ولقد استعاذ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الفقر والكفر في حديثه الصحيح: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ) ؛ وذكر عليه الصلاة والسلام حق الإنسان الآدمي في هذه (الخدمات الأساسية ) في حديث آخر: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء ) : أي المسكن المناسب ـ له ولأهله ـ، والكساء اللازم ـ له ولأهله ـ، والغذاء الضروري من طعام متوازن كاف وماءٍ نظيف يمنعان عنه وعن أهله الجوع والعطش، فيأمن، هو وأهله، غائلة الأيام ويكون صحيحًا في بدنه ونفسه وبيئته التي يعيش فيها.
وإذا جاءت منظمة الصحة العالمية، في أواسط القرن العشرين، بتعريفها الجامع للصحة فذكرت أن (الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنيًا وعقليًا واجتماعيًا.. لا مجرد انعدام المرض أو العجز ) (3 ) ، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أوضحها قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان في معرض توجيهه للمؤمنين في القناعة والاطمئنان والرضى في هذه الحياة إذا توفرت لهم هذه (الأساسيات ) ، قال صلى الله عليه وسلم: (من أصبح آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما أجيزت له الدنيا بحذافيرها ) أي توفر الأمن والأمان في النفس والبدن والمجتمع (وهذا ما يسمونه في هذه الأيام الأمن النفسي والأمن الغذائي والأمن الاجتماعي ) .
والقناعة والرضى والزهد هي من الخصال التي يتحلى بها صفوة المؤمنين الأتقياء.. بعد أن ينالوا حقوقهم الأساسية المذكورة ـ الكفاية ـ، فيرتقون درجات في الإحسان والتكاسل عن طلب الحقوق الأساسية.. ليس زهدًا؛ فعلي المسلم أن ينال حقوقه هذه ويتمتع بها، فإن وقف دونه ظلم (سعى لدفع الظلم عنه بكل ما أوتي من قوة بالوسائل التي شرعها الإسلام، فالسكوت على الظلم والصبر على الظالمين مع إمكان دفعهم عن ظلمهم، أمر غير محمود في الإسلام، وإذا كان الإسلام أجاز قتال الإنسان عن ماله واعتبره شهيدًا إذا قُتل [من قتل دون ماله فهو شهيد ] فما بالك بمن يدفع عن نفسه غائلة الجوع والهلاك ) (4 ) .
(وقد شرَّع الإسلام قواعد إلزامية لتحرير البشر من الفقر دون أن يقتصر على الحض ترغيبًا وترهيبًا، وبدافع التقوى على تخليص الناس من الفقر وتخفيف وطأته عنهم بمشاركتهم ومواساتهم، بل سلك الطريقين معًا الإلزامية والداخلية النفسية، وبهذه يتضح لنا خطأ القائلين بالرضى بالواقع بحجة أن الله قد قسَّم الأرزاق بين الناس وجعل منهم الفقراء والأغنياء. إن الله أمرنا ألا نرضى بالظلم والفساد والشرك والجهل مع أنها كلها من تقدير الله وقضائه بل أمرنا بالإنكار والتغيير بل محاربة هذه الظاهرات الاجتماعية لإحلال العدل والفضيلة والإيمان والعلم محلها، وما يصاب به الإنسان من مرض أو هلاك نفسٍ أو مالٍ عليه أن يدفعه عن نفسه ) (5 ) .
وصدق الله العظيم:
(والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيلُ على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم )
(الشورى: 39 ـ 43 ) .
هذا هو ( الطابع الأساسي الدائم للجماعة المسلمة ) .
أفقر دول العالم - مُسلمة !!
الفقر .. الذي كاد أن يكون كفرًا، هو الحرمان في أشد حالاته. تقول مصادر الأمم المتحدة: إن أكثر من نصف سكان ( بنغلاديش ) ، البالغ عددهم (92 ) مليونًا من البشر، يعيشون دون مستوى الكفاف. ( وتنقل وكالة رويتر للأنباء أن عشرة بالمائة من سكان العاصمة(داكا ) ،والبالغ مجموعهم 5.2 مليون نسمة، هم من (الشَّحَّادين ) الذين يسهمون بنصيب في الجريمة والدعارة، وتمثل النساء 34% منهم، وتتراوح أعمار 12% منهنَّ بين 12ـ17 سنة (6 ) .
ولا حاجة للاسترسال في نقل ما كتبته الوكالة عن أحوال هؤلاء الفقراء المعدمين فلقد شاهدتم منذ سنوات يفترشون، بالآلاف، أرصفة الشوارع حتى إنه يستحيل على المارة المشي على الأرصفة في المساء، فالأجساد الهزيلة المريضة الجائعة تتكدس بأسمالها البالية متراصة على جوانب الطريق. وكلما استعدتُ هذه المشاهد المؤلمة في ذاكرتي تداعت معها بالمقابل كلمات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( ليس مني من بات شبعان وجاره جائع، وهو يدري ) ، ( أيما أهل عَرصَةٍ أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ) ، ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ) .. فأين التكافل الإسلامي المفروض؟
ولقد وضع علماء الاجتماع مقاييس كمية لمدى انتشار الحرمان في العالم باعتماد مؤشرات تقريبية معينة منها: نقص التغذية في الفرد،ومتوسط العمر المتوقع عند ولادته ، ومدى انتشار الأمية، وغيرها؛ أما التغذية فحاجة بدنية أساسية لازمة، وأما متوسط عمر الفرد فيعكس مدى تأثير مختلف أنواع الحرمان؛ وأضيف إلى هذين المقياسين البيولوجيين، عنصر الأمية كمؤشر للحرمان من التطور الاجتماعي.وتعطي هذه المؤشرات الثلاثة، بنظر خبراء الأمم المتحدة، صورة موجزة وواضحة لمدى انتشار الفقر في مظاهره الشائعة.
وعلى هذا الأساس صنفت هيئة الأمم المتحدة عام 1971م دول العالم حسب المقاييس، في جدول مقسم إلى ثلاث فئات: دول متقدمة، ودول نامية فقيرة، ودول معدمة ( أكثر بلاد العالم فقرًا وتخلفًا.. ماديًا ) ، ـ أو الأقل نموًا ـ !!، أما الفئة الأولى ـ المتقدمة ـ فتشكل 25% من سكان العالم وهي في 37 دولة تعدادها حوالي (1100 ) مليون نسمة. والدول النامية تشكل، مع الدول المعدمة 75% من سكان العالم، ومجموع دولها ـ آنذاك ـ (89 ) دولة، أما سكانها فيبلغون (3000 ) مليون نسمة، وحددت الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1971م الدول المعدمة ـ الأكثر تخلفا ً ـ بـ 24 دولة ثم أضيفت إليها أربع دول أخرى عام 1975م، وزيدت ثلاث أخرى عام 1977م، وأخيرًا رفعوها إلى ست وثلاثين دولة بعد إضافة خمس دول أخر. وقالوا إن هذه الدول ـ الأقل نموًا ـ كما سموها صنفت هكذا (7) على أساس شروط ثلاثة قائمة فيها:
1-إجمالي الدخل القومي للفرد كان أقل من (100 ) دولار أمريكي في العام
2-كان نصيب الصناعة من إجمالي الدخل القومي لا يتعدى 10%.
3-كانت نسبة الأمية فيها 80% أو أكثر.
(25 ) دولة منها في أفريقيا، و (8 ) في آسيا، و (2 ) في أوقيانوسيا وواحدة في أمريكا، وأغلبية سكان هذه الدول (في آسيا وأفريقيا ) .. هم من المسلمين، وأربع دول منها أعضاء في جامعة الدول العربية !! وهذا هو جدول بأسمائها ومواقعها:
أفقر دول العالم ( وأكثرها تخلفًا )
في آسيا
في أفريقيا
26 -أفغانستان 15- بورندي 1- تشاد
27-بنغلاديش 16- بنين 2- غينيا
28-بهوثان 17- بوتسوانا 3- مالي
29-اليمن - في الشمال 18- ليسوتو 4- النيجر
30-اليمن - في الجنوب 19- ملاوي 5- الصومال
31-جزر المالديف 20- رواندا 6- السودان
32-نيبال
21-أوغندا 7- غامبيا
33-لاوس- في أوقيانوسيا 22- جيبوتي 8- تنزانيا
34-جزيرة ساموا- الغربية 23- غينيا الاستوائية 9- فولتا العليا
35-تونجا- في أمريكا 24- ساوتومي 10- الحبشة
36-هاييتي 25- سيشيل غينيا بيساو-11
12-جزر القمر
13-أفريقيا الوسطى
14-الرأس الأخضر
والجدول التالي يبين نسبة الفقر بين السكان في بعض الدول الأفريقية الآسيوية حيث تعيش غالبية المسلمين (8 ) .
نسبة الفقر بين السكان
أفريقيا
السنة
دخل الفرد بالدولار- عام 1970
نسبة الفقر
شمالي نيجيريا
1970 - 71م
الصومال
65 في العام
غانا