهم بالبينات ، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (الروم:9) . فاكتشاف سنن السقوط والنهوض من لوازم البناء الحضاري ، وإن شئت فقل: من لوازم الشهادة على الناس ، والتأهل لقيادتهم ، والقدرة على اختيار وتمثل الموقع الوسط .
قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) (البقرة: 143) .. وبعد:
فهذا كتاب الأمة السادس والعشرون: ( أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق ) ، للدكتور أحمد محمد نعمان ، في سلسلة الكتب ، التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات ، برئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية ، بدولة قطر ، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري ، والتحصين الثقافي ، وإعادة بناء الشخصية المسلمة ، بعد أن افتقدت الكثير من فعاليتها ، ومنهجيتها ، وصوابها ، وانحسر شهودها الحضاري ، وتوقفت عن السير في الأرض ، والتبصر بالقوانين ، التي تحكم حركة الحياة والأحياء ، وبذلك تكررت أخطاؤها ، وتكرس تخلفها وعجزت عن التقويم والمراجعة ، ومعرفة أسباب القصور ، وتحديد مواطن الخلل والتقصير ، فأصبح موقعها خارج التاريخ ، والواقع المشهود ، والمستقبل المأمول.
والغياب الحضاري ، أو الأزمة الحضارية ، التي نعاني منها ليست بسبب الفقر في القيم ، التي أكملها الله ، وتعهد بحفظها في الكتاب والسنة، الأمر الذي تستلزمه خاصيتا الخلود والخاتمية في الرسالة الإسلامية، أو بتعبير آخر: ليست المشكلة، التي يعاني منها العقل المسلم اليوم ، مشكلة قيم أو أزمة قيم، وإنما المشكلة كل المشكلة في العجز عن التعامل مع القيم ، والإنتاج الفكري ، الذي يجّسر العلاقة بين القيم ، وبين العصر، أو يساهم بتعديه الرؤية القيمية المحفوظة بالكتاب والسنة ، ويفيد من خلود الرسالة الإسلامية وقدرتها على العطاء المتجدد ، المجرد عن حدود الزمان والمكان ، لحل المشكلات الإنسانية ، وهذه وظيفة الفكر أو عالم الأفكار الذي نعاني من التأزم فيه ، لذلك نرى أن الخلط بين الأزمة الفكرية، التي يعاني منها العقل المسلم اليوم ، والتي أورثته العجز عن التعامل مع القيم ، وبين التوهم بأن الأزمة في القيم نفسها ، كان وراء الكثير من المغالطات ، والتراجعات ، التي لا تزال تكرس التخلف باسم التدين .. لذلك نعتقد أن من الأبجديات الأولى الضرورية لقراءة المسلم اليوم: إزالة الخلط بين المباديء المحفوظة ، والبرامج المطلوبة ، بين القيم الثابتة ، والأفكار الغائبة ، التي تبسط تلك القيم على الواقع المعاصر ، وتقومه بها.
فالانحسار الحضاري ، أو الأزمة الحضارية ، التي نعاني منها اليوم هي أزمة فكر أولًا وقبل كل شيء ، لأن النسغ الفكري للحضارة الإسلامية ، توقف عند حدود العقول السابقة ، وكأن الله خلق عقولنا لنعطلها عن الإنتاج ، ونعتبر العصور الأولى هي نهاية المطاف ، وغاية البعد الزمني بالنسبة للرسالة الإسلامية ، حتى انتهينا إلى هذه المرحلة من الانحسار ، والاستفزاز ، والتحدي الحضاري ، التي لابد معها من العكوف على الذات ، وتحديد مواطن الخلل والإصابة ، واستلهام القيم ، في محاولة للتوصل إلى صناعة فكرية معاصرة ، قادرة على الحوار الإنساني ، والمواجهة لكل الإصابات والأمراض ، التي لحقت بالشخصية المسلمة ، فأفقدتها صوابها ، وإن لم تفقدها الإخلاص الذي لابد من استصحابه في أبة عملية نهوض.
لقد اُتِهم العقل المسلم ، بأن السبب في عجزه وانحساره الحضاري هو اعتماده في النظر والتفكير على المنهج القياسي الاستنباطي ، بمعنى أنه محكوم ومكبل دائمًا بأصل يقيس عليه ، أو بنص يحول بينه ، وبين الطلاقة في التفكير ، فهو دائمًا فرع لأصل ، يدور في إطار سابق ، لا يمتلك الاستقلالية ، والحرية . وأن السبب في انطلاقه وإنجاز العقل الأوروبي هو اعتماده على المنهج الاستقرائي ، الذي يحرر العقل من القيود المسبقة ، من الأنموذج الحاكم ، أو المثال السابق ، أو الآبائية كما يعبر عنها بعضهم ، أخذًا من قوله تعالى: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) (الزخرف:23) .
وهذه القضية ، لابد من التوقف عندها ، بما تسمح به هذه العجالة ، فمما لا شك فيه أن العقل المسلم يعتمد المنهج القياسي ، أو الاستنباطي ، في قضايا الفقه التشريعي ، في إطار الحلال والحرام ، وذلك عند إعمال العقل في النص الديني الموحى به لإدراك أبعاده ومقاصده ، وتحديد علته ، ومن ثم تعديه هذه العلة إلى الفرع الذي تتوفر فيه العلة نفسها ليأخذ حكم الأصل المقاس عليه ، ويكاد هذا الأمر ينطبق على الإجماع بالمصطلح الشرعي ( قياس الجماعة ) والقياس ( الاجتهاد الفردي ) والاستحسان ، والاستصلاح ، والاستصحاب ، بمعنى أن العقل إنما يتحرك في إطار سابق محكوم ببعض القيود والضوابط التي جاء بها الوحي.
أما فيما وراء الحكم الفقهي التشريعي ، فالإسلام يعتمد المنهج الاستقرائي .. يعتمده في كشف السنن ، والقوانين الثابتة .. والمطردة ، التي تحكم الحياة والكون والأنفس ، والآفاق ، الأمر الذي يتأتى منه البصارة واستقراء حركة النهوض والسقوط والتداول الحضاري ، بل لعل البرهان والدليل على ثبات السنن واطرادها هنا يتحقق من الاستقراء ، وليس من القياس ، فالسير في الأرض ، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة ، أو فقه الحياة نلمحه في قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا.. ) (آل عمران:137) .
وقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت:53) .. فاكتشاف السنن والتوصل إلى الدليل الذي يبين الحق ، إنما يتأتى من استقراء التاريخ ، والواقع ، وآيات الأنفس والآفاق ، لكن المشكلة جاءت من الامتداد بأحد المنهجين ، وتعطيل الآخر ، خاصة عندما توقف العقل المسلم عن السير في الأرض ، وتعطل عن النظر في الأنفس والآفاق ، في العصور المتأخرة ، الأمر الذي أدى به إلى الانحسار الحضاري.
وحقيقة أخرى لابد من إيضاحها هنا ، وهي أن المنهج الاستقرائي ، الذي يعزى إليه الإنجاز والإبداع الحضاري ، وإطلاقه للعقل من القيود ، لم ينطلق من فراغ كما يتوهم بعضهم وإنما جاء الكشف والإبداع نتيجة النظر في سوابق قائمة ، أيضًا ، تستقرأ أو تستنطق ، والمقدمات أو السوابق التي تمكن من النظر موجودة في كلا المنهجين.