فهرس الكتاب

الصفحة 1635 من 1942

لقد قدم الدكتور نبيل صبحي الطويل في هذا الكتاب إحصائيات لواقع البؤس والمرض والجهل والتخلف والأمية في أكثر من بلد إسلامي من خلال تجربته الميدانية وطبيعة عمله في منظمة الصحة العالمية، ولا شك عندنا أن هذه الإحصائيات غائبة غيابًا يكاد يكون كاملًا عن العاملين في الحقل الإسلامي فكيف بعامة المسلمين، إن الإحصاء أصبح علمًا له وسائله وطرقه، كما أصبح ضرورة لا يستغنى عنها في رسم خطط التنمية، إنه بالنسبة للعمل الصحيح ووضع الخطط أشبه بما يسبق عملية البذر من دراسة للتربة وتحديد لنوعيتها، ودراسة لكمية الأمطار والمناخ الملائم، ومن ثم يأتي اختيار البذر المستنبت .. وقد يكون الأمر الخطير في عالم المسلمين اليوم فيما وراء فسق المترفين الذين هم دائمًا سبب دمار هذه الأمم وسقوط حضارتها، وأقنية القاذورات والأمراض الجنسية والانحلال الذي يتسرب إلى جسمها.. قد يكون الأمر الخطير عند المسلمين اليوم: فقدان جدول الأولويات، وليست مسألة تصنيف الإنفاق وتحقيق التكافل بأحسن حالًا من قضاياهم الأخرى الكثيرة التي تغيب فيها جدولة الأولويات وتتغيب الحسابات!! فقد تقدم أموال في بعض بلدان العالم الإسلامي لمشاريع خيرية وفقراء تعتبر إذا ما قيست بالفقراء الذين لا يجدون الكفاف في مناطق أخرى من صور الترف والرفاهية، والعالم الإسلامي كالجسد الواحد، فما بالنا نساهم بتكريس تمزيقه وتقطيع أوصاله ؟ لقد بحث فقهاؤنا أولوية الحاجة، ولعل الذي يرجع إلى بحثهم حول: أيهما أشد حاجة إلى العطاء.. الفقير أم المسكين من مصارف الزكاة، وإذا لم يجد الإنسان إلاّ أن يعطي أحدهما ؟! بَيَّنَ الشافعية والحنفية ما يدلل على هذا النظر الثاقب والبصيرة الواعية التي غابت عن عالمنا ..

ولست بحاجة إلى القول هنا: إن العالم الإسلامي هو عالم متكامل اقتصاديا، إنه يمتلك الطاقة التي تحرك العالم، ويمتلك المساحات الواسعة والمياه والمناخات المختلفة التي تؤهله لأن يكون مخزن العالم بالغذاء أيضًا.. فإذا أضيف إلى ذلك كله العقيدة الوسط، فإن العالم ينتظر دوره في قيادة البشرية إلى الخير وإلحاق الرحمة بها .. لقد قام بعض المتخصصين في الجغرافيا ـ الأستاذ عمر الحكيم رحمه الله ـ بتقديم دراسة رقمية عن واقع العالم الإسلامي المتكامل اقتصاديًا.. القادر على أن يكون مخزن غذاء العالم وطاقته في المستقبل فيما إذا أحسنت قضية الاستثمار: فهل من سبيل إلى ذلك لتنتهي مشكلة الفقر في العالم الإسلامي ويتحقق النصر ؟! .

إن تحقيق التكافل الاجتماعي من شروط نهوض الأمم وبناء المجتمعات، وحسبنا أن نعلم أن المسلمين في جيش العسرة (غزوة تبوك ) بعد أن نفد زادهم في طريق العودة، اشترك العشرة منهم في امتصاص التمرة الواحدة، فكان ما كان من النصر والتمكين، فأين واقعنا اليوم من التحقق بشروط النصر ؟

وبعد: فكم نتمنى أن يتفرغ الدكتور نبيل، وهو الطبيب الأديب بما أتيح له من مجال بطبيعة عمله أو طبيعة طوافه على معظم بلاد العالم الإسلامي، ليقدم دراسة اجتماعية اقتصادية ثقافية لمجتمعات المسلمين التي شاهدها لتكون دليل عملٍ للمسلم اليوم، وألاّ يوزع اهتماماته في أكثر من موقع، فليس المستشرقون والمنصَّرون أحق بذلك ..

ونحب أن نؤكد بأننا عدلنا عن ذكر بعض النماذج لصور التخلف والحرمان في بلاد المسلمين لندع الأخ القارئ وجهًا لوجه أمام هذه الأرقام المفزعة على صفحات الكتاب، والله حسبنا ونعم الوكيل.

الصبح .. موعدنا

عندما أغلقت عيادتي وضربت .. في الأرض، قبل عقدين من الزمان، للعمل في إطار الصحة العامة على المستوى الدولي، لم يجل بخاطري، ـ آنذاك ـ، أنني، بذلك، أنتقل من المحيط الصغير للفرد المريض والعائلة الفقيرة.. إلى المحيط الكبير للمجتمعات الأفريقيةـ الآسيوية المسحوقة والشعوب المحرومة في ديار المسلمين.

ومثلما حاولت جهدي ـ في محيطي الضيق ـ القيام بواجب التوعية، كأحد أبناء هذه الأمة الصابرة، لتغيير المنكر قلبًا ولسانًا ويدًا، أسعى الآن ـ في المحيط الأرحب ـ؛ ذلك أن: (القيام بخدمة المجتمع وتقديم العون له ـ وخصوصًا للفئات الضعيفة فيه ـ عبادة رفيعة القدر لم يُحسنها كثير من المسلمين اليوم برغم ما ورد في الإسلام من تعاليم تدعو إلى فعل الخير وتأمر به وتجعله فريضة يومية على الإنسان المسلم ) (1 ) .

والفقر والمرض، والجوع والعطش، والأمية والجهل هي ـ فضلًا عن آلامها ومصاعبها ـ من ثغور الإسلام المفتوحة التي ينفذ منها الأعداء .. تحت ستار المساعدة على مكافحة التخلف !!، فالمرابطة فيها دفاعًا عن عزّة الإيمان وكرامة المؤمنين، ورفعًا للظلم عنهم، فرض عين على كل القادرين من ذوي الاختصاص وذوي السعة .

ومن هذا المنطلق جاءت هذه الدراسة عن أحوال المسلمين المحرومين والمآسي التي يُعانونها وأبعادها أفقيًا وعموديًا ـ جغرافيًا وسكانيًا ـ، ومضاعفاتها وعقابيلها،.. لعل هذا العرض الموضوعي الموثق يوضح الصورة المحزنة.. بل المخجلة أمام الله، ويثير الاهتمام اللازم، ويحث على العمل الجاد، ويُذكِّر الجسد الواحد أن كثيرًا من أعضائه يألم فلتتداع البقية بالسهر والحمى، ليكون المؤمنون في التواد والتراحم والتكافل كما وصفهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) [رواه الشيخان ] ؛.. إن أردت إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله .

فإلى المستضعفين في الأرض أقدم جهدي هذا سعيًا متواضعًا في سبيل تحسين حالهم وتخفيف آلامهم، بانتظار أن يعمهم العدل الشامل.. يوم يحكم الإسلام .. عسى أن يكون هذا اليوم قريبًا بإذن الله .. والصبح .. موعدنا.

(قُل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيءٍ قدير ) (آل عمران: 26 ) .

الفقر

( لو كان الفقر رجلًا .. لقتلته)

[ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ]

-ماهو الفقر ؟

-أفقر الدول العالم - مسلمة !!

-تلازم الفقر والمرض

-البلاد المعدمة ( الأكثر تخلفا والأقل نموا )

-الدول النامية - أم الدول الفقيرة ؟ !

-تراكم الديون الخارجية العامة لبعض دول العالم المسلمة

ما هو الفقر ؟

يُعرف الفقر الآن بأنه (عدم القدرة على الحصول على الخدمات الأساسية ) ؛ وهذه الخدمات هي أساسية لأنها توفر الحد الأدنى اللازم ـ الكفاية ـ لكي يعيش الإنسان، خليفة الله في الأرض، عيشه كريمة تليق بمستوى التكريم الذي خصَّه الله به ( ولقد كرمنا بني آدم ) .

والخدمات الأساسية هذه هي حق من حقوق الإنسان في الإسلام، إن لم يستطع الحصول عليها بعمله وإنتاجه ومدخوله لأي سبب وجيه، على الدولة القائمة أن توفرها له.

( إن الإنسان خليفة الله في أرضه، قد استخلفه عليها لينمي الحياة فيها ويرقيها، ثم ليجعلها ناضرة بهيجة ثم ليستمتع بجمالها ونضرتها، ثم ليشكر الله على أنعمه التي آتاه. والإنسان لن يبلغ من هذا كله شيئًا إذا كانت حياته تنقضي في سبيل اللقمة.. ولو كانت كافية، فكيف إذا قضى الحياة فلم يجد الكفاية ؟ ) (2 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت