فهرس الكتاب

الصفحة 1819 من 1942

لقد لقيت دعوة فولتير هذه، وهي كتابة التاريخ وفقا للمنهج الحضاري، ترحيبا من قبل بعض المؤرخين الغربيين ك (ماكولي) وغيره، وبدأت الدراسات وفق هذا المنظور تتزايد في الغرب، وبدأ المنظور السياسي يتنحى عن مكانته، التي ظل سيدها في أوربا طيلة العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر.

على أن ما يصدق على التاريخ الأوربي في العصور الوسطى، لا يصدق على التاريخ العربي الإسلامي في العصور الإسلامية.

فلقد كانت توجهات أغلب المؤرخين العرب المسلمين توجهات حضارية، بمعنى أنها أرخت للأمة في كافة جوانب حياتها الدينية والعلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

فقد أرخ المسلمون في السيرة النبوية الشريفة، فكتبوا عن كل ما يتصل بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته الرسول والنبي وهادي البشرية، وأرخوا للصحابة رضوان الله عليهم، والمحدثين والفقهاء والنحاة والشعراء والأطباء والحكماء (الفلاسفة) والصوفية والأولياء .. وفي كتب الطبقات والتراجم ما يقف دليلا صادقا على ما نقول.

بل إن الصورة التي تظهر بها كتب التواريخ العالمية وكأنها قد عنيت فقط بالجوانب السياسية، لا تمثل كل الحقيقة . إذ نجد الكثير من المعلومات التي تتصل بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية، قد وجدت مكانها في كتب اليعقوبي، والدينوري، والطبري، والمسعودي، والمقدسي، ومسكويه، وابن الأثير، والذهبي.

كما أن مقدمة ابن خلدون التي كتبها في القرن الثامن الهجري، تعزز رأينا في اهتمام المؤرخين العرب المسلمين المبكر بالجوانب الحضارية.

فلم تكن هذه المقدمة التي جاءت لأول مرة في التاريخ بتفسير حضاري لأحداثه والعوامل الفاعلة فيه، سوى حصيلة ذلك التراث الثقافي الثر للأمة العربية الإسلامية.

لقد أوضح ابن خلدون أنه قرأ ذلك التراث، من خلال ثنائه على كبار المؤرخين العرب المسلمين، كالواقدي، والطبري، والمسعودي، والبكري .. كذلك فإنه أشار إلى الطرطوشي (ت: 450 هـ) ، وكتابه (سراج الملوك) ، واعتبره سابقا له في الاقتراب والتحويم حول الموضوع الذي استلهمه ابن خلدون وهو (العمران البشري) .

وهكذا فإن ابن خلدون مدين لتراث أمته في ما أبدعه، فمن ذلك التراث تبلورت نظريته في العمران البشري.

وعلى الرغم من هذه الحقيقة، فإنه لم يتصد أحد من المعاصرين لإبراز هذه الرؤية ومعالجتها بشكل شمولي.

الفصل الأول: الوعي التاريخي عند العرب أ - مرحلة ما قبل الإسلام

أ - مرحلة ما قبل الإسلام

وبعيدا عما فصلنا القول فيه في أصل دراستنا (1) من تتبع لوجود وعي تاريخي في كل من وادي الرافدين ووادي النيل والعربية الجنوبية (بلاد اليمن) وتدمر والأنباط والمناذرة، فإن منطقة نجد والحجاز قد تأخر فيهما ميلاد مثل هذا الوعي أو ذاك الحس التاريخي.

وقد يكون السبب في ذلك أن البيئة الصحراوية القاسية لم تساعد على الاستقرار وقيام مجتمع متحضر (في نجد) خاصة، مما طبع النشاط الاقتصادي هنا بطابع الرعي، والحياة الاجتماعية بطابع البداوة والترحال، فأصبح النمط الثقافي السائد في هذه البيئة شفاهيا يقوم على الأيام والأنساب.

إضافة إلى ذلك فإن هنالك اعتقاد بأن غياب وعي تاريخي لدى عرب الشمال، إنما يعود إلى:

-عدم وجود دولة واحدة تضم العرب وتوحدهم قبل الإسلام.

-افتقاد العرب إلى دين عام يوحد توجهاتهم العقائدية، وبالتالي يخلق في نفوسهم أحد أهم أسس الوحدة السياسية، وهو الشيء الذي تحقق لهم بالإسلام فيما بعد.

-إضافة إلى هذا، فإن العربي كان يفتقد وجود تصور واضح للتاريخ، فقد تعامل مع الزمن بجانبيه، البداية والنهاية، من نظرة أحادية، ركزت على الجانب الثاني الذي هو النهاية أو الموت، فهو تعلق بنهاية التاريخ.

وكانت هذه النهاية أو المصير أو الموت، مثار قلق دائم بالنسبة للعربي قبل الإسلام، وقد ظهر مثل هذا القلق في شعر بعض الشعراء قبل الإسلام، يقول طرفة بن العبد (2) :

لعمرك ما أدري وإني لواجل أفي اليوم إقدام المنية أم غد؟

فإن تك خلفي لا يفتها سواديا وإن تك قدامي أجدها بمرصد

وكذلك ما يعبر عنه امرؤ القيس (3) ،من حزن عندما تحل المنايا بقوم، فهي لا تفرق بين سيد وأحمق، وبين صغير وكبير:

تلك المنايا فما يبقين من أحد يأخذن حمقا وما يبقين أكياسا

وعلى هذا أصبح الزمان في نظر العربي قبل الإسلام يرمز للفناء، وبمرور الأيام تمضي حياة الناس إلى نهايتها المحتومة.

هذه أبرز عوامل تأخر ظهور وعي تاريخي قبل الإسلام .. فما هو أثر الإسلام في ظهور وعي تاريخي عند العرب المسلمين؟ هذا ما ستجيب عليه الفقرة التالية .

ب- عصر الرسالة

أشرنا سابقا إلى أن مفهوم الزمان في نظر العربي المشرك قبل الإسلام قد تحدد في النهاية، أي نهاية الإنسان التي هي الموت، ولم يحدث أن تعدت هذه النظرة إلى البداية، إلى بداية خلقه ووجوده على سطح هذا الكوكب، وكيف خلق، ومم خلق، وما هي الغاية والهدف من خلقه، بل من وجوده على هذه الأرض؟

لقد كان هناك قصور تام في تصوره ورؤيته للحياة، عندما ألغى البداية وركز على النهاية.

لذا كان لابد من رسالة كونية شاملة تصحح للإنسان مساره ونظرته للكون والحياة، وتعيد له ثقته بنفسه، وتربطه بأمل يجد فيه كل معاني الخلود والسرمدية بعد الموت، بعد أن كان يجد فيه فناء مطلقا، لا حياة أخرى من بعده.

على أن في هذا القول ما يشير لأول وهلة إلى أنه يتناقض مع حقيقة وجود النصرانية واليهودية، وانتشار أتباعهما، وإن كان بشكل محدود، في جزيرة العرب، وهم أصحاب ديانتين سماويتين، تمتلكان رؤية واضحة للكون والوجود، والخليقة، والموت.

ويبدو أن هؤلاء العرب المتنصرين أو المتهودين لم يكونوا على وعي كامل ودقيق بحقائق دينهم، (فقد عرفوا الكنائس والبيع والرهبان والأساقفة والصوامع، ولكنهم ظلوا لا يتعمقون في هذا الدين الجديد، وظلوا يخلطونه بغير قليل من وثنيتهم) (4) ، فيكون بذلك فهمهم للدين فهما سطحيا، يهتم بالمظاهر الدينية أكثر من اهتمامهم بجوهر الدين، ولذا (فهم مسيحيون وثنيون في الوقت نفسه) (5) .

أما الأحناف،فهم الذين خالفوا قومهم في عبادة الأصنام والأوثان، وحرموا على أنفسهم في فترة ما قبل الإسلام، الخمر والميسر والأزلام والميتة والذبائح التي تذبح على الأوثان، وراحوا يلتمسون الحقيقة وهي دين إبراهيم عليه السلام (6) .

على أن الأحناف كانوا من القلة، بحيث لا يمكن أن ينتظر منهم عمل كبير وواسع، يغير من معتقدات إخوانهم المشركين، الذين يعيش الأحناف بين ظهرانيهم في مكة أو بين القبائل .. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يبدو أن فكرة (دين إبراهيم) لم تكن واضحة في أذهانهم، إذ لم يكن مثل هذا الدين محددا ومعروفا قبل الإسلام، ولذا نجد بعضهم قد تنصر، وبعضهم اعتزل قومه، وبعضهم ظل قلقا، وقد التبست عليه الأمور حتى جاء الإسلام فاعتنقه (7) .

وإذا كان من معنى للحنيفية قبل ظهور الإسلام، فإنه يمثل حالة القلق عند بعض العرب، وإن ما هم عليه من شرك أصبح موضع اتهام .. كان العربي قبل ظهور الإسلام يفتقد وجود عقيدة كونية عامة أو دين عام، يربط بين الماضي والحاضر، ويعطي مغزى وغاية للحياة البشرية (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت