فهرس الكتاب

الصفحة 1533 من 1942

ولذلك فإن مسألة القيادة التي هي النخبة أو النفر أو الفرقة التي تتولى شؤون القوم، وإنذارهم وإبلاغهم، وقيادتهم بالتعبير القرآني- هي المسألة المركزية في صياغة الرؤية والتصور الكلي الشامل من أجل أن تتبنى منهجًا يخرج قومها من ظلمات الفوضى إلى نور المنهج الواضح الأسس، البيّن الخطوات من أجل تحقيق مبادئ النخبة والمجتمع في أرض الواقع.

وفي هذا السياق فإن المشكلة في تصوري تتعلق بنمط القيادة التي تقود عملية التغيير الحضاري، ومدى وعيها واستيعابها للمعطيات المختلفة للواقع المعاصر، ولما يتطلبه القيام بمشروع بناء الحضارة من جديد من وضوح للرؤية وتوفر منهج شمولي متكامل للتغيير.

والحديث هنا يتجه أساسًا إلى العلماء والمجتهدين والمثقفين، إلى النخبة التي تقود المجتمعات الإسلامية، ومدى قدرة هذه القيادات على قيادة مشروع بناء الحضارة الإسلامية من جديد، إن نظريًا أو عمليًا.

ذلك أن مستقبل العالم الإسلامي يُناط بالقيادة التي تمتلك القدرة على شق الطريق اليبس في بحر الأزمة الخانق، وأن تكون قادرة -في رأي الجماهير من الناس- على فعل المعجزات التي تحوّل مسار التاريخ في لحظاته المدلهمة، وتنير الدرب بفعل تجاوزها ليوميات الأحداث، من خلال قدرتها على استشراف المستقبل، ورسم مسارات العمل المستقبلي، والحد من الخسائر، وتحفظ المحتوى العقائدي لما تحمله من أفكار، حتى لا يفرغ من محتواه أو يحوّر أو يبدّل.

غير أن مؤسساتنا بكل تنوعها؛ الدعوية والسياسية والثقافية والعلمية والاجتماعية وغيرها، غير قادرة اليوم على أن تواكب نمط التحولات السريعة والهائلة التي تحدث بفعل عصر العولمة الذي نعيشه، ولذلك فهي غير قادرة على صياغة المجتمع وفق التطلعات التي تؤمن بها.

كما أن النخبة بمختلف طبقاتها اليوم في عالمنا الإسلامي غير قادرة على أن تحمل في وعيها آمال الجماهير وغير قادرة على توجيه هذه الجماهير أيضًا. بل إن هذه النخبة التي من المفترض فيها أن تكون هي المعبر عن آمال وتطلعات الناس من جهة، وأن تكون هي مجسّات الوعي من جهة أخرى قد انغلقت على نفسها، ولم تعد قادرة على متابعة التغيرات والأحداث الكبرى التي تجري في عالم اليوم.

ولذلك فإن النخبة في العالم الإسلامي اليوم مدعوة إلى مراجعات جوهرية لكل الأطروحات التي تتداولها منذ أمد، وعلى مختلف الأصعدة، ومن كل الأطراف. وعلى النخبة أيضًا أن تعيد ترتيب أولوياتها، ووضع خط فاصل وواضح بين القيم المبدئية التي لا يمكن أن تتغير وبين المواقف والخطوات الإجرائية التي يمكن التراجع عنها أو تغييرها أو تطويرها أو تجاوزها إلى ما هو أكثر نضجًا ونجاحًا وقابلية لتحقيق مقاصد القيم الأصلية المبدئية وتحقيق مصالح الأمة.

وعليه فإن النخبة مطلوب منها اليوم أن تعيد تشكيل مواقفها وفق المبادئ الكبرى للأمة بشكل واضح وصريح ومؤسس ومنهجي، وألاّ تلجأ إلى التلفيق بين المفاهيم، ولا التركيب المشوه بين مختلف المقولات والتصورات. كما أن على النخبة أن تعيد النظر في مفاهيمها التقليدية الموروثة سواء من تراثنا الإسلامي أو من التراث الحضاري للأمم الأخرى، ويكون ذلك وفق رؤية علمية مبنية على الحجة البينة والبرهان العلمي والحوار المنفتح على الآخر، القابل للحقيقة مهما كان مصدرها، خاصة إذا علمنا أن الإسلام لا يُخشى عليه من أي فكرة أخرى، بل إن الإسلام ذاته ما هو إلا رسالة لإتمام المكارم التي بين الناس.

ومن هذا المنطلق، فإن النخبة يكون أمامها مجال فسيح للاجتهاد المحتكم إلى القيم الثابتة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، تسترشد بعد ذلك بما استقر من صالح الكسب البشري من فكر وثقافة وحضارة شحذتها وهذبتها الخبرة الإنسانية الطويلة الأمد.

وعليه، لا نكون في اجتهادنا أمام خطر الانحراف عن القيم الكلية الثابتة؛ لأن القرآن مصدِّق ومهيمن على كل تجربة أو فكرة، ولا نكون أيضًا أمام خطر التخلف عن مواكبة الأحداث؛ لأن الانفتاح على مختلف التجارب يذكي الخبرة وحس الخطأ والصواب لدى الأمة، ويقوّي مجسّات التحقق من صلاح التجارب على اختلاف مصادرها ومدى مواءمتها لمختلف المشكلات التي تهدف النخبة لحلها.

ونختم حديثنا هذا بالتأكيد على أن سلوك نهج الحضارة، والعمل على بعث الحضارة الإسلامية من جديد، والتمكين للإسلام والمسلمين لن يتحقق طالما بقيت النخبة في العالم الإسلامي غير قادرة على بناء رؤية واضحة، من خلالها تستطيع تحديد القيم والمبادئ الكلية، وتحديد المنهج ذي الإجراءات العملية لتحقيق مقاصد هذه القيم في دنيا الناس.

الأبعاد السياسية لحوار الأديان

الحوار الإسلامي المسيحي نموذجًا.

قراءة: محمد سليمان . 28/7/1424

العنوان: الأبعاد السياسية لحوار الأديان . الحوار الإسلامي المسيحي نموذجًا.

المؤلف: سامر أبورمان .

الناشر: دار البيارق ، عَمان .

سنة النشر: 2001م .

عدد الصفحات: ( 222 )

شهد الحوار الإسلامي المسيحي نشاطًا واسعًا في العقود الأخيرة ، وتعددت وتنوعت المواقف والتحليلات بخصوص دلالات هذا الحوار وأبعاده ، خاصة السياسية منها، فهناك من يرى أن الحوار هو وسيلة عقلانية لتجنب الصراعات الدينية ، وبناء حالة من التعايش بين أتباع الديانات السماوية ، وبين من يقول: إن للحوار أهدافًا سياسية خطيرة تصب في المحصلة لصالح الطرف القوي والمتفوق في الحوار ، وهو الطرف المسيحي أو اليهودي... الخ . هذه التساؤلات والجدالات هي التي سعى الباحث الإسلامي الأردني"سامر أبورمان"لمناقشتها في دراسته الحالية من خلال منهجية علمية تقوم على متابعة وثائق مؤتمرات الحوار الإسلامي المسيحي ، وتحليل هذه الوثائق واستنباط الأبعاد السياسية للحوار من خلال الوثائق والمفاهيم الرئيسة والقضايا المطروحة في النقاشات ، بالإضافة إلى المتابعة التاريخية لدورات الحوار ومؤتمراته.

مما يضفي على الكتاب أهمية مضافة أن الباحث قد سافر بنفسه وشارك في مؤتمر للحوار في ألمانيا ، كما أنه شهد مؤتمرات عقدت في عمان. ويتكون الكتاب من ثلاثة فصول: يضم كل فصل منها أربعة مباحث، يتناول الفصل الأول الطبيعة السياسية للحوار الإسلامي المسيحي ، ويتطرق فيه إلى التطور التاريخي للحوار وإلى أهداف الحوار السياسية وخصائصه وضوابطه ، والدوافع التي تقف خلفه بالإضافة إلى أبرز المعوقات . أما الفصل الثاني فيتطرق إلى أبرز المفاهيم السياسية في الحوار وهي: مفهوم العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، مفهوم السلام الدولي ، مفهوم العلمانية والعلاقة بين الدين والدولة في الحوار، مفهوم القومية والعلاقة بين الوطنية والدين، في حين يبحث الفصل الثالث في القضايا السياسية المهمة التي ركز عليها الحوار الإسلامي المسيحي، ومنها: الصراع العربي - الإسرائيلي والتسوية ، قضية القدس ، الاقليات والاستقرار السياسي، الغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثانية.

الطبيعة السياسية للحوار:

يتناول الباحث الطبيعة السياسية للحوار من خلال عدة محاور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت