فهرس الكتاب

الصفحة 1682 من 1942

فالنظر إلى موضوع السنن ، التي تحكم الأنفس والآفاق ، من خلال بعض الجزئيات في الحاضر التي قد تبدو عصية عن الانسلاك في نطاق السنة ، وخارجة عن الاطراد ، بل ومناقضة لحقيقة ، ومعادلة اجتماعية ثابتة ، أو النظر إلى ذلك من خلال مدى زمني أقل من العمر المطلوب الذي يقتضيه التفاعل الاجتماعي ، بمعنى غياب سنة الأجل المفترض للتغيير الاجتماعي عن أدوات الدراسة ، قد يؤدي إلى لون من الضلال في الرؤية ، واضطراب في الموازين ، وإنكار لموضوع السنن أصلًا ، والانتهاء إلى لون من العبثية والوجودية المدمرة.

من هنا نقول: إن الكشف عن السنن التي تحكم الحركة الاجتماعية لا يتأتى إلا من السير في الأرض ، واستقراء التاريخ ، والتعرف على القوانين التي حكمت حركة البشر ، للإفادة منها للحاضر والمستقبل ، فالحاضر على كل حال ، ليس محلًا كافيًا للقراءة والاستقراء.

فقد يكون الحاضر نتيجة لمقدمة في الماضي ، وقد يكون مقدمة لنتيجة لا تظهر إلا في المستقبل ، فاستقراء الحاضر وكشف السنن التي تحكم حركته، لا يكون دقيقًا إلا باستصحاب الماضي وما يعطي من حقائق ثابتة لا يمكن أن يخرج عنها الحاضر .. فالإفادة للحاضر إنما تتحقق بالقدرة على قراءته من خلال وضعه في موقعه المناسب من الحركة التاريخية.

بينما يمكننا أن نلمح حدوث التفاعل في المجال المادي ، واطراد القانون ، في زمن قد لا يعتبر شيئًا في عمر الفرد بعد انقضاء رحلة الاستكشاف التي قد تطول وقد تقصر.

ولعل من الرحمة بالإنسان ، والتكريم له ، أن تكون السنن والقوانين ، التي تحكم حركته ، ملامح وتوجهات عامة ، وبذلك تتضاءل الأخطاء ويمكن تجنبها ، وتكون ساحة التفاعل والانفعال والحرية أوسع مدى ، ولعلنا نستطيع أن نقول: بأن السنن في مجال المادة والكون هي أشبه ما تكون بقضبان الحديد التي يسير عليها القطار وتحكم وجهته بصرامة ، حيث لا يستطيع أن يعدل عنها أو يخرج عليها ، فإذا حاد عنها تعرض للخطر ، بينما السنن التي تحكم قضايا الإنسان هي أقرب لحركة السيارة التي تحدد الاتجاه والهدف، ويمتلك السائق معها حرية الحركة أكثر في الوصول إلى غايته ، وكل محكوم باتجاه ، وإن اختلفت طبيعة ومدى حركته .

لذلك نرى علماء وفلاسفة الاجتماع والحضارة ، الذين حاولوا وضع قوانين وسننًا للدورات الحضارية وأسبابًا للبناء الحضاري ، لم يتمكنوا من الوصول إلى الحتمية على الرغم من أن دراساتهم ذات قيمة علمية رفيعة ، إلا أنها لم تتسم بالصرامة والدقة التي خططت للمادة الصماء ، ولا نزال نسمع بالتفسير المادي ، والنفسