"من الواضح أن العلم لا يتبع أية خطة، وإنما يتطور اعتباطا".. ويقول:
"رجال العلم لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون، وإنما تقودهم الصدفة والتفكير الحاذق… وكل منهم يعتبر عالما منفصلا تحكمه قوانينه الخاصة.. وبالجملة إن الاكتشافات تتطور دون إدراك سابق لنتائجها".. ص37
ويمضي في بيان كيف أن رواد الحضارة ومنشئيها من أصحاب المال إنما أردوا خدمة أغراضهم الخاصة فقط، يقول:
"لقد أُهمل تأثير المصنع على الحالة الفسيولوجية والعقلية للعمال إهمالا تاما عند تنظيم الحياة الصناعية.. إذ إن الصناعة العصرية تنهض على مبدأ.."
(( الحد الأقصى من الإنتاج بأقل التكاليف ) )..
حتى يستطيع فرد أو مجموعة من الأفراد أن يحصلوا على أكبر مبلغ مستطاع من المال..
وقد اتسع نطاقها دون أي تفكير في طبيعة البشر الذين يديرون الآلات، ودون اعتبار للتأثيرات التي تحدثها طريقة الحياة الصناعية التي يفرضها المصنع على الأفراد وأحفادهم، لقد بنيت المدن الكبرى دون اهتمام بأمرنا…
إن المدينة العصرية تتكون من مبان هائلة، بينما تمتليء شوراعها الضيقة برائحة البترول وذرات الفحم والغازات السامة، كما تمزق أعصابهم ضوضاء سيارات الأجرة والنقل والأتوبيس، وتحتشد بصفة دائمة جماهير غفيرة من الناس.. وهكذا يتضح أن من خططوا هذه المدن لم يقيموا وزنا لخير سكانها.
تتأثر حياتنا بالإعلانات التجارية إلى حد كبير، وهذا اللون من الدعاية يهدف إلى تحقيق مصلحة المعلنين أكثر من مصلحة المستهلكين، مثال ذلك، لقد أوهمت الدعاية الجمهور أن الخبز الأبيض أفضل من الخبر الأسمر، وهكذا ينخل الدقيق مرة بعد مرة بدقة ليجرد من عناصره الغذائية النافعة..
ومعالجة الدقيق على هذا النحو يجعل في الإمكان الاحتفاظ به فترات أطول، كما يسهل صناعة الخبز، وبذلك يستطيع أصحاب المطاحن والمخابز أن يحصلوا على نقود أكثر، بينما يُطعم المستهلكون بخبز أردأ، وهم يعتقدون أنه خبز ممتاز..
ومن ثم فإن سكان البلاد التي يتخذون من الخبز غذاء أساسيا آخذون في الانحطاط والتدهور..
إن مبالغ ضخمة تنفق في الدعاية، ونتيجة لذلك أصبحت كميات كبيرة من المنتجات الغذائية والطبية، التي لا فائدة منها على الأقل، وغالبا ما تكون ضارة، أصبحت هذه المنتجات ضرورية لبني الإنسان المتحضرين…
إن التعليم الذي تنشره المدارس والجامعات يتكون بصفة رئيسية من تدريب الذاكرة والعضلات، ومباديء إجتماعية معينة، كذا عبادة الرياضة.. فهل مثل هذه النظم ملائمة حقا للإنسان العصري، الذي يحتاج قبل كل شيء إلى التوازن العقلي وقوة الأعصاب وأصالة الحكم والشجاعة البدنية والأدبية وقوة الاحتمال؟.
لماذا يتصرف علماء الصحة كما لو أن بني الإنسان معرضون فقط للأمراض المعدية، في حين أنهم معرضون أيضا لهجمات الاضطرابات العصبية والعقلية، وكذا ضعف العقل؟…
وهكذا يبدو أن البيئة التي نجح العلم والتكنولوجيا في إيجادها للإنسان لا تلائمه، لأنها أنشئت اعتباطا وكيفما اتفق دون أي اعتبار لذاته الحقيقية"ص38-40."
إن الآثار السلبية قد نالت جميع قوى الإنسان العقلية والبدنية والروحية.. هكذا يقرر الدكتور كارل..
(1) مقدمة ابن خلدون ص82-87، المقدمة الثالثة والرابعة..
(2) من ذلك: ( أنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم....) .. رواه أحمد.. فهذا يدل على فضل العرب، فالنبي صلى الله عليه وسلم منهم..
ومن ذلك: ( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) .. رواه مسلم، مختصر مسلم 1523.
أبو سارة
"بئس بيت مطبخه أكبر من مكتبته"
نور الجندلي
أرفعُ هذه العبارة شعارًا عاليًا ، أتجرّأ بها على كلّ ثقافةٍ حديثة ، وأجابهُ بها خضار الصّين ، وبهارات الهند ، وحلويات الشّام بكلّ عناد ؛ تلك الألوان الساحرة من الطعام ، والتي احتلّت المكانة الكبرى في القلوب ، في كل بيت على السّواء ، بغضّ النظر عن ثقافة أهله ، أو مستواهم العلمي . وهي تتصدّر بقوّة أحاديث المجالس ، فترجح كفّتها في ميزان اهتمامات الناس ، لتطغى على أخبار وقضايا الأمة الإسلاميّة بأسرها ، وتغدو القضيّة الأسمى التي يطمحون لها ، والحديث الأمتع الذي يصغون إليه باهتمام ..
أصبحت العلاقات الزوجيّة تعاني التخمة ، مذ سمعت النساء بالحكمة العظيمة"الطريق إلى قلب الرّجل معدته"ولما أصبحت ميزة الزوجة المثالية أن تكون ذات نفس متميز في الطهي .. دون التفات إلى عقلها وحكمتها ، والطريقة التي تتبعها في تربية أطفالها .
التّرف يزداد ، والأطفالُ يزدادون سمنة ، وأمراض السّكر تنتشرُ مثل النار في الهشيم . ولا بأس في كلّ هذا فثقافتنا أساسها علوم المطبخ لتطغى على كلّ علوم .
في زمان مضى .. كانوا يحمّلون المرأة إلى بيت زوجها وصايا كثيرة ، منها الطاعة والحب والاحترام ، وكانت تحمل في قلبها أولًا كتاب الله ، إما حافظة ، أو طالبة تتعلمه ، وتتفقه أسراره بين يدي زوجها ، فترتقي الأسرة ، ويتكامل البناء بأفراد ينطلقون إلى الحياة علماء أو دعاة مصلحين ..
وفي زماننا ، تتصدر كتب الطبخ المكان الرئيس في كل مكتبة ، ويكفي أن ترمق تلك الكتب من بعيد لتدرك مدى اهتمام تلك المرأة وخبرتها ووعيها ، وحرصها على بيتها .
ولك أن تناقش أطفالها ويناقشوك في ثقافة ( الديجيتال ) المعلّبة أو ( البلاي ستيشن ) ، ولكن .. احذر من الاقتراب إلى ثقافتك ، ثقافة أمتك الإسلامية ، فهي بعيدة كل البعد عن مسار التفكير أو الاهتمام.
ثورة الطعام والمطبخ قد احتّلت جزءً لا يستهانُ به من حياتنا ..
أصبحت المطابخ أكثر اتساعًا في رقعتها عن ذي قبل ، واتصلت بها ملحقات أخرى ، تدفع عليها المبالغ الباهظة ، لتكوّن الأسرة الراقية !
وأصبح مد العلم والكتب ينحسر ..
الرائي والحاسوب تصدرا في وجودهما حياتنا ، فمحيت كل معالم قديمة للعلم الأصيل ، وأصبحت الكتب فن قديم لا يتداوله إلا أناس مازالوا يحملون أفكارًا من عصورٍ بالية !
كلّ شيء حولنا أصبح جميلًا معدًا لراحتنا ، سهل المنال ..
لكن قلوبنا تزداد فقرًا ، وعقولنا تزداد جهلًا ..!
يُرعبني التفكيرُ بالمستقبل ، وما سيؤول إليه الحال بعد أعوام !
هل سنودُ إلى زمن الجاهلية بثوبٍ حديث ؟ نرطنُ بكلمات أعجميّة لنتظاهر بالثقافة ، ونتفاخرُ بموسوعات الرشاقة والطبخ التي تحشو عقولنا بترهات .
ونتناسى تاريخنا ، وإرثاُ عظيمًا ينتظرنا في طيات الكتب المنسية .
سنفتخرُ حقًا بوضع أطفالنا ، ومستواهم في المدارس الأجنبيّة ، وسنسعدُ كلما تملصنا من حضارتنا السوية ..
لن نشعر لحظتها بقسوة قلوبنا ، ولن نبكِ موت الضمير في شعوبنا ، ولن نلتفت أبدًا إلى ماضينا .. لأنّ سكان الحفر المظلمة لن يلحظوا يومًا جمال التحليق فوق القمم .
أخيرًا هي ليست ثورة على الطعام ، ولا تصفية لحساب قديم بيننا ، إنما هي دعوة لتدارك التقصير ، وإصلاح الخلل في سائر الحياة ككل ، ولطرق أبواب العلم النافع من جديد ، وهي دعوة للتشبث بالجذور ، والتنبه من الغفلة ..
فليكن همنا ملء وعاء العقل بما يثري وينفع ، فـ"ما ملأ امرئ وعاء شرًا من بطنه".
تبدل الأحوال ! (1)
هل خلت أجدادك الغر الميامينا *** وهم غضاب وفي الأرماس يبكونا
بنوا لنا المجد فازدانت مرابعنا *** وحققوا في مغانيها أمانينا
دعوا إلى الحق أهل الأرض واحتملوا *** كل الصعاب ليعلوا الحق والدينا