فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 1942

و يحلل أرنولد توينبى المشكلة فيرجعها إلى غفلة الإنسان عن تكوينه المزدوج بين المادة والروح ، فيقول: ( إذا فقد الكائن البشرى روحه فإنه يفقد إنسانيته ، وذلك بأن جوهر الكيان البشرى هو إدراك لوجود روحي خلف المظاهر الطبيعية .. ) . وبسبب أنه يعيش في وقت واحد في المحيط الحيوي وفي العالم الروحي فهو كما وصفه السير توماس براون بدقة: حيوان برمائى ! وفي كل من الوضعين حيث يشعر أنه منسجم مع الوضع يكون له غاية خاصة ، ولكنه لن يتمكن من متابعة كل من الغايتين ، أو أن يخدم كلا من السيدين بإخلاص تام .... فأى البديلين يختار ..؟ ) .ثم يقول ( وفي عصرنا فقط أصبح الاختيار أمرًا لا مفر منه للبشرية ككل . ) تاريخ البشرية ج 1 ص 31 . وهذا بالضرورة يشير إلى ضرورة تحديد موقف الإنسان من الحياة الدنيا والآخرة تحديدا صحيحا . وهذا ما لا تملكه الحضارة الغربية المعاصرة التي لا تنفعها"إعادة تأهيل"، وساءت سمعتها فهي لا يجديها"رد شرف"، وبخست عملتها البالونية فهي لا ينفعها عند الخبراء"تسويق"، وقبح وجهها المتفسخ إلى حد لا يصلح معه"شمع التجميل"،

المسلمون وضرورة الوعي التاريخي

عبد القادر عبار

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

هذه الخواطر التي تأخذ شكل المقالات التي كنت نشرتها في بعض الصحف والمجلات . وقد عزمت على لمَ شتاتها وتجميعها في هذا الكتيب قصد تعميم الفائدة من قراءتها وتدبرها رغم تواضعها.

وإذا كانت مواضيعها مختلفة وعناوينها متنوعة.. إلا أنها تلتقي حول محور واحد ? وهو محور الوعي التاريخي.

وهو محور يحتاج في الحقيقة إلى تخصصات عالية وكفاءات ممتازة لمعالجته معالجة دقيقة وشاملة وإيفائه حقه في التحليل والطرح... إلا أن ذلك لا يعني عدم المشاركة في الكتابة فيه وإثارته من طرف الآخرين ممن هم اقل كفاءة وتجربة وتخصصا.. ما دامت تشغلهم هموم المسلمين التاريخية والحضارية وغيرها... وتهمهم قضايا الترشيد الثقافي وتنمية الوعي الحضاري لدى شباب المسلمين حتى يستعيدوا دورهم الخلافي والقيادي في تعمير الأرض وإقامة البديل الإسلامي المشرق? حيث العدل والأمن والحرية.

عبد القادر عبار

بين الجزم والتميّع

1)الإسلام محجوب بالمسلمين

ما اقبح أن توضع صورة متقنة بديعة براقة في إطار بخس عتيق لا يلائمها البتة فهو بقدر ما يزهد العين في النظر إليها وتأملها يصد النفس عن تذوقها وتلمس ملامح الحسن فيها ويحجبها عن أي تقييم صحيح . ومن هذا المنطلق ندرك مدى عمق تلك المقالة الجامعة التي أعلنها الشيخ الداعية محمد عبده في قولته الحكيمة"الإسلام محجوب بالمسلمين"بعد تجربته الطويلة في أغوار النفس والمجتمع الإسلامي.

الإسلام بتعاليمه السمحاء وتشريعاته القويمة يمثل الصورة الكاملة البديعة والمثالية للأديان السماوية غير أن الإطار الذي وجد فيه خلال السنين والقرون الأخيرة هو إطار فاسد متآكل لا يلائم حسنه وإشراقه ? إذ المسلمون الذين انتسبوا إليه ومثلوه في تلك السنين العجاف ببدعهم المظلمة وتجاوزاتهم المجحفة وأعمالهم المخالفة وجهلهم وكسلهم وتميعهم.. قد حجبوا الإسلام وغطوا حقيقته بما اقترفوا من بدع العبادات وفساد العادات الشيء الذي مهد -وللأسف- للأعداء على اختلافهم فرص التجريح والنقد والهدم والاتهامات القاسية لهذا الدين الحنيف الذي رأوا فيه- من خلال ما شاهدوا لا من خلال ما علموا وتحققوا- سبب التخلف والجهل والمرض والوسخ.

