تحول ذلك الديوان بجهد من رئيسه محمد كرد علي إلى 'المجمع العلمي العربي'، أو ما اشتهر بعد ذلك باسم 'مجمع اللغة العربية' للنهوض باللغة العربية وآدابها، وهو أول المجامع اللغوية ظهورا، وقد بذل محمد كرد علي جهدا كبيرا في تكوين هذا الصرح العلمي، ونجح في إبعاده عن التيارات السياسية والحزبية، وأنشأ له مجلة رصينة، صدر العدد الأول منها في [21 من ربيع الآخر سنة 1339 هـ= 2 من يناير 1921 م] ، ونشر له على صفحاتها 41 مقالة أدبية وتاريخية، وفتح قاعة المجمع للجمهور لسماع المحاضرات العامة التي كان يلقيها رجال الأدب والفكر، وكان من نصيب محمد كرد علي منها 62 محاضرة.
وقد ظل محمد كرد علي رئيسا للمجمع العلمي طوال حياته، لم يشغله عنه منصب تولاه، وصار شغله الشاغل، لا يبخل عليه بوقت أو جهد، يمضي فيه معظم وقته ويعده بيته وملاذه.
كان المجمع عند كرد علي أغلى من فلذة كبده، وهبه كل حياته وكل نشاطه، كما وهب مجلته كل جهده وعبقريته ولم يكن ليتخلف عن التردد على المجمع إلا لأمر طارئ.
في الوزارة
وإلى جانب رئاسة المجمع العلمي العربي، اختير كرد علي لتولي وزارة المعارف سنة [1338 هـ= 1920 م] بعد استيلاء القوات الفرنسية على البلاد، وأثناء وزارته بعث عشرة من الطلاب لاستكمال دراستهم العالية في الجامعات الفرنسية، وطاف بأوروبا في زيارة علمية اتصل خلالها بالمستشرقين والعلماء، وسجل هذه السياحة العلمية في مقالات طريفة، جمعها مع غيرها في كتابه الذي ذكرناه آنفا 'غرائب الغرب'، ثم ترك الوزارة بعد خلاف مع الحكومة، واكتفى برئاسته للمجمع، وأُسند إليه تدريس الآداب العربية في معهد الحقوق بدمشق سنة [1343 هـ=1924 م] ، وكان له الفضل الأكبر في تعليم الخطابة والإنشاء بهذا المعهد.
عاد كرد علي إلى الوزارة مرة أخرى سنة [1347 هـ= 1928 م] في حكومة الشيخ تاج الدين الحسيني، واغتنم فرصة وجوده في هذه الوزارة؛ فأنشأ مدرسة الآداب العليا، وجعلها تابعة للجامعة السورية، كما هيأ جميع أسباب افتتاح كلية الإلهيات، وأضيفت إلى الجامعة.
ولما أُنشئ مجمع اللغة العربية في القاهرة سنة [1352 هـ= 1933 م] كان محمد كرد علي واحدا من مؤسسيه الأُوَل.
وبعد خروجه من الوزارة ظل منصرفا إلى القراءة والكتابة، لا ينقطع عنهما، ولا يحول بينه وبينهما إلا المرض، وشغل وقته بإدارة المجمع العلمي العربي، وفي أواخر حياته أصدر مذكراته في 4 أجزاء، وقد أثارت دويا هائلا، وأوجدت له خصومات وعداوات.
آثاره الفكرية
وكان محمد كرد علي إمامًا في الصحافة، وحجة في التحقيق، وعلمًا في الكتابة والتأليف، وزعيمًا من زعماء القلم والفكر في الوطن العربي، إذ كان أول من أنشأ جريدة ومجلة راقية في دمشق، وكان أول من أسس مجمعًا علميًا عربيًا، ثم تلاه مجمع اللغة العربية في مصر ثم بعض المجامع الأخرى في عدد من بلدان الوطن العربي.
أما أسلوبه فقد وصف بالسهل الممتنع، فهو رقيق التعبير، بليغ باللفظ، الكلمات فيه على قدر المعاني، والجمل تطول حينًا وتقصر حينًا آخر، وهو في جميع الأحوال لا يتكلف ولا يتصنع، ويهدف إلى التركيز على المعنى دون أن يعطي كبير اهتمام للمبنى، وكان ينحو في كثير مما يكتبه منحى ابن خلدون في مقدمته.
جمع محمد كرد علي بين الصحافة والجامعة، والوزارة والمجمع العلمي العربي بدمشق، والمجمع اللغوي في مصر. وقد تولى وزارة المعارف مرتين في عهد الاحتلال الفرنسي.
كان محمد كرد علي من أصفى الناس سريرة، وأطيبهم لمن أحب عشرة، وأحفظهم ودًا ... وقد كتب في وصف نفسه: [خُلقت عصبي المزاج دمويه، محبًا للطرب والأنس والدعابة، أعشق النظام وأحب الحرية والصراحة وأكره الفوضى، وأتألم للظلم، وأحارب التعصب، وأمقت الرياء] .
يقف محمد كرد علي في المكانة الأدبية والعلمية الأولى بين أنداده الأعلام العرب. وقد بلغت مؤلفاته التي تركها اثنين وعشرين مؤلفًا، هي: - خطط الشام، وطُبع سنة [1344 هـ= 1925 م] في 3 أجزاء، وهو من أهم كتبه. - الإسلام والحضارة العربية، وطُبع في القاهرة في مجلدين سنة [1353 هـ= 1934 م] .- أمراء البيان، وطبع بالقاهرة سنة 1937 م.- أقوالنا وأفعالنا، ويضم عددا من مقالاته الإصلاحية، وطبع بالقاهرة سنة 1946 م.- [تاريخ الحضارة] جزآن، ترجمه عن الفرنسية. ـ [غرائب الغرب] مجلدان. ـ [دمشق مدينة السحر والشعر] . ـ [غابر الأندلس وحاضرها] . ـ [القديم والحديث] وهو منتقيات من نقالاته. ـ [كنوز الأجداد] في سير بعض الأعلام. ـ [الإدارة الإسلامية في عز العرب] . ـ [غوطة دمشق] . ـ [المذكرات] أربعة أجزاء.
كما حقق كتبا من عيون من عيون التراث العربي، منها:- سيرة أحمد بن طولون للبلوي، وطُبع في دمشق سنة [1358 هـ=1939 م]
-المستجاد من فعلات الأجواد للتنوخي، وطبع بدمشق سنة [1366 هـ= 1946 م] - تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي، وطبع بدمشق سنة [1366 هـ= 1946 م 1947 م] .].- كتاب الأشربة لابن قتيبة وطبع بدمشق سنة [1367 هـ= 1947] .
وفاته
توفي محمد كرد علي يوم الخميس الثاني من نيسان [أبريل] 1952 في دمشق، ودفن بجوار قبر معاوية بن أبي سفيان في دمشق.
المراجع:
ـ عبد الغني العطري [عبقريات شامية، مطبعة الهندي، دمشق، الطبعة الأولى [1986] .
ـ خير الدين الزركلي[موسوعة الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة 1980، الجزء السادس.
جمال الدين الألوسي - محمد كرد علي - دار الشئون الثقافية العامة -بغداد -1986 م.
سامي الدهان -قدماء ومعاصرون -دار المعارف -القاهرة -1961 م.
فضل عفاش -رحالات في أمة -دار المعرفة - دمشق - [1408 هـ= 1988 م] .
محمد رجب البيومي -النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين -دار القلم - دمشق [1415 هـ= 1995 م] .
جهود العلماء المسلمين في تقدم الحضارة الإنسانية
الأربعاء 12 ذي القعدة 1426 هـ - 14 ديسمبر 2005 م
مفكرة الإسلام: صدر حديثا في الرياض كتاب بعنوان جهود العلماء المسلمين في تقدم الحضارة الإنسانية من تأليف خالد بن سليمان الخويطر
يرصد هذا الكتاب بشكل مستفيض الإسهام الذي قدمه المسلمون في الحضارة الإنسانية من خلال رصد دقيق لمختلف المجالات العلمية مؤكدا بذلك عمق إسهام المسلمين في التطور الإنساني. وقد حاز البحث الذي تضمه صفحات الكتاب على جائزة يوسف بن أحمد كانو للتفوق والإبداع في دورتها الأولى عام 2000. يبدأ المؤلف كتابه بالإشارة إلى خصائص الحضارة الإسلامية مشيرا إلى ان منها الأخلاق والنزعة العلمية والتلازم بين العلم والعمل، وتقدير قيمة الوقت، فضلا عن الحرية المطلقة. وانطلاقا من الدعوة الصريحة التي يوجهها القرآن الكريم إلى العلم وابتكار وسائله عن طريق تفعيل الحواس المرتبطة بالعقل عند الإنسان، كان التلازم في مسار الحضارة الإسلامية بين الإيمان والعلم والعمل.