والمقصود هنا؛ فريق من المسلمين ثبتوا على دينهم، ولكنَّ نقعًا من هذه الفتنة أصابهم، وذلك أنهم حاولوا إبراز محاسن الإسلام للكافرين، وأن المسلمين كانوا في حضارة وعلم من جنس حضارتهم وعلومهم، فهؤلاء صحت ألفاظهم وأخطأت معانيهم، فالإسلام هو دين الحق والعلم والحضارة، ولكنها حضارة غيرُ الحضارة وعلمٌ غير العلم.
سارت مشرقة وسرت مغربًا ... شتان بين مشرقٍ ومغرب
فحضارتهم دنيوية زائلة، وحضارة المسلمين دينية نبوية باقية، وعلومهم دنيوية دنيه، وعلوم المسلمين شرعية ربانية:
سلفيةٌ سنيةٌ نبويةٌ ... ليسوا ... ... أولي شطحٍ ولا هذيانِ
وقد كتبت هذا البحث ونقلت فيه كلام الأئمة الأعلام حول هذا الموضوع، وقسَّمته إلى أربع فصول:
فالفصل الأول: عن الحضارة الإسلامية وعلاقتها بالعلم الشرعي.
والفصل الثاني: عن العلوم الدنيوية التي قيل إن المسلمين برعوا فيها وحكمها شرعًا.
والفصل الثالث: عن العلماء المسلمين الذين قيل إنهم برعوا في هذه العلوم وحكمهم شرعًا.
والفصل الرابع: عن الشبهات التي قد ترد حول هذا الموضوع وردها.
هذا وما كان في هذا البحث من صواب؛ فمن الله، والحمد لله على ذلك، وما كان فيه من خطأ؛ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله.
وأخيرًا...
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا البحث خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من قرأه.
وصلى الله على محمد
إن الحضارة الإٍسلامية الصحيحة؛ هي التي وجدت في القرون المفضلة، في وقت الصحابة والتابعين، وأئمة الدين، فريق الهدى، وأشياع الحق، وكتائب الله في أرضه، الذين بلغوا من الدين والعلم والقوة غاية ليس وراءها مطلع لناظر، ولا زيادة لمستزيد، ففتحوا البلدان، وشيدوا الأركان، ودانت لهم الأمم، وتداعت لهم الشعوب.
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
هم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (1) .
أولئك هم (أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علومًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا) (2) .
وهم النجوم لكل عبدٍ سائرٍ ... ... يبغي الإله وجنة الحيوانِ
وسواهم والله قطّاع الطريق ... ... أئمةٌ تدعو إلى النيرانِ
فَمن كان مفاخرًا؛ فليفاخِرْ بهم، ومن كان مكاثرًا؛ فليكاثرْ بهم، فدينهم هو الدين، وعلمهم هو العلم، مكّن الله لهم في الأرض ففتحوا الدنيا وحكموا العالم في مدةٍ لا يبلغ فيها الرضيع أن يفطم.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: (واستولى المسلمون في ثلاثة أعوام على كرسي مملكة كسرى وعلى كرسي مملكة قيصر، وعلى أمَّي بلادهما، وغنم المسلمون غنائم لم يسمع بمثلها قط من الذهب والحرير والرقيق فسبحان الله العظيم الفتاح) (3) .
وقبل انتهاء جيل الصحابة رضوان الله عليهم؛ كانوا قد فتحوا من الأندلس غربًا إلى الصين شرقًا، وذلك قضل الله يؤتيه من يشاء.
ثم إن المسلمين لم يزلْ أمرهم في إدبار بعد القرون المفضلة وقوتهم في ضعف، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم من البعد عن الدين والتعلق بأذيال الكافرين.
لذلك فاعلم؛ أن الدين ما انتهجه السلف، والعلم ما طلبوه، وما سوى ذلك فلا خير فيه.
فصل
وفي هذه الأزمنة التي أتت بكل عجيب؛ ظهر قوم بهرتهم زخارف بني الأصفر وبلبلت أفكارهم وفهومهم، فشعروا - لبعدهم عن الحق - بنقص إزاء ما يرونه، فهبوا إلى التاريخ يقلبون أوراقه لعلهم يجدون فيه ملجأً أو مغاراتٍ أو مدَّخلًا يسترون فيه هذا النقص، فطووا ذكر القرون المفضلة لأنهم يعلمون أنه ليس فيها لشفرتهم محزّا، ولا لبغيتهم طائلًا، وأمعنوا النظر في دويلات البدع والضلالة، فأخرجوا منها زبالات التاريخ وحثالات المسلمين ممن تفلسف وتزندق وألحد في دين الله، فلمَّعوا وجوههم الكاحلة، ونفضوا عنها الدَرَن والنتن، وهيهات هيهات"هل يصلح العطّار ما أصلح الدهرُ؟"، فبارزوا بهم الكفار، فكانوا بحقٍ كعبدٍ صرعه أَمَةٌ، وكالمستجير من الرمضاء بالنار.
طلبت بك التكثيرَ فازددتُ تلةً ... وقد يخسر الإنسانُ في طلبِ الربحِ
فهرفوا بما لم يعرفوا، فما كلامهم إلا خطل، وما حديثهم إلا هَذَر، وقديمًا قيل:"مَنْ أكثرَ أهجَرَ".
فالإسلام لم ينضب معينه من أفذاذ الرجال، ولا من الأئمة الأعلام، حتى يكون بحاجةٍ إلى كلّ موقوذة ومترديةٍ ونطيحةٍ ينازل بهم المسلمون والكافرين.
ولكن النكتة في ذلك؛ أن هؤلاء القوم إنما أرادوا مبارزة بني الأصفر بعلومٍ من جنس علومهم، وهذه العلوم لم يبرع فيها من المسلمين إلا الملاحدة، وغفلوا أو تغافلوا عن قوله تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا} [سورة الإسراء: 20] ، وهذا من عطائه سبحانه، والدنيا يعطيها الله لمن يحب ويكره، ولكن الدين لا يعطيه الله إلا لمن يحب، وإلا فهذه العلوم لا تدل على حق ولا تمنع من باطل، بدليل أنك لو جمعت ما عند ملاحدة اليونان والمسلمين من هذه العلوم ثم قارنتها بما عند الكافرين اليو؛م لما بلغت عشر معشارها.
والنقص إنما يشعر به من ابتعد عن جادة الدين، وإلا فمن سلكَ الجَدَد؛ أَمِنَ العثار.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (وإذا كان خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه، كان إلى الكمال أقرب، وهو به أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه أضعف، كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق، والكامل هو من كان لله أطوع وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان اتْبع لما يأمر الله ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبر على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل، وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك) (4) .
ولو أمعنوا في دراسة التاريخ؛ لاتضح لهم جليًا إن المسلمين لم يضعفوا ويتسلط عليهم الكفار والتتار والباطنية وغيرهم إلا بعد انتشار مثل هذه العلوم والعلماء بين المسلمين.
(1) رواه الشيخان عن عمران بن حصين رضي الله عنهم.
(2) رواه سعيد بن منصور عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(3) تاريخ الإسلام: ص159.
(4) المجموع: 11/4.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (كما هي عادته سبحانه وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي، وتعوضوا عنه بكلام البشر، فالمغرب؛ لما ظهرت فيهم الفلسفة والمنطق واشتغلوا بها استولت النصارى على أكثر بلادهم وأصاروهم رعية لهم، وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد المشرق؛ سلط الله عليهم التتار فأبادوا أكثر البلاد الشرقية واستولوا عليها، وكذلك في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد؛سلط الله عليهم القرامطة الباطنية، فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات واستولوا على الحاج واستعرضوهم قتلًا وأسرًا) (1) .
فصل
فالعلم؛ هو العلم الشرعي، وهو الذي دل عليه القرآن والسنة وكلام السلف لا علوم الفلاسفة والملاحدة.
وفي الحديث: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل؛ آية محكمة، وسنة متبعة، وفريضة عادلة) (2) .
وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى: (العلم ما جاء به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما كان غير ذلك فليس بعلم) (3) .