وفي هذا الصدد يقول المرحوم محمد فريد وجدي في بيان هذا الموقف الذي يقفه الغرب منا ومن ديننا ?"يجب أن نغفر للأوروبيين تصديقهم لكل الافتراءات ضد الإسلام والمسلمين.. فهم- أي الأوربيون- على حق إذا اظهروا العداء تجاه ديننا طالما كانوا لا يجدون أمامهم إلا البدع التي حذقها أناس تافهوا العقول وقبلها الجمهور وزاد فيها أشكالا أخرى من الخطأ ومخالفة الطبيعة البشرية وقوانين الحضارة.. وكيف نأمل أن يفهم الأوروبيون لب ديننا -الدين الوحيد الذي يحمل السعادة الحقة- طالما كانوا لا يعلمون إلا ملامح خارجية معينة للإسلام يشاهدونها كل يوم مثل الاجتماعات الصاخبة في الشوارع سائرة خلف الأعلام والطبول ( يشير بهذا إلى مواكب الصوفية -الحضرة- التي تزحف في الشوارع بأعلامها وطبولها تملا الآفاق صياحا بما يسمونه ذكر الله) ... والحفلات الممجوجة المخالفة لكل وعي والتي تقام في عدد من المدن الإسلامية يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم... والاجتماعات في حلقات واسعة أمام الآلاف من الناس والتراتيل الصوفية التي تؤدى بصوت قوي مصحوبة بالتمايل يمينا وشمالا ونحو ذلك..." (1)

أ) قرآن يتحرك

وخلافا لذلك كان السلف الطيبون الصالحون الترجمان الصادق الناصع للإسلام والإطار الملائم البديع للدعوة فقد كانت تعاليم الدين السمحاء وتشريعاته النقية ترى في كل صغير وكبير فيهم? كانوا بحق والله إسلاما يمشي في الطريق وقرآنا يتحرك في الأسواق لم يضيفوا إليه ما يخدش حسنه أو يجفف إشعاعه أو يحجب في كثير أو قليل عن العالمين كماله وبهاءه.

والحقيقة المرة أن المشاهد لحال المسلمين الآن وفي فترة التخلف والدارس لحقيقة الإسلام وأحوال المسلمين الأوائل يقع في حيرة ويأسف للتناقض الحاصل ?"فالتاريخ يقول لهم عن الإسلام شيئا ويرسم في آبائهم الأولين صورة مشرقة لآثار الإسلام فيهم وواقع الحال يقول لهم عن الإسلام شيئا آخر مختلفا اشد الاختلاف عما يقوله التاريخ ويريهم في أنفسهم صورة تختلف تماما عن الصورة التي يقال أن آباءهم الأولين كانوا عليها..." (2)

فالمطلوب من المسلمين الآن إذا كان بهم عزم صادق حقيقي في إظهار حقيقة الإسلام ناصعة للعيان ومؤثرة حقا وحتى يتجنبوا المزالق والاتهامات والتجريح الذي يكيله أعداء الإسلام لهذا الدين.. المطلوب منهم أن يكونوا ترجمانا عمليا ناصعا لتعاليم الإسلام القيم في سلوكياتهم وأعمالهم في سرهم وجهرهم وفي الباطن والظاهر.

ب) شهادة لهذا الدين

يقول المفسر سيد قطب في تفسير آية آل عمران (( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) )يقول ? إن المسلم المؤمن بدين الله مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء وتؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر وهو لا يؤدي هذه الشهادة حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين صورة يراها الناس فيرون فيها مثلا رائعا رفيعا يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وأوضاع وتشكيلات وهو لا يؤدي هذه الشهادة كذلك حتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته ونظام مجتمعه وشريعة نفسه وقومه فيقوم مجتمع من حوله تدبر أموره وفق هذا المنهج الإلهي القويم..." (3) ."

وهذا- بحق- ما فهمه اتباع الأنبياء والصديقون والمخلصون وهذا ما حققه الذين اسلموا وجههم لله -حقيقة- وشهد لهم به التاريخ (( أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) )

2)لماذا شاخ المسلمون ؟

* متى افترش العنكبوت الغربي ديار المسلمين حتى التقم خيراتهم وكنز ذهبهم وفضتهم واستحم بعرق عمالهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت