فهرس الكتاب

الصفحة 1683 من 1942

ودور الإيمان في التنبه لهذه السنن ، وإعمالها ، وما يهب الإيمان والتقوى الفرد المسلم من استعدادات تدفعه إلى الإنجاز ، ولا تقعد به عاطلًا عن التعامل معها .

نقصد أن العلاقة بين البعد الإيماني والإنجاز الحضاري ، تحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل .. لذلك رأينا بعض المدارس الحديثة التي كانت تتعامل مع المادة فقط ، تراجعت لتقرر: أنه لابد من إعادة صياغة المعادلة النفسية والاجتماعية للأمة ، حتى تصبح قابلة للتطور والإنجاز التكنولوجي ، لأن التكنولوجيا تأتي ثمرة لفلسلفة ، وعقيدة ، ومعادلة نفسية معينة ، وبالتالي فلا يمكن أن تتطور في مجتمع عقيدته تغاير أو تختلف عن مجتمع نشوئها ..

لقد ربط القرآن كثيرًا من النتائج المتحصلة من إعمال هذه السنن بالتقوى .. فمثلًا: ربط بين التقوى وما تؤدي إليه من بصيرة في النظر للأمور ، والحكم عليها بالحق والباطل ، والصواب والخطأ .. يقول تعالى: (يأيها الذين آمنو إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا ) (الأنفال:29) .

وهناك ارتباط بين الإيمان والتقوى ، وبين اكتشاف سنن التسخير وزيادة الرزق: (ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ( الأعراف: 96 ) .

وهناك ربط بين الإيمان والصبر الإيجابي وبين تجاوز المحن: (ولنبلوَّنكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) (البقرة:155) .

وربط أيضًا بين الاستغفار والتوبة وبين نزول المطر وتحقق الخير ..

وهناك ربط بين الانتصار في ميدان المبادئ ، والانتصار على الشهوات وبين الانتصار على العدو .

وهناك أيضًا الربط بين الظلم الاجتماعي ومنع الفقراء حقوقهم ، وبين فقدان الثروة ..

وهناك أيضًا الربط بين الفسق والترف ، وبين الهلاك ..

وهناك أيضًا ربط بين غياب العدل وانقراض الأمم والحضارات .

ونحن بسبيل الحديث عن سنن الله في الأنفس والآفاق ، ومدى خضوع الحياة والأحياء لها ، لابد أن نوضح أنها قدر من قدر الله سبحانه وتعالى ، فهو الذي شرعها وسنها وناط تكليف الإنسان بها ، وربط جزاءه وقيمة إنجازه بمقدار ما يكشف منها ، ويلتزم بها ، فالقيام بأمانة الاستخلاف الإنساني لا تتم إلا بالتعرف عليها ، لأن أمر تسخير الكون مرتبط إلى حد كبير بحسن إدراكها ، ذلك أن التعرف عليها لا يمنح الإنسان القدرة على تسخير الكون فحسب ، وإنما يمنحه قدرا كبيرًا من التحكم بالنتائج ، والتخفيف من الآثار السلبية ومغالبة قدر بقدر ، والفرار من قدر إلى قدر ، وفي ذلك انفساح هائل أمام طاقات الإنسان غير المتناهية ، وتحكم في الكون الذي خلق الله الإنسان سيدًا له ، وجعله محل تسخيره .

والسنن التي تحكم الكون والحياة قدر من قدر الله تعالى كما أسلفنا والتعرف عليها والانضباط بمقتضياتها هو حقيقة التكليف ، وحقيقة الإيمان ، والتوكل ، وهي مظهر من مظاهر العدل الإلهي المطلق ، حيث لا يصح غير ذلك على الله سبحانه وتعالى ، فكيف يصح عدلًا أن يعطى من لا يعمل ، ويحرم من يعمل ، وكيف يمكن للإنسان أن يستجيب لأمر الله ، دون معالم هادية ، وأسباب موصلة إلى النتائج ؟

ويمكننا أن نقول: إن الانحسار الحضاري ، الذي يعاني منه المسلمون اليوم كان بسبب العدول عن الانضباط والانسلاك بالسنن ، التي شرعها الله للشهود الحضاري (الشهادة على الناس والقيادة لهم) : ونخشى أن نقول: إن بعض علل الأمم السابقة التي حذرنا الله منها ، والتي كانت سبب انحسارهم الحضاري تسربت إلى المسلمين ، في عصور التخلف والانسلاخ عن الدين ، وهي ما يمكن أن نعبر عنه بالغزو الفكري في المجال الديني: من عدم الاعتقاد بثبات السنن ، والتوهم بأن الاعتقاد أن الأسباب توصل إلى النتائج يتعارض مع الإيمان بقدرة الله الذي شرع الأسباب وقدر أن تكون موصلة للنتائج ، ويناقض التوكل ، ويتعارض مع قدر الله ، فكان العدول عن كشف السنن ، هو الذي أورثنا الاستنقاع الحضاري، الذي نعاني منه ونظن أننا أكثر إيمانًا ويقينًا ، كما فعل رجال الكنيسة ، فأوقفوا عجلة الحضارة والتقدم العلمي .

وقد تكون المشكلة أو بعض جوانبها ، في الخلط بين السنن الجارية التي تتطلب فعل مقدمات تحكمها نتائج، وبين السنن الخارقة التي لا تخضع للمقدمات والنتائج ، ومن ثم الاستشهاد بالآيات التي غالبًا ما تنصرف إلى السنن الخارقة ، في مجال السنن الجارية ، وبذلك خروج عن المنهج ، وضياع عن السنن الجارية والخارقة معًا .

ويتفرع عن هذا أيضًا: ضرورة مراجعة وتحديد مصطلح الغيب الذي ورد ذكره في الكتاب والسنة وهو ما اختص الله بعلمه ، فقد يطلق الغيب ويراد به الماضي (ذلك من أنباء الغيب) ، وقد يطلق على الأمر الغائب عن ساحة المشاهدة ، وقد يطلق على المستقبل في عالم الشهادة نفسه ، وقد يطلق على العالم الآخر (ما بعد الموت) ، وهذا التحديد يمنحنا فرصة ومدى أكثر رحابة لجولات العقل ، وكشفه ، ومساحاته ، ويجعلنا أكثر اطمئنانًا عندما نحاول رصد المقدمات والأسباب في الحاضر ، والتنبؤ بالنتائج في المستقبل أننا لا نقترف إثمًا ، ولا نرجم بالغيب ، ولا نتدخل بعلم الله الخاص به سبحانه .

وعلى الرغم من أن الغيب ، بمعنى العالم الآخر ، له سننه وقوانينه ، وطبيعته المختلفة ، وأن مصدر معرفته هو الوحي فقط ، ودور العقل هو فهم الوحي دون الاستقلال بالنظر ، إلا أن مفهوماته العامة ، كما جاء بها الوحي ، لا تخرج عن المعقولية من ربط الأسباب بالمسببات ، والعلة بالمعلول ، والمقدمات بالنتائج ، لأنه منطق العدل الإلهي ، كما أسلفنا .. فالدنيا كلها أو عالم الشهادة ، مقدمة ومزرعة للعالم الآخر ، وواقع المؤمن في الآخرة مرهون بما يقدم في الدنيا ، وما يفعله في الدنيا بدافع ما يأمل في الآخرة من نتائج على عمله .

فالمؤمن يشعر أن عمله واختياره وإنجازه في الدنيا له دور كبير في تحديد مستقبله ومصيره في الآخرة .

ألا يحق لنا بعد هذا، أن نستغرب عزوف المسلمين عن دراسات المستقبل من خلال التعرف على السنن وملاحظة اطرادها، والمستقبل عندهم لا تحده الدنيا ! وتغيب عنهم عمليات التخطيط واستشراف المستقبل بعد أن أصبح علمًا له مقوماته واختصاصاته!؟

لقد ربط الإسلام إمكانية الإنجاز بمعرفة الأسباب ، وكشف السنن ، التي تحكم الكون وعالم الحياة والأحياء ، وقدم القرآن ذو القرنين ) أنموذجًا متجسدًا لربط الأسباب بالمسببات ، والمقدمات بالنتائج ، واعتبر ذلك مقدمة لابد منها للنهوض والإنجاز الحضاري ، وبذلك لم يكتف القرآن بتأكيد موضوع السنن نظريًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت