وأخيرا، فإن المشاركة الخلدونية تستمد قيمتها البالغة اليوم من واقع قدرتها على المساهمة في تحليل الأزمة العالمية المعاصرة، التي تتمثل أيضا أكثر ما تتمثل في طغيان وسيادة عالم الأشياء، الذي انبثق من وصول الحضارة الغربية الغالبة اليوم إلى ما يمكن أن يكون لحظة اكتمالها كتجربةِ اجتماعٍ بشريٍ راهن، شكَّلَ البحثُ عن تَحقُّقِ عالم الأشياء محورَ وجهتها، حيث ارتبط خلاص الإنسان بمفهوم الرفه المادي. وبهذه الرؤية فإن ابن خلدون - الذي تحدث عن هذا الواقع وتنبأ بحدوثه كلما توافرت شروطه - يمكن أن يكون معاصرا أكثر بكثير من بعض مفكري اليوم في الشرق والغرب سواء، ممن لا يمتلكون النفاذ إلى أعماق الأزمة البشرية، وإنما ينحصر عملهم في بحث الظواهر والأعراض الخارجية ومحاولة علاجها...
إن خلاص البشرية عند ابن خلدون لا يمكن أن يكون عبر مزيدٍ من الإنتاج، أو عبر مزيدٍ من التأكيد على الرفه المادي الناتج عن الثورة في عالم الأشياء. وبالتأكيد فإنه لا يمكن أن يتم عبر مزيد من الاستهلاك. والمفارقة أن عدم القدرة على مقاومة الاستهلاك كانت هي ابتداءً - بقدر الله - سبب خروج الإنسان من الجنة، حين ضعف عن مقاومة"مُنتَجٍ"وحيد فقط من كل"المنتجات"الموجودة في الجنة والمُحلَّلةِ له. فكيف يمكن له أن يعود إلى الجنة عبر عملية الاستهلاك نفسها تلك؟؟...
إن أهمية الطرح الخلدوني في هذا الباب تكمن في رؤيته الدقيقة وتمييزه المحدد للعلاقة الحساسة بين العمران والحضارة. ومن المهم أن يركز الإنسان في فهمه لهذه المسألة. فالعمران عنده"يتحرك"دائما، وهو يتحرك وفق"وجهة"معينة. وحين تأخذ"حركة"العمران"وجهة"تحقق عالم الأشياء والرفه المادي كغايةٍ تُمكنُ الإنسان من الخلاص تتحقق لحظة الحضارة. ولذلك يربط ابن خلدون نهاية العمران وخروجه إلى الفساد بلحظة تحقق الحضارة عبر غياب"الوجهة"التي تحرك الاجتماع البشري نحو الحق. وذلك حين تنحصر تلك"الوجهة"منذ اللحظة الأولى وتتحدد في بحثها عن النجاة عبر تحقيق عالم الأشياء، وحين ينسى الإنسان خطورة الاستلاب أمام ذلك العالم، ويغفل عن ضرورة بناء المنظومة الاجتماعية بشكل يتم فيه تنمية الرفض الاجتماعي المتوازن لعالم الأشياء، رغم العمل - في الوقت نفسه - على توفير ذلك العالم وإيجاده. وفي هذا المعنى بالذات يأتي القول العظيم المأثور: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبد، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.
إن التصور المعرفي الإسلامي لا يحمل عداوةً أساسية وأصيلة لعالم الأشياء. فالدلالات على"الحياة الطيبة"وعلى تسخير الكون لراحة الإنسان في هذه الدنيا، ومعالم الحض على العمل والسعي والإنتاج في الأرض، أكثر من أن تُحصى أو تُعدّ في مصادر التصور الإسلامي. وإنما يتمثل التحدي في كيفية التمكن من تكاملٍ متوازن للعمران، يتحكّمُ في عالم الأشياء ويستعمله لخير الإنسان، دون أن يجعله هو المتحكم في مصير الإنسان من ناحية، ودون أن يلغيه بشكل كامل من ناحية ثانية.
ولا يكون ذلك التكامل إلا عبر الوسطية التي تمثل البديل الوحيد من طرفي النقيض الآخرين أمام الاجتماع البشري، المتمثلين في الرهبانية المطلقة أو المادية المطلقة. وهو ما سنتحدث عنه في مقال قادم بعون الله.
وأخيرا، تتضح من هنا عَظَمةُ وأهمية فكرة"الخاتمية"، من حيث كونها مصدر تلك الوسطية، ومن حيث كونها القادرة - في المستوى الاجتماعي - على تحويل الحضارة إلى شهادةٍ على البشرية، تتحقق عبرها كل المعاني الممكنة في الآية الكريمة {إني أعلم ما لا تعلمون} .
1 مقدمة ابن خلدون، ص 36.
2 المقدمة، ص 36.
3"وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم". المقدمة، ص 47.
4 المقدمة، ص 47.
1 المقدمة، ص 45.
1 المقدمة، ص 134.
1 المقدمة، ص 166، 167.
2 المقدمة، ص 174.
1 المقدمة، ص 157.
2 المقدمة، ص 416 - 417.
1 المقدمة، ص 190.
2 المقدمة، ص 328.
1 المقدمة، ص 329.
الحضارة الإسلامية بين أسباب التدهور وعوامل النهوض
الدكتور إبراهيم غانم
حتى وقت قريب ساد الظن لدى كثيرين من المعنيين بشؤون الفكر والإصلاح الاجتماعي العام أنه قد تم التغلب على مشكلة الاحتلال العسكري الذي جثم على أغلبية البلدان العربية والإسلامية (ولم يبق إلا الاحتلال الاستيطاني الصهيوني) ، وأن عبء التحرر من الاستعمار المباشر قد زال إلى غير رجعة، وأن ما تملكه الأمة من طاقات يمكن أن يستثمر من أجل التصدي للمشكلات، وحتى وقت قريب أيضًا ساد الظن بأننا ماضون على طريق التخلص من المشكلات الأخرى التي أعاقت التقدم وعطلت نهضة الأمة منذ قرنين من الزمان تقريبًا، ومن ذلك القضايا المتعلقة بالاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والحريات العامة، وأوضاع المرأة، والانحطاط الأخلاقي.
ولكن بدلًا من التقدم إلى الأمام إذا بمجتمعاتنا العربية والإسلامية تجد نفسها تتقهقر إلى الخلف، وإذا بالقضية التي ظننا أنها حُلت تعود بشكل أكثر شراسة، ألا وهي قضية الاستعمار في شكله العسكري المباشر، إلى جانب أشكاله الفكرية والثقافية والاقتصادية والتشريعية غير المباشرة الأخرى التي لا تزال تراوح مكانها. إن الأحداث الجارية في الآونة الأخيرة، كلها تشير إلى عودة الشعور بالتبرم بشكل مضاعف مع عودة مشكلة الاحتلال العسكري التي غلب على الظن أنها قد حسمت، وأن حزمة المشكلات قد أعيد إليها ما نقص منها في وقت سابق، بما تحمله هذه العودة غير الحميدة من ضرورة إعادة ترتيب أولويات التصدي لهذه المشكلات؛ وكأنه لم تمر مائتا سنة أو يزيد عندما نهضت قوى الأمة الحية لمواجهة الغزو الغربي ورفعت في وجهه راية الجهاد. ومن ثم فإن من المنطقي أن يعاد طرح السؤال الأكبر الذي تدخل تلك المشكلات كلها تحت عباءته ألا وهو: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم (1) ؟
لقد طرح هذا التساؤل، وبهذه الصيغة التي تقارن بين المسلمين وغير المسلمين، لدى رواد الفكر والإصلاح الإسلامي في العصر الحديث؛ أي منذ ما يقرب من مائتي عام، ولم تختلف الإجابات التي قدموها إلا في بعض التفاصيل، أما جوهر الأسباب كلها فقد كان واحدًا لديهم وهو أن البعد عن جوهر الإسلام هو سبب الأسباب التي أدت إلى التدهور، وأن التمسك بهذا الجوهر هو سبب الأسباب التي تقود إلى النهضة.
وأيًا ما كان الأمر فمثل هذا التساؤل يعدُ تساؤلًا أساسيًا وحساسًا في آن واحد؛ فهو أساسي لأن الإجابة عنه سوف تعبر عن مدى وكيفية فهم صاحب الإجابة للواقع الذي صار إليه حال المسلمين، ومثل هذا الفهم بدوره أمر ضروري، كمقدمة ومدخل للتعامل مع هذا الواقع ووضع خطة لتغييره إلى ما هو أصلح. وهو تساؤل"حساس"بالنسبة للمسلمين خاصة لأنه في صيغته المقارنة يفتح الباب للمناقشة حول"الإسلام ذاته"وما إذا كان سببًا في انحطاط المسلمين؛ حسبما يزعم البعض.