ويشير المؤلف في هذا الصدد إلى أن علماء المسلمين هم أول من ابتكر الأسلوب التجريبي في تناولهم للمعطيات العلمية والكونية من حولهم هو ما أدى إلى تأسيس قواعد المنهج العلمي التجريبي الذي ما زال العلم المعاصر يسير على هديه. ومن العلماء المسلمين الذين كان لهم باع طويل في هذا المجال الحسن بن الهيثم وابن النفيس، والخوارزمي، وجابر بن حيان وغيرهم كثير. بعد هذا الاستهلال يتطرق المؤلف في فصل تال إلى العلوم الإسلامية ومنها علم الطب والصيدلة مشيرا إلى أنه ليس هناك مجال حيوي حضاري ساهم فيه المسلمون أعظم من الطب فهم بهذا الإسهام لم يخدموا العالم الإسلامي بل خدموا البشرية خدمة جليلة امتدت إلى يومنا هذا. ويعرض في هذا السياق للطرق المبتكرة والعلوم الجديدة في المجال الطبي التي طرقها المسلمون وأدت بهم إلى الوصول بهذا العلم إلى درجة متقدمة جدا أكثر مما يظن الكثير من المعاصرين.
ويوضح المؤلف هنا تقدم المسلمين في علم التشريح باعتبار ما كان يمثله من دعوة للمسلمين إلى التجربة والمشاهدة والنظر الدقيق كمنهج علمي للوصول إلى الحقائق الطبية والتخلص من التخرصات التي لا تقوم على دليل أو برهان، وهنا يتركز فضل المسلمين في التوسع فيه وقيامه على الدقة والمشاهدة والتحليل العميق.
فضلا عن ذلك فقد حقق المسلمون تقدما كبيرا في مجال الجراحة ومارسوا جراحة العظام والسرطان وما تبع ذلك من استحداث مواد وطرق جديدة لخياطة الجروح وتعقيمها في التخدير أثناء العمليات الجراحية. وأعظم جراح مسلم أنجبته القرون الوسطى هو الطبيب الزهراوي الذي حقق الكثير من الإنجازات الطبية في هذا المجال ويعتبر مؤسس المنهجية التي قام عليها هذا الفرع المهم من الطب.
ومن الطب إلى الفلك يشير المؤلف إلى أن الفلك في حياة المسلمين ارتبط بكثير من شعائر دينهم حيث وعت الأمة الإسلامية على اهتمام قرآني غير مسبوق في الكتب السماوية الأخرى فيما يتعلق بالفلك والكون المحيط بالإنسان بكل معطياته. ومن الإنجازات الإسلامية التي يشير لها هنا بناء المنهج الفلكي على أسس أولية راسخة من حيث الدافع والهدف والرغبة مستشهدا في ذلك بما يقوله وول ديورانت بأن الفلكيين المسلمين لم يكونوا يقبلون شيئا إلا بعد أن تثبته الخبرة والتجارب العلمية،
وكانوا يسيرون في بحوثهم على قواعد علمية خالصة. ويستعرض في هذا الخصوص أهم إنجازات علماء الفلك المسلمين. ويشير إلى أن من مظاهر النهضة العلمية الإسلامية في مجال الفلك، بناء المراصد التي كانت مبثوثة في العالم الإسلامي من أقصاه شرقا إلى أقصاه غربا. ويلاحظ أن المسلمين حرصوا على إقامة مراصدهم في أماكن رفيعة لأنها أنسب وأكثر دقة في رصد الكواكب ولأنهم بذلك يرتفعون على أي بناء يحجب السماء عنهم، كما يلاحظ ضخامة أجهزتها لأنها في رأيهم تعطيهم نتائج دقيقة.
أما في مجال الجغرافيا فيشير إلى توصل المسلمين إلى تحديد دقيق لدرجات الطول ودوائر العرض وتمكنهم من ضبط تحديد عرض الأماكن عن طريق قياس ارتفاع النجم القطبي أو الشمس. وقد ظهر في المسيرة العلمية للجغرافيا الإسلامية أفذاذ من العلماء الموسوعيين الذين لم يقتصر جهدهم على علم دون آخر فكان للجغرافيا من علمهم نصيب، ومن هنا نرى إسهام المسعودي كمؤرخ في الجغرافيا وكذلك نرى العالم البيروني كعالم طبيعيات يسهم في مجال الجغرافيا وكذلك الكندي من ضمن إسهاماته الجغرافية الفلكية قوله بأن سطح البحر كروي كاليابسة. أما الأصطخري فهو أول عالم جغرافي ذا منهجية واضحة المعالم وخلف لنا كتابه «المسالك والممالك» ذكر فيه أقاليم بلاد الإسلام وغيرها وكان فيه دقيقا لم يعتمد فيه على النقل من غيره، وقد أحصى في كثيرا من المدن والأنهار والجبال.. الخ.
وعن إسهام المسلمين في علم الكيمياء يشير المؤلف إلى جابر بن حيان باعتباره مؤسس الكيمياء المنهجية في الحضارة الإسلامية. وقد اعتمد المسلمون على التجربة وحدها للوصول إلى الحقيقة العلمية ولذا اهتموا كثيرا بإنشاء المختبرات لإجراء تجاربهم وكان من هذه المختبرات مختبرا لجابر بن حيان وآخر للرازي. أما بالنسبة للأجهزة الكيميائية التي توصلوا لها فمنها جهاز التقطير، كما عرف المسلمون ميزان الماء وقد تحدث عنه العالم الخازن ووصفه وصفا دقيقا وعن استخداماته لقياس كثافة المادة.
واستمرارا لمنهجه يرصد المؤلف إسهامات المسلمين في مجال الفيزياء مشيرا إلى أنهم خاضوا غمار هذا العلم ببراعة وذكاء منقطعي النظير حتى لكأنهم أنشئوا علما جديدا فمن انجازاتهم واكتشافاتهم أنهم بحثوا في الوزن النوعي للمعادن والسوائل أما المعادن فكان أول من تطرق إلى وزنها هو سند بن علي الذي عاش في خلافة المأمون. كما أن المسلمين استطاعوا قياس الوزن النوعي للسوائل والذي يعد حتى في العصر الحديث بوسائله المتطورة أمرا عسيرا.
وراصدا لإسهامات المسلمين في علمي الرياضيات والأحياء والحيل على نفس المنوال يعرض لإسهاماتهم في الأحياء والأحياء الدقيقة. ويوضح أن علم الأحياء دخل في الحياة العلمية الإسلامية من بوابة اللغة، أي أن كثيرا من اللغويين من المعجميين أو فقهاء اللغة من قبلهم قد تحدثوا عن مصطلحات نباتية أو حيوانية كمسميات وألفاظ مع ما يستتبع ذلك من التأكد عن طريق التجربة والمشاهدة وسؤال الأعراب في الصحارى وأهل الخبرة في الزرع أو تربية ومعالجة الحيوان.
يبدأ المؤلف بعد ذلك في رصد أثر العلوم الإسلامية في أوروبا علما علما. فعن أثر علم الطب والصيدلة في أوروبا يذكر أنه لعل من أبرز مظاهر التأثير الطبي الإسلامي تصاعد حركة الترجمة المحمومة للكتب الطبية الإسلامية والتي بدأت في عهد مبكر جدا نظرا لحيوية هذا المجال في حياة الشعوب عامة وكانت الترجمة في الغالب تتم تحت إشراف مراكز ترجمة تابعة للكنائس أو للكليات الطبية وكانت تلك الكتب تصل إلى أوروبا عن طريق الأندلس بالدرجة الأولى وكان مهد حركة الترجمة تلك في جنوب إيطاليا.
أما علم الفلك فيعد من الميادين الحيوية التي تأثر بها الغرب من المسلمين ومن الطريف حسبما يذكر المؤلف أن التراث الشعبي لكل أمة في مجال الفلك لا بد أن يعتريه مسحة من الخرافة والأساطير أو ما يسمى بالتنجيم وذلك قبل حدوث أي نهضة فلكية علمية كبري وتبعا لذلك ظل لصنعة التنجيم التي ظهرت في بواكير النهضة الفلكية لدى المسلمين أثرها الواضح حتى على الفلكي الألماني يوهنس كيبلر الذي ألف تقاويم تنبؤية.
وبالنسبة للجغرافيا فقد ترجم كتاب القز ويني «آثار البلاد وأخبار العباد» إلى اللاتينية ولقبه الأوروبيون «بلين العرب» نسبة إلى بلين اللاتيني الذي له كتاب تاريخ الطبيعيات. أما كتب المعاجم الجغرافية التي كان المسلمون سباقون إليها فقد انتقل تأثيرها إلى أوروبا حين خرج أول معجم جغرافي أوروبي بعنوان «معجم أوتيليوس» في القرن السادس عشر الميلادي في حين كان أول معجم إسلامي هو معجم البكري الأندلسي الموسوم بـ «معجم ما استعجم» .
ومن استعراض تفصيلي لكل علم وأثره في أوروبا ينتقل المؤلف في باب جديد إلى تناول الصناعات الإسلامية وأثرها في أوروبا. ومن الصناعات التي يتناولها هنا صناعة الورق التي كان للمسلمين الفضل في نشرها على مستوى العالم آنذاك فلولا الورق الإسلامي حسب توصيفه لما تقدمت العلوم ولا نشطت حركة التدوين ولولاها لما دارت مطابع أوروبا ابتداء من القرن الخامس عشر.