فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 1942

إن علينا أن ننتزع هذه الصفات السلبية من نفوسنا، وعندما نتخلّص منها فإننا سنستطيع أن نبدأ مسيرة الحضارة.

وكذلك الحال بالنسبة إلينا فإن من الواجب لكي نصل إلى تلك المستويات الرفيعة أن نلتزم بجميع الأخلاقيات الإيجابية، وأن لا ندّعي أننا مبرّؤون من الآثام والذنوب؛ وعلى سبيل المثال فإن هناك بعضًا من الذنوب تصدر من العقل الباطن، ومن بعض المؤثرات غير الشعورية دون أن نحس بها، ومثل هذه الذنوب يجب أن نتخلص منها وأن لاندّعي إننا منزّهون عنها.

حسن الخلق في الروايات

وفيما يلي سأنقل للقراء الكرام بعض الروايات التي تتحدّث عن فضيلة حسن الخلق، هذه الفضيلة التي تقود إلى أعلى المستويات الحضارية:

-قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: (ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق ) (33) .

-وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (أربع من كنَّ فيه كمل إيمانه، وإن كان من قرنه إلى قدمه ذنوب لم ينقصه ذلك وهي: الصدق، وأداء الأمانة، والحياء، وحسن الخلق ) (34) .

-وقال عليه السلام: (ما يقدم المؤمن على اللَّه عز وجل بعمل بعد الفرائض أحبُ إلى اللَّه تعالى من أن يسع الناس بخلقه ) (35) .

-وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: (إن صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم ) (36) .

-وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (.. وأكثر ما يدخل به الجنة، تقوى اللَّه، وحسن الخلق ) (37) .

-وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (إن الخلق الحسن يميث الخطيئة كما تميث الشمس الجليد) (38) .

-وقال عليه السلام: (إن اللَّه تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطى المجاهد في سبيل اللَّه يغدو عليه ويروح ) (39) .

-وقال عليه السلام: (إذا خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحدًا من الناس إلا كانت يدك عليه العليافأفعل، فإن العبد يكون فيه بعض التقصير من العبادة، ويكون له خلق حسن، فيبلّغه اللَّه بخلقه، درجةالصائم القائم ) (40) .

وهذا يعني إن الأخلاق الحسنة تسدّ، وتكمل النواقص الموجودة في أعمال الإنسان.

فالتمسك بالأخلاق الحسنة، وطرد الأخلاق السيئة، وخصوصًا الاجتماعية منها، من شأنه أن يرفع ويحطّم الحواجز بيننا،تلك الحواجز والعقبات النفسية التي تحول دون سيادة حالة التكافل والتعاون والانسجام والحضور الضرورية لتشييدصرح الحضارة الشامخ. فمن دون أن نتسلح بالأخلاقيات الحضارية التي تقف الروح الجماعية في مقدمتها سنظل نرسف في أغلال الجهل، والتخلّف، والانحطاط، وسنبقى تابعين لغيرنا.

الثقافة منطلق المسيرة الحضارية

مما يؤلم كل ضمير حيّ في هذه الأمة، ويحز فيه هو حالة التخلف والجهل والفقر التي تعيشها أمتنا الإسلامية منذ أمدطويل وإلى حد الآن، فالواحد منا ينام ليله وهو يحلم في رغيف الغد كيف سيحصل عليه، ويأتي به إلى أطفاله لكي يسدبه رمقهم ورمقه. فإلى متى -يا ترى- سنظل نعيش حضيض التخلف، في حين أن العالم الآخر يخطو خطوات واسعة،ويقفز قفزات عملاقة في دنيا التكنولوجيا المتطورة، والاقتصاد المزدهر؟

بين البلدان المتخلفة والبلدان المتطوّرة

في بعض البلدان الفقيرة قد لا يمر العام الأول على الأطفال فيموتون خلال أشهرهم الأولى ولم يحتفلوا بعد بعيد ميلادهم الأول، في حين توقد الشموع لأطفال أوروبا وأميركا واليابان كل عام حتى يهرموا، وإذا افترضنا أن أولادنا قد كتبت لهم الحياة فإنهم سينمون نحيفين أو مشوّهين لأنهم لم يزودوا في صغرهم بلقاح بسيط لا تتعدى كلفته الدولار الواحد،فيكونون عندئذ ضحايا الشلل، أو الجدري وغير ذلك من الأوبئة والأمراض، بينما توضع برامج التغذية الخاصة لأطفال العالم الصناعي بالإضافة إلى الدواء والعلاج الذي قد لا يحتاجونه، لأن الأمراض والأوبئة قد رحلت من بين أوساطهم منذ زمن ليس بالقصير.

ترى لماذا تعصف ببلداننا أمواج الفقر والكوارث، فيموت أبناؤها ضحايا الأمراض والجفاف والجوع الذي يسحق الألوف المؤلفة؟

منذ مئات السنين والعيش الرغيد الهني ء حسرة على كثير من الشعوب المسلمة وقلوب أطفالهم، ولو كان هناك جهدمن الإنسان الغني في هذه المنطقة الإسلامية أو تلك لما وصل الفقر إلى هذه الدرجة المتأزمة الحادة التي عليها الآن،ولكن الصبغة العامة - للأسف- ليست هي صبغة الغنا والرفاهية والازدهار، بل هي صبغة التخلف والفقر والهوان والذل والتبعية، وما إلى ذلك من الظواهر السلبية المقيتة.

ترى هل خُلقنا لكي نعاني ونتألم... أم لأننا مسلمون فكان قدرنا هذا الواقع المرير، أم أننا زهدنا في الدنيا وابتغيناالآخرة ورجوناها، فكان الازدهار والتقدم والنعيم في هذه الدنيا من نصيب الآخرين؟

كلا؛ فحاشى للَّه تبارك وتعالى أن يكون قد قدّر لنا كل ذلك، بل لابد أن نفتش عن أسباب وجذور واقعنا المظلم المتخلف، فإذا أردنا معالجة أوضاعنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتردية علاجًا آنيًا وموقتًا دون البحث في العمق، ودون دراسة خلفيات وجذور هذه الأوضاع وما يسفر عنها من نتائج، فإن بحثًا وعلاجًا كهذين إنما هما عبث في عبث.

لابد من علاج جذري

إن مثل التخلف في أوضاعنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كمثل جبل الثلج الذي يطفو فوق البحر، فلا يظهر إلاجزء يسير من حجمه فوق سطح المياه لا يتجاوز المعشار، أما النسبة الباقية فهي غائصة لا تبدو للعيان. وهكذا الحال بالنسبة إلى أوضاعنا، وخصوصًا الاقتصادية منها، فإن النسبة الأعظم منها غائصة في بحر التخلّف.

لقد بلغ التخلف والتردي في أوضاعنا الاقتصادية والسياسية درجة بات لا ينفع معها العلاج الموقّت، لأن العلة ستبقى متأصلة تكبر وتستشري بمرور الزمن، فلابد - والحالة هذه- من المعالجة الجذرية ما دامت العلل والأسباب متأصلةوجذرية هي الأخرى.

وقد يعلّل البعض تخلّفنا وتقهقرنا بأنهما قدر إلهي كتب علينا، وحاشا للَّه -جلت قدرته- أن يجعل ذلك قدرًا يقدره دون سبب، فهو تعالى ينفي ذلك عن ذاته المقدسة بشدة في قوله: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) (فصلت/46) ،فكيف يكتب الفقر على عباده وقد خلق كل ما في الوجود مسخرًا لهم، ولأجل منفعتهم، وقد خلق هذه الأرض وماعليها من خيرات وما في جوفها من كنوز وثروات، والسهول، والجبال، والبحار والأنهار، والحقول والمراعي،والطيور والثروات الحيوانية.. وغيرها من النعم التي لا تعد ولا تحصى؟

نحن أغنياء ولكن...!

إن بلداننا الطويلة العريضة ما من واحد منها إلا وتجده غنيًا مليئًا بالكثير من الموارد والثروات الطبيعية المختلفة؛ من نفط، وغاز، وحديد، ونحاس، وذهب ، ومياه عذبة، وتربة خصبة، وغابات .. ولعل هذه الموارد نجدها تتركز عادة في المناطق الإسلامية كما هو الحال في الاتحاد السوفياتي والصين فضلًا عن البلدان الإسلامية نفسها.

إن اللَّه تقدست أسماؤه لم يكن ليقدّر لنا -نحن المسلمين- أن نعيش فقراء معوزين محتاجين إلى غيرنا، وكيف يقدّر لناالفقر وفي بلدان الخليج وحدها خمسون بالمائة من احتياطي النفط العالمي؟

وفي الوقت الذي لم يجعل اللَّه تعالى الفقر قدرنا وقضاءنا، فإنه لم يأمرنا أن نركن إلى زوايا بيوتنا لنقعد، وننتظر أن يرفدنابكل ما نحتاجه من المعاجز والإمدادات الغيبية، بل إنه تعالى أمرنا بالانطلاق في رحاب هذه الأرض، والابتغاء من فضله ونعمه.

فما هو - إذن- سبب فقرنا وتخلفنا بعد أن اتضح لنا أن الفقر ليس من اللَّه جل جلاله، وأين تكمن علّة الفقر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت