فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 1942

ولذلك يلاحظ ابن خلدون أن الدعوة الدينية تزيدُ الدولة قوة فوق قوة العصبية التي كانت لها، والسبب في ذلك"أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرِّد الوجهة إلى الحق، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساوٍ عندهم، وهم مستميتون عليه، وأهل الدولة التي هم طالبوها [أي الدولة التي يواجهونها] وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لتقية الموت حاصل، فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم بل يغلبون عليهم ويعالجهم الفناء بما فيهم من الترف والذل"2.

والعصبية التي تلعب ذلك الدور الهائل، والتي تشكل عصب المجموع، تتمثل في ميدان الواقع من خلال التنافس في الخلال الحميدة"وخلال الخير شاهدة بوجود الملك لمن وُجدت له العصبية. فإذا نظرنا في أهل العصبية ومن حصل لهم من الغلب على كثير من النواحي والأمم، فوجدناهم يتنافسون في الخير وخلاله، من الكرم والعفو عن الزلات والاحتمال من غير القادر والقري للضيوف وحملِ الكلِّ وكسب المعدم والصبر على المكاره والوفاء بالعهد وبذل الأموال في صون الأعراض وتعظيم الشريعة وإجلال العلماء والعاملين لها.. والانقياد إلى الحق مع الداعي إليه.. والتدين بالشرائع والعبادات والقيام عليها وعلى أسبابها والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة ونقض العهد"1.

وظاهرٌ ما في تلك الصورة من تحقيقٍ للمسؤولية الإنسانية المنبثقة من الخلافة. فالاستخلاف يضع البشر على أعلى رتبة في سلم المخلوقات، بشرط أن يصاحبَ البقاءَ في ذلك الموقع الشعور الدائم بالمسؤولية التي تتطلبها أمانة الاستخلاف.

ثم تأتي عند ابن خلدون مرحلة الدولة كغايةٍ للعصبية، وكضرورةٍ لدخول العمران البشري مرحلة الكمال"فالدولة دون العمران لا تُتصور والعمران دون الدولة والمُلك متعذر"2. وطريق العصبية إلى الدولة سالكٌ عند ابن خلدون ما لم تعترض العصبية في طريقها إلى المُلكِ عوائق مثل: حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم، أو المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم.

وكما ينتقل العمران من العمران البدوي إلى العمران الحضري فإن الدولة هي الأخرى تنتقل من البداوة إلى الحضارة"فطور الدولة من أولها بداوة ثم إذا حصل المُلكُ تبعه الرَّفهُ واتساع الأحوال. والحضارة إنما هي تفننٌ في الترف وأحكام الصنائع المستعملة.."3. وفي هذه المرحلة يلوح خطر طغيان عالم الأشياء. لأن قوة الدولة تزداد وحصول الاستيلاء يتمُّ وعِظَمَ واستفحال المُلكِ يتفاقم"فيدعو إلى الترف ويكثر الإنفاق بسببه، فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على العموم بل يتعدى ذلك إلى أهل المصر، ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند وأرزاق أهل الدولة، ثم يُعظَّم الترف فيكثر الإسراف في النفقات وينتشر ذلك في الرعية"1. ويبدأ الاجتماع البشري في التوجه إلى لحظات أزمةٍ خانقة، لا يحلها على الإطلاق زيادة الإنتاج، بل إن تلك الزيادة تساهم في تعفين الأجواء وتعميق الأزمة.

إن هذه اللحظة هي لحظة الاكتمال الطاغي للعمران الناتج عن لحظة سيادة عالم الأشياء (أي المنتجات والماديات) ، وذلك عبر مثلث جهنمي متناقض يتمثل في طغيان توفر الأشياء من جهة، وشدة البحث عنها من جهة أخرى، والضعف المتناهي للتحكم فيها والقدرة على وضعها موضعها من جهة ثالثة. وبدلًا من أن يمتلك الإنسان الأشياء في هذه اللحظة، يصبح هو - عمليًا - مُلكًا لها، لأن امتلاكها صار محور حياته وحركته، وصار هو"الوجهة"و"الغاية".

ولذلك تصبح المفارقة في مثل هذا العالم أن موت الإنسان من الجوع - وهو ما يحصل كثيرا، وبشكلٍ يشينُ كل حضارة إنسانية معاصرة - لا يعود مرتبطا بفقدان عالم الأشياء.. وإنما من تحقق عالم الأشياء وتكدسها، وما ينتج عن ذلك التكدس من مناهج في الحياة والتفكير والتعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان.

وفي هذه اللحظة تستحيل"الوجهة"التي أنتجت الحضارة عبر تحرك العمران نحو تحقق عالم الأشياء، ثم تفقد"العصبية"القدرة على توحيد الأهواء باتجاه تلك الوجهة وتبدأ هي أيضا في التلاشي، ليكون تلاشي العصبية أخيرا مُفضيًا إلى تلاشي الدولة كليا"إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا فني زيته وطفيء والله مالك الملك ومدبر الأكوان لا إله إلا هو"1.

وهنا ينتهي تجوالنا مع ابن خلدون في تتبّعهِ لرحلة قيام العمران البشري وسقوطه، لننتقل في ختام هذا البحث إلى تحديد واستخلاص بعض المعالم الأساسية التي يمكن أن تُستفاد من هذه التجربة الخلدونية.

وأول ما نلاحظه في هذا الصدد أن ابن خلدون كان - وهو يحاول أن يفهم أزمة حضارته - مضطرا خلال عمليته التنظيرية إلى تأصيل مفاهيم جديدة تتجمع وتتكامل داخل النسق المعرفي الإسلامي، فهو لم يخرج على الدوائر العامة الكبرى للتصور الإسلامي للإنسان والحياة والكون، ولكنه - في الوقت نفسه - لم يجد نفسه مُلزما باستعمال نفس الأدوات والمصطلحات والتعابير، ولا حتى المنهجية الفكرية التي كانت شائعة في العالم الإسلامي في عصره أو ما قبل عصره، حين رأى أن تلك المصطلحات أو المنهجية لن تمكنه من القيام بواجبه، ومن أداء دوره الخاص والمتميز. بل إن هذا الأمر بالذات هو ما مكّنهُ من تقديم عطائه المبدع بشكل جعله بحق أول من حاول بشكل متكامل إيجاد تصورٍ إسلاميٍ معرفيٍ للحضارات وللاجتماع الإنساني وحركته على وجه الإجمال. وفي هذا عبرةٌ بالغة لكل من يحاول اليوم قسر مسيرة الإنتاج العلمي والفكري والبحثي على سلوك المنهجية الفكرية التقليدية، أو على استخدام نفس مصطلحاتها وأدواتها ومواضيع بحثها في كل زمان ومكان...

أما الأمر الآخر الذي يمكن استخلاصه فإنه يتمثل في قيمة العطاء الخلدوني في عملية الحوار والتعارف الحضاري المطلوبة. والجدير بالذكر هنا أننا لم نعمد - قاصدين - في هذا البحث إلى مقارنة المفاهيم الخلدونية كالعمران والحضارة بمفاهيم civilization أو culture الشائعة ليس خوفًا من عدم معاصرة ابن خلدون، وإنما لرأينا بأن قيمة التصور الخلدوني إنما تكمن ابتداءً في أصالته واستقلاله وتكامله. فقيمةُ طرحهِ ليست في اختلافه أو توافقه مع الآخر، وإنما في تحركه كوجودٍ أصلي وفعلي يستطيع أن يقيم علاقة حوار وتعارف مع الآخر. وهذا يختلف جذريا عن الحوار المبني على ترجمة ما عند الآخر، أو بتعبير ثانٍ"الآخر محرَّفاُ". حيث لا يمكن لمثل هذه المشاركة أن تقيم تعارفًا، وإنما تعطي - في أحسن حالاتها - تسامحا. وهو تسامحٌ يكون مُلكا للآخر وهو يتعامل مع من يريد مشاركته عبر ترجمته.

هذا فضلا عن أن أسلوب المقارنات الذي يبحث عن الاتحاد في الآخر وربما الفناء فيه، أو عن نفيه وإلغائه وتغييبه، هو أسلوب قاتلٌ للتعارف، لأن التعارف يستلزم أولا وقبل كل شيء إيمانا بحقيقة التعلم من الآخر، حتى في حالة تعليمه.

والأمر الثالث الذي يجب الانتباه إليه هو أن مفهومي civilization و culture، تماما مثل مفهومي العمران والحضارة، وسواها من المفاهيم، ليست مفصولة بحال عن التجربة التاريخية والرؤية الكونية للأمة التي تُبحث هذه المفاهيم فيها. بحيث تصبح عملية المقارنة عبر الترجمات مدعاةً للتشويه والتشويش، أكثر من كونها مجالَ حوار وتعارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت