إن العلاج لا مفر له من أن يعود إلى تفكير الإنسان في طريقة معيشته ، إن أزمة التخلص من الفضلات مثلًا وهي أزمة عالمية ــ وهي أهون مشاكل أزمة البيئة المعاصرة ــ هذه الأزمة تنبع من أسلوب هذا الإنسان في الإنتاج والاستهلاك ، إنها تنبع من فهمه للاقتصاد ، تنبع من فهمه لعلاقته بالحياة الدنيا . تنبع من تكوينه العقدي الذي يصوغ علاقته بالطبيعة ، وعلاقته بالله . إن كل الأنواع الحية تنتج فضلات وجميعها بغير استثناء يمر بعمليات"إعادة التدوير"ليس بواسطة تلك الأنواع الحية نفسها، ولكن بأشكال أخرى من الحياة ترتبط معها بعلاقات التكامل والتوازن . وتقوم سُنن الله في الطبيعة بفصل العناصر ذات السمية لتدخلها في عمليات بطيئة لتحولها إلى مواد غير سامة ، وهذا بالطبع يفترض المحافظة على علاقات التوازن التي وضعها الله بين الأنواع الحية .
وإذا حدث أن تخطى أحد هذه الأنواع حدوده المرسومة له في هذا النظام ــ كشأن الإنسان المعاصر في طموحه للسيطرة على الطبيعة بواسطة العلم ــ فإن هذا النوع يتعرض لخطر أن يصبح عاجزًا عن الهرب من النتائج المترتبة على زيادة فضلاته ، فضلًا عن ذلك فإن احترام سُنن الله في الطبيعة من شأنه أن يساعد على عدم إنتاج مشكلة الفضلات أصلًا ، ذلك لأن فضلات أحد الأنواع الحية تصبح مادة نافعة لنوع حي آخر ، هذا ولأننا نحن البشر في ظل قيمة السيطرة على الطبيعة من قيم الحضارة المعاصرة ــ قد اكتسبنا ــ كما نتوهم ــ زيادة في قدرتنا على تشكيل العالم ، فقد بدأنا في إنتاج فضلات خرجت من ناحية كميتها واحتمالاتها السمية ، على الميزان الإلهي الموضوع لامتصاص هذه الفضلات ، ونتيجة لذلك فإن هذا الإنسان"الحضاري"الذي استبعد عقيدة الألوهية ، وتعامل معها من موقف حيادي ، أو على الأقل أنكر عقيدة العناية الإلهية .. هذا الإنسان أصبح ــ وفقًا للنواميس الإلهية نفسها"متروكًا لنفسه"وكان عليه أن يبحث عن طريق مستقل عن الله { قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم ، فقد كذبتم فسوف يكون لزامًا } 77 الفرقان ، ويقول تعالى { نسوا الله فنسيهم، إن المنافقين هم الفاسقون } 67 التوبة .
إن المطلوب هو تغيير يتناول أعماق النفس .
إن المطلوب هو طريقة جديدة في إنتاج السلع الاستهلاكية والتعامل معها .
لقد يسر الإنتاج الضخم للناس أن يمتلكوا منتجات الحضارة الصناعية المرغوبة بدرجة أكبر ، وينظر إلى هذا التطور على مستوى العالم كله تقريبًا باعتباره خطوة كبرى إلى الأمام . والحقيقة أنه حقق فعلًا تقدمًا هائلًا في مستوى المعيشة ونوعية الحياة، لمئات الملايين من البشر ، ومع ذلك فمن خلال تلك العملية لم تصبح المنتجات متاحة فقط ، ولكنها أصبحت رخيصة أيضًا ، ولما كان في الإمكان استبدال منتجات أخرى بها مماثلة لها وأرقى منها ، فلم يعد هناك لدى الإنسان المتحضر المعاصر ، ما يدعوه لحمايتها أو ادخارها ، أو العناية بها كما كان الحال في الماضي .
وإذا ما واظب هذا الإنسان على عاداته الاستهلاكية فسوف تنتصر القمامة في نهاية الأمر وفقًا لما يقوله المفوض العام السابق للشئون الصحية بولاية نيويورك ( يستطيع الناس التذمر من أفران حرق القمامة كما يحلو لهم ، بل إنهم يستطيعون أن يثيروا الجدل حولها ، أو يرسلوا شكواهم بشأنها للصحف ، لكن في النهاية يكون النصر للقمامة ) .
إن المشكلة ترجع إلى صميم التكوين النفسي ، ومن ثم الفكري ، والعقدي لإنسان هذه الحضارة الذي تم صياغته في نسيج حضارة زعمت أنها محايدة فيما يتعلق بالله ، فهي منفصلة عنه ، واتجهت إلى تأليه الإنسان ، وتأليه العلم ، ورفعت شعار السيطرة على الطبيعة ، منذ بدء عصر النهضة ، بدلًا من شعار"الانسجام"مع هذه الطبيعة ، ضمن منظومة العناية الإلهية التي يقررها الدين . إنه كما يقول آل جور: ( ما لم نعثر على طريقة نغير بها على نحو جذري حضارتنا وطريقتنا في التفكير فيما يتصل بالعلاقة بين الجنس البشري وكوكب الأرض فإن أولادنا سيرثون أرضًا خرابًا ) .
إنه كما جاء في مؤتمر"مرور ربع قرن على إنشاء المركز الإسلامي"في آخن بألمانيا في 17 مايو 1989 ووفقا لما ذكره مراد هوفمان في كتابه"الإسلام كبديل": ( فإن السبب الحقيقي لما آلت إليه البيئة من وضع متدهور وخيم العاقبة تجاوز حدود التحمل الطبيعي إنما هو اعتزاز الإنسان ــ غير المؤمن بوجود الله ــ اعتزازُه بجبروته ، حيث سولت له نفسه بأنه السيد المسيطر على الطبيعة والبيئة ، فاعتقد ذلك يقينًا ) (1) .
إننا نصل من ذلك إلى أن الصانع الرئيسي لكارثة الأرض المعاصرة ، هو مشروع الحضارة الغربية الذي قام بتصميمه المهندسون"المحايدون في العقيدة الإلهية"ولا يزالون يشرفون على مساره ويدفعون خطواته حتى الخطوة الأخيرة ، في أعماق الهاوية ، ولن يتراجعوا لأنهم اجتازوا نفسيًا وتاريخيًا نقطة الرجوع )
إن نقطة البدء في الحل لن تكون بمزيد من الارتباط بمنطلقات هذه الحضارة ( السيطرة ــ الاستهلاك ــ العلم وحده ) . ذلك لأن الكارثة إنما تقبل علينا من واقع تقدم هذه الحضارة ، فهل يمكن لهذه الحضارة أن تقدم الحل ؟ إذن لا تكون هذه الحضارة هي نفسها ، إن الحل لا يتصور مجيئه من هذه الحضارة بتركيبتها التي بدأت وآلتها التي انطلقت منذ عصر النهضة لأنها إنما قامت على استبعاد الدين .
يقول هارولد لاسكى المفكر السياسي الشهير: ( إن منهج الغرب في الحياة قد وضع في بوتقة الانصهار وصارت العلوم ــ سواء علوم الطبيعة أو علوم الحياة ــ جزءا من رد الفعل شبه التلقائي ، وتفتقر إلى الهدف ، فهي لا تقدم لنا شيئًا غير تلك القيم التي تشيع الفوضى ، وفي مقدور هذه العلوم أن تتيح شيئًا من الرفاهية المادية ، ولكن يبدو أنها عاجزة عن اكتشاف مبادئ الرضا الروحي ) .
إن كثيرًا من فلاسفة العلم المعاصر يتحدثون كما يقول تشارلز فرانكل في كتابه"أزمة الإنسان الحديث"ص 152-153 عن ( التقدم الفكري والعلمي ــ وهو أكبر مفخرة لما أتاه الإنسان الحديث ــ على أنه مجرد أحبولة وخداع ) . ونحن نقول: العيب ليس في العلم ولكن في وضعه بعيدًا عن الله .
ونحن نتساءل - وهذا بيت القصيد -: هل هناك أمل في أن تقوم حضارة بُنيت على مبادئ ثابتة ظلت تعمل وفقًا لآليتها مدة قرون أن تقوم بدور في تغيير جلدها ؟ مرة أخرى إنه لابد لهذه الحضارة كما يقول شفايتزر أيضًا من أن تقوم بالتغيير لا عن طريق الوعظ .. ولكن لابد من أن تنشأ العقلية الإيجابية الأخلاقية التي تنبع من نظرة عقدية تشمل الكون والحياة ، ثم يقول بما يشبه اليأس ( هذا هو المصير الذي انتهينا إليه: لقد فقدنا كل نظرية في الكون ) ص 6 .