فذو القرنين الذي آتاه الله من كل شئ سببًا فأتبع سببًا، وكان له التمكين في الأرض لأنه عرف السنن وانضبط بها: سار في الأرض وكانت مساحة رحلته من مشرق الشمس إلى مغربها ، وتعرف من خلال هذا السير إلى أسباب العجز الحضاري ، والتحديات والمعاناة التي تواجه البشر، وأيقن بضرورة توفير الظروف والشروط التي تكسبهم المنعة ، فكان أشبه بالمهندس الذي عرف أسباب التردي ، ووسائل التمكين، في الأرض ، ووضع الخطط ، وأشرط الأيدي العاملة ، واستحضر المواد المطلوبة لإتمام عملية الإنجاز .. وقد تكون العودة إلى النص القرآني والوقوف أمام هذا الأنموذج بدون حواجز ، أدعى إلى التأمل المطلوب: قال تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرًا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئٍ سببًا * فأتبع سببًا * حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قومًا قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنًا * قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نكرًا ، وأما من آمن وعمل صالحًا فله جزاءً الحسنى * وسنقول له من أمرنا يسرًا * ثم اتبع سببًا * حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترًا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرًا * ثم أتبع سببًا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قومًا لا يكادون يفقهون قولًا قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أدعل بينكم وبينهم ردمًا * آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارًا قال آتوني أفرغ عليه فطرًا * فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا ) (الكهف: 83-97) .
وبعد: فهذا الكتاب الذي نقدمه اليوم ، للأخ الدكتور أحمد محمد كنعان ، لاشك أنه يعتبر محاولة متقدمة في هذا المجال ، تفتح الأبواب والنوافذ لمزيد من الدراسات والبحوث في هذا الموقع الحيوي الهام والغائب بالنسبة لاستئناف المسملين دورهم الحضاري ، ومعالجة حالة الركود والانحسار ، التي يعيشونها .
ويمكن أن نقول: بأن الكتاب مساهمة طيبة وإن كان لا يخلو من بعض الاجتهادات التي لا تزال تستدعي الكثير من الحوار والنقاش والتفكير والتأصيل.
وحسبنا في هذا الكتاب أنه يستدعي موضوع سنة الله في الخلق إلى ساحة اهتمام العقل المسلم بعد هذا الغياب الطويل ، ليبدأ رحلة التفتيش عن مواطن الخلل ، ويدرك أسباب القصور ، فيستدركها ، ويصوب المسيرة، ويمارس عمليات النقد والمراجعة والتقويم في ضوء تلك المقاييس السننية التي لا يمكن أن تتم أية عملية مراجعة دقيقة بدون إبصارها ، والتي لا تزال غائبة بشكل أو بآخر عن ساحة الفكر والعمل الإسلامي، والله من وراء القصد
المقدمة
إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . وبعد:
فإن المرض سنة من السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه..
يصيب الإنسان فيعطله عن القيام بشؤونه ، وقد يتفاقم فينتهي به إلى الموت .. وكذلك هي حال الأمم . فإنها جميعًا تخضع لسنة المرض ، كما يخضع الأفراد ، وتؤكد لنا أحداث التاريخ أن الأمة الإسلامية لم تكن استثناء من هذه السنة الإلهية المطردة ، فقد تعاقبت عليها أمراض شتى على مدار تاريخها الحافل بالأحداث الجسام ، ولكنها كانت في كل مرة تواجه المرض بنفس مطمئنة ، وعزم لا يلين ، وتوكل على الله عز وجل ، لا يدانيه ريبة ، ولا عجز ، ولا كسل .. وما هو إلا قليل حتى تقوم من وعكتها ، وتنطلق من جديد لإتمام واجبها الجليل ، الذي ناطه بها رب العزة سبحانه ، وهو واجب الشهادة على البشرية (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) (البقرة:143) .
لقد كان هذا هو حال أمتنا الإسلامية في مواجهة ما ألم بها من أمراض على مدى القرون الماضية ، إذ لم يكن المرض غير مرحلة عابرة في حياتها ، لا تلبث بعده أن تقوم إلى أداء واجب الشهادة .
والشهادة على الناس ..
ليست مجرد ( فرجة ) أو تسلية .
بل هي: فعل وقرار ..
فعل .. يبتغي تبليغ رسالة التوحيد للبشرية ، كل البشرية . وقرار .. يتضمن معنى القوامة على البشرية ، فهذه الأمة التي اختارها الله عز وجل لتكون (خير أمة أخرجت للناس) من واجبها -وقد خصها ربها بهذا التكريم- أن تكون ( الراعية ) في بيت البشرية الكبير .. تبين للناس الحق ، وتأطرهم عليه أطرًا ، وتبين لهم الباطل ، فتصدهم عنه صدًا ، فهذا هو السبيل لكي يستقيم أمر الدنيا ، وتعيش البشرية الحياة الكريمة ، التي أرادها لها خالقها .. سبحانه ..
واليوم .. نرى هذه الأمة التي يفترض فيها أن تكون ( الشاهدة ) وقد حقت عليها سنة المرض ، وسرى في أوصالها الوهن ، الذي لم يكن بطبيعة الحال وليد الحاضر وحده ، بل كان نتاج عصور متطاولة من المحن والرزايا والبلايا والخطوب .. مما جعل هذه الأمة تعيش اليوم على هامش الأحداث ، وقد خرج القرار من بين يديها ، وأصبح في أيدي ( الآخرين ) الذين راحوا يخططون ويدبرون ويكيدون !
وقد كان من نتيجة هذا الوضع المقلوب أن تخلفنا عن ركب الحضارة أشواطًا بعيدة ، ليس في ميدان واحد من ميادين العلم أو السياسة أو الاقتصاد ، بل في تلك الميادين جميعًا ، بما فيها ميدان الإيمان نفسه ، فأمسينا في الغالب مسلمين بالعنوان فحسب ، وأما المضمون فذلك شأن آخر !
نحن مسلمون .. هذا صحيح إن كان الإسلام مجرد نطق بالشهادتين ، وبضع ركعات في اليوم والليلة ، وصوم أيام من كل عام ..
لكن الحقيقة غير هذا .. فالإسلام ليس مجرد شعائر تعبدية تؤدى في دقائق معدودات ، وإنما الإسلام حياة متكاملة يتجه كل نشاط فيها إلى بارئ الكون سبحانه ، لا دقائق معدودات ، بل العمر جميعه ، بكل أيامه وساعاته وثوانيه .. وصدق الله العظيم الذي يبين لنا هذه الحقيقة ناصعة في محكم التنزيل ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (الذاريات:56) . وحين تعود حياتنا عبادة خالصة لله وحده ، حينئذ يمكن أن نستعيد مكاننا تحت الشمس ، وأن يعود القرار في أيدينا ، وأن نعود كما كنا في يوم من الأيام شهداء على الناس.
وهنا يبرز السؤال المرير .. كيف السبيل إلى ذلك ؟ هذا السؤال الذي لا أشك أنه يتبادر إلى أذهاننا جميعًا..
وأقول: إن الجواب الذي لا يكاد يختلف عليه اليوم مسلمان هو (العودة الصادقة إلى نبع الإسلام الصافي) غير أن هذا الجواب - للأسف - لا يكاد يقدم أو يؤخر في حل المشكلة لأنه جواب فضفاض .. عام .. شامل .. لا يبين لنا: كيف تكون البداية ؟ ولا كيف نتابع المسير ؟
وأرى في هذا المقام - كما قرر من قبل معظم المهتمين بالمشكلة - أني لا أملك الآن جوابًا وافيًا شافيًا عن هذه التساؤلات ، غير أنني من خلال معايشتي الطويلة للعمل الإسلامي، وبخاصة في السنوات القليلة الماضية ، التي شهدت ما اصطلح على تسميته (الصحوة الإسلامية) أستطيع أن أجزم بأن العمل الإسلامي ما يزال يفتقد إلى المنهج الواضح ، الذي يقوم على تحليل دقيق للمشكلة ، وتحديد موضوعي للأسباب والعوامل ، التي أدت إليها ..
ومن هنا انطلقت فكرة هذا الكتاب ، الذي يعد بمثابة محاولة للبحث عن الأسباب والعوامل ، فالبحث عن الأسباب والعوامل التي تقف وراء تخلفنا الحضاري ، يعد مرحلة لا محيص عنها ، قبل التفكير بوضع الخطط والبرامج ، التي تبتغي الإقلاع نحو مستقبل جديد .