الثاني: توفير الظروف والشروط الموضوعية التي تجعل التزام المسلم بدينه ميسورًا، وبعيدًا عن الحرج والمشقة التي لا تُحتمل؛ إذ إنه لا يكفي أن تكون التعاليم الإسلامية ضمن الطوق، بل لا بد إلى جانب ذلك من أن تكون الظروف المعيشية العامة التي يحيا فيها المسلم مناسبة، ومشجِعة على الالتزام.
إنه كلما تعقدت الظروف المطلوبة للعيش الكريم؛ قلّ عدد أولئك الذين يتصرفون ضمن مبادئهم، ويلتزمون حدود الشرع، فحين يكون المرتّب الشهري للموظف لا يكفي لسداد أجرة البيت الذي يسكنه، فإن شريحة كبيرة من الموظفين سوف تلجأ إلى طرق غير مشروعة في تأمين احتياجاتها اليومية، وآنذاك سيشعرون أن الالتزام التام لا يخلو من العنت، وحينئذ سيكون عدد الملتزمين بالطرق الشرعية في الكسب محدودًا.
إن الحضارة الحديثة أضعفت الإرادة بما أوجدته من صنوف اللهو والمتع، وجعلت الشروط المطلوبة للحد الأدنى من العيش الكريم فوق طاقة كثير من الناس، كما أنها أوجدت من الطموحات إلى الكماليات، وأشكال المرفِهات ما يتجاوز بكثير الإمكانات المتاحة، وهذا كله جعل الاستقامة على الشرع الحنيف بحاجة إلى نمط من الرجال أرقى، كما جعل من الواجب على الأمة أن تفكر مليًّا في توفير ظروف تساعد على الاستقامة، وتحفز عليها.
إن المنهجية الإسلامية تقوم دائمًا على ما يمكن أن نسميه بـ [الحلول المركبة] ؛ إذ إن هناك من النصوص والأحكام ما يرفع الوتيرة الروحية للمسلم، كما إن هناك ما يزيد في بصيرته، وهناك ما يدعوه إلى الصبر والجلد، وهناك ما يحفزه على تحسين ظروف عيشه وأدائه، ولا بد أن نمنح الفاعلية لكل ذلك حتى يمكن تجسيد المنهج الرباني في حياة الناس.
إن الفكر مهما كان قويًّا، وإن الوعي النقدي مهما كان عظيمًا، فإن سلوك الناس لن يتغير كثيرًا ما لم تنشأ ظروف وأوضاع جديدة تحملهم حملًا على التحول إلى سلوك الطريق الأقوم والأرشد.
ويؤسفني القول: إننا لم نستطع إلى الآن أن نبلور نظرية إصلاحية إسلامية معاصرة ومتعمقة في تلمس شروط الاستجابة والظروف الصحيحة والمثلى لها، إلى جانب تلمس مجمل الحساسيات والترابطات والتداعيات التي تشكل المناخ المطلوب لقيام حياة إسلامية راشدة!.
إن جل اهتمامنا ينصب على بيان ما يجب عمله، أما البرامج والكيفيات والإجراءات والأطر والسياسات التي يجب اتباعها وتأسيسها من أجل تحويل المبدأ إلى واقع معيش .. فإنها لا تلقى ما تستحقه من اهتمام ومتابعة، والخبرات لدينا في ذلك ما زالت ضئيلة، بل إن هناك مَن يستوحش من الخوض في غمار مثل هذا النوع من البحث، ويعد التعمق في ذلك ضربًا من [الاستغراب] أو الجنوح نحو المادية! ومن الدعاة من يدعي أنه عارف بكل ذلك، لكن لو نظرت في إنتاجه المعرفي لم تقف له في هذه السبيل على كتاب، أو رسالة، بل على خاطرة أو فكرة .. [وما أطيب العرسَ لولا النفقة] !! ولله الأمر من قبل ومن بعد.
من:' فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ' للدكتور/ عبد الكريم بكار
خطابات الظواهري وملامح الطريق الثالث
السبت 22 من جمادى الثانية 1428 هـ 7 - 7 - 2007 م الساعة 12:12 م مكة المكرمة 09:12 ص جرينتش
... الطريق إلى إصلاح ثقافي حقيقي في مجتمعاتنا ...
الطريق إلى إصلاح ثقافي حقيقي في مجتمعاتنا؟؟
عصام زيدان
مفكرة الإسلام: يشن الرجل الثاني في تنظيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري بين الحين والآخر هجومًا شرسًا على جماعة الإخوان المسلمين في مصر, وكذلك على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بجامع المشروع السياسي التغييري الذي يجمع الجماعة والحركة.
هذا المشروع السياسي للإصلاح الذي تقوم على أساسه عدة حركات تغييرية في العالم العربي والإسلامي كان محل انتقاد من قبل الظواهري, في شريطه الأخير الذي نقلته عدة وكالات منذ أيام, فهو في معتقده نوع من الانبطاح للمفاهيم الغربية متمثلة في الديمقراطية, كما هي في مخيلته نوع من التفريط في الحاكمية والشريعة التي توجب منابذة الأنظمة وإسقاطها لإعلاء راية الشريعة والتمهيد للخلافة الإسلامية المغيبة منذ العام 1924.
خلاصة ما يردده الظواهري إذن في مجمل خطاباته يقوم على محورين أساسيين:
المحور الأول: أن حركات التغيير السلمي المتترسة خلف العمل السياسي متلبسة بالخطأ من ناحيتين:
الأول: أنها تفرط في الشريعة الغراء باتخاذها المفاهيم والمعتقدات الغربية سبيلًا للتغيير.
الثاني: أن هذا الطريق عقيم لا يمكن أن يسفر في نهايته عن شيء للأمة, وإنما هو من قبيل العبث وتضييع الأوقات.
المحور الثاني: أن الطريق الوحيد والسبيل القويم للوصول إلى الخلافة الراشدة لن يمر إلا بالتغيير القسري, وهذا على شقين:
الأول: استنزاف العدو البعيد المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية كونها تدعم تلك الأنظمة, وتساهم في إطالة عمرها.
الثاني: مجابهة العدو القريب بالعمل المسلح لغاية إسقاطه لمصلحة المشروع الإسلامي, وإقامة الخلافة الراشدة.
محاور رئيسة:
لا نريد أن نخوض كثيرًا في التعرض لرأي الظواهري, ولكن قبل أن نعرض ما نسميه الطريق الثالث أو"هندسة المجتمعات"نريد أن نقف عند عدة محاور رئيسة نمهد لما نريد أن نطرحه في هذا الشأن.
أولًا: الإشارة أو الملاحظة الأولية في البداية كتمهيد .. هي أننا يجب ألا ننجر إلى ثنائية الاختيار المفروضة علينا .. وذلك مثل حوار الحضارات وصراع الحضارات .. الإصلاح بالسياسية أم الإصلاح بالعنف .. معارض للحكومات أو مهادن لها ...
فهذا الحجر الفكري يقوض مناحي التفكير المختلفة, ويجمدها عند برهة من الزمن, ظهرت فيها مجموعة من الاجتهادات البشرية هي وليدة ساعتها وزمنها, وقد يعتريها ما يعترى الاجتهادات من ظهور قصور وعدم صلاحية للوقت والزمن الحالي.
ثانيًا: أن التغيير السلمي المستند إلى آليات سياسية صحيح أنه لم يتمكن حتى الآن من تحقيق نجاحات تمكنه من تغيير وجه الدولة والمجتمع إلى حيث الوجهة التي يريد, وذلك في أغلب الأحيان يكون ناجمًا عن تدخل السلطة الحاكمة بإجهاض المشروع من بدايته أو تتدخل في نهاية المطاف لإنهاء ما يمكن أن يحققه من نجاحات, ودليل ذلك تجربة حزب جبهة الإنقاذ في الجزائر عام 1991.
كما قد يكون التدخل من قبل القوى الخارجية النافذة على الساحة الدولية والتي تجد آذانًا مصغية من قبل السلطات الداخلية لإجهاض مثل هذه التجارب مثلما هو مشاهد في تجربة حركة حماس في فلسطين.
ثالثًا: كما أن التغيير المسيس قد فشل من منظور الرؤية الواقعية حتى الآن, فنفس الشيء يمكن أن يقال عن التغيير القسري العنيف, هو إلى الآن لم يسجل أية نجاحات تذكر من حيث الواقع, غير مناوشات جرت في التسعينيات على صعيد واسع في مصر وعدة دول أخرى ما زالت تواجه تلك الحركات العنيفة, ثم في الأخير تراجعت الجماعة الإسلامية عن خطها منذ عشر سنوات وتبعتها حركة الجهاد الإسلامي منذ بضعة أشهر أيضًا.
رابعًا: معظم حركات التغيير القائمة والسابقة إنما استندت في مسعاها التغييري إلى مجابهة الأنظمة الحاكمة, وفقط تغيرت آلية المواجهة, فهي آلية سياسية عند البعض كما هو عند جماعة الإخوان, فيما كان التعجل سمت الكيانات الأخرى التي أرادت حسم المعركة مبكرًا عن طريق السلاح, وهو مسعى القاعدة ومن دار في فلكها وانضوى تحت لوائها.
فالفكر والتوجه, وإن اختلفت الآلية, يقوم في الأساس على ضرورة إزاحة السلطات الحاكمة لإيجاد سلطة أخرى تسوس المجتمع وتقوده إلى حيث الوجهة التي تريد.