ويتفق آل جور ــ وهو أحد كبار القيادات المسئولة في هذه الحضارة - مع التحليل الذي وصل إليه أرنولد توينبى للمشكلة ، حيث يقول آل جور: ( إن الثقافة الغربية المعاصرة تقوم على افتراضات متعلقة بالحياة ، يتم تلقينها للأطفال ، ألا وهي: إن الطبيعة يتعين إخضاعها ) . (وهي افتراضات انتقلت من جيل إلى جيل ، منذ زمن ديكارت وبيكون ، ورواد الثورة العلمية الآخرين ، أى منذ 375 عامًا مضت ، وقد استوعبت هذه الحضارة تلك القواعد ، وتعايشت معها قرونًا دون أن يراجعها أحد بجدية ) ، وهو يربط بين هذه العقيدة الحضارية وبين أزمة البيئة المعاصرة ، ثم يقول: ( إن الأزمة البيئية بلغت اليوم حدًا من الخطورة يجعلنا نعتقد أن حضارتنا يجب أن تعتبر بطريقة أساسية مختلة الوظائف ، وأن إحدى القواعد التي تقوم عليها الحضارة مختلة الوظائف هي أنك لا يمكنك مراجعة هذه القواعد أو مناقشتها ) . كأنه يتطابق في ذلك مع قوله تعالى: { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } 7 البقرة . وهذا يعني أن الحل لا يمكن أن يأتي في سياق الحضارة المعاصرة .
ثم يقول آل جور في تشخيص مرض الحضارة الذي أدى إلى أمراض هذه البيئة: ( كل جيل جديد في حضارتنا المعاصرة يشعر الآن بالاعتماد الكامل على تلك الحضارة نفسها . ذلك أن حضارتنا هي التي تزودنا بأنواع الطعام فوق أرفف السوبر ماركت ، والماء المتدفق من الصنابير داخل بيوتنا والمأوى ، والمأكل ، والملبس ، والعمل ، ووسائل التسلية …. إن أحدًا لا يجرؤ على مجرد التفكير في حرمان أنفسنا من هذه العطايا الكثيرة ) ص 233 ، ــ مما يعتبر مصداقًا لقوله r عن الكافر أنه يأكل في سبعة أمعاء ( المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) أخرجه مسلم في صحيحه: إنها نزعة الاستهلاك الجنوني الذي أطلقته هذه الحضارة من عقاله ، ليصبح وحشا كاسرا يستحيل إيقافه سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي ، وهي وإن كانت أمعاءً سبعة ، إلا أنها أمعاء زائفة ، يقول: ( إننا شيدنا في حضارتنا عالمًا زائفًا من الزهور البلاستيكية وحلبات السباق الفلكية ، وأجهزة التكييف ، وأنوار الفلورسنت ، والنوافذ الشكلية التي لا تفتح ، والموسيقى الخلفية التي لا تتوقف ، والليالى الوهاجة بالبريق ، ومواخير التسلية وأوكارها، والطعام المجمد لأفران المكروييف ، والقدرات الذهنية التي تعتمد على الكافيين ، والكحول ، والمخدرات ، والأوهام والخيالات .... إن العديد من القواعد غير المدونة لحضارتنا مختلة الوظائف يشجع على الإذعان الصامت فيما يختص بأنماط السلوك المدمر التي نتعامل بها مع عالم الطبيعة .. ) ص 234 ، ثم يقول: ( إن المرء يكاد يصيبه الهلع من جراء اندفاعنا المسعور والقسري الواضح ، لكي نفرض سيطرتنا على كل بقعة فوق ظهر الأرض .. ودائمًا فإن حاجات الحضارة التي لا يتم إشباعها تزيد نيران العدوان اشتعالًا ، والوصول إلى إشباع حقيقي لهذه الحاجات هو أمر بعيد المنال تمامًا ) . ثم يقول آل جور ( إن الأراضي التي يتم غزوها - يقصد بالتكنولوجيا الحديثة - لا تلبث أن تصبح أرضًا جدباء خربة ، وقد انتزعت منها خصوبتها ، وسلبت مواردها الطبيعية ، واستهلكت على وجه السرعة ، وكل هذا التدمير لا يؤدي إلى شيء سوى إذكاء شهيتنا للمزيد ، إننا نقوم بشكل منتظم بالاعتداء على أكثر مناطق عالم الطبيعة تعرضًا للخطر وأقلها قدرة على الدفاع عن نفسها: تلك هي الأرض المطيرة والمحيطات ..) ثم يقول ص 234: ( ونحن أيضًا نعتدي على أعضاء آخرين من الأسرة الإنسانية ، وبخاصة أولئك الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم ، لقد سمحنا بسرقة الأرض من السكان الأصليين ، وباستغلال المناطق التي يسكنها أشد الناس فقرًا . والأسوأ من ذلك كله أننا قمنا بالعدوان على حقوق الأجيال التي سوف تأتى بعدنا ، فعندما نقوم بتجريف الأرض بمعدلات تفوق قدرتها على الاحتمال تمامًا فإننا نجعل من المستحيل على أحفادنا أن ينعموا حتى بمستوى معيشة يقل كثيرًا عما ننعم به نحن . إننا الآن نفرض نموذجنا مختل الوظائف وإيقاعنا المتنافر على أجيال المستقبل ، ، وذلك بطريقة فاسدة ) مما يعتبر مصداقًا لحديث الرسول r عن جماعة ركبوا سفينة ، أراد من في أسفلها أن يخرقوا خرقا ليأخذوا منه الماء ( فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على يدهم نجوا جميعا ) أخرجه أحمد في مسنده .
وإنه لمن الغريب أن بعض المفكرين والمخططين من أبناء الحضارة الغربية المعاصرة يدعون إلى علاج عنصري لكارثة البيئة التي وصلت إلى حد جعل الأرض غير صالحة للسكنى ، فيقترح بعضهم - كما يذكر الدكتور رشدي فكار -: تبنى مسلسل"الكوارث المحسوبة"بالنسبة للبيئات الخاصة بالسكان بلا إنتاج (!!) ، يعنون بذلك"العالم الثالث". أو دفع هذا العالم ــ بالذات ــ إلى تحديد النسل بكل الوسائل والسُبل . أو تشجيع الحروب المحلية في العالم المذكور . وبتعميم الجفاف على أرضه وفق تخطيط معين . أو بنشر التلوث المقنن فيه !!!: أنظر"نهاية عمالقة"لرشدي فكار ص 131 .
وهناك فئة من العلماء تكتسب أهمية يومًا بعد يوم يطلق عليهم علماء"الأيكولوجيا العميقة"يبنون تصورهم للحل على أساس نظرتهم للإنسان باعتباره نوعًا من أنواع الفيروس ، أصاب الأرض بالطفح الجلدي والحمى ، وينسبون إليه القيام بدور سرطان يهدد الكرة الأرضية وينتشر فيها على نحو لا يمكن التحكم فيه ، واستمرارًا لهذه الرؤية فإن العلاج الممكن الوحيد لأمراض الأرض التي أصابتها هي ( استئصال الناس من على وجه الأرض) باستثناء فئة محدودة ينتسبون هم إليها ، باعتبار أنهم يقومون عندئذ بدور الأجسام المضادة للحد من انتشار المرض وهم بذلك يدفعون منطق التطور إلى نتائجه الحقيقية ( آل جور ص 219 ) .
وهناك فئة أخرى - تلتقي مع الحل الإسلامي - تشير إلى أن البداية الصحيحة تأتى من خلال تغيير النفس ، ومن ثم تغيير القواعد التي بُنيت عليها هذه الحضارة الغربية المعاصرة . يقول أرنولد توينبى ( يظهر أن الإنسان لن يستطيع إنقاذ نفسه من الدمار الذي تسببه قوته المادية وطمعه الشيطانيان ما لم يسمح بأن تتغير نفسه كليًا ، بحيث يحفزه ذلك إلى أن يتخلى عن غايته الحالية ، ويعتنق المثل الأعلى المخالف لذلك تمامًا .... فهل باستطاعته أن يقبل .. ؟؟ إن المناصرة حول هذه القضية التي طال عليها الزمن والتي يبدو وكأنها تكاد تبلغ نهاية تصعيدها في يومنا هذا هي الموضوع الذي يتناوله الصدام بين البشرية والأرض الأم … ) تاريخ البشرية لأرنولد توينبي ص 32 ج 1 .
إنه في نظر كثير من الخبراء والباحثين لا أمل في مواجهة كارثة البيئة المتفاقمة ما لم يُعدٌل الإنسانُ من سلوكه بالنسبة للأرض ، وجهاز الضبط الحرارى - الترموستات - الوحيد القادر على منع هذه الكارثة هو ما يكون في داخل رءوسنا وقلوبنا وعقيدتنا ص 95 ، يقول آل جور: ( إنه إذا كانت أزمة البيئة العالمية ضاربة الجذور في النمط مختل الوظائف ، المميز لعلاقة حضارتنا بعالم الطبيعة ، فإن الخطوة الأولى في الحل تتمثل في مواجهة هذا النمط .. وفهمه بالكامل وإدراك أثره المدمر على البيئة ، وعلينا أن ننتقل من مفهوم السيطرة على الأرض إلى مفهوم آخر ) ص 232 -239 .
وهذه إشارة إلى بداية الحل الصحيح للمشكلة في رحاب قوله تعالى { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } 11 الرعد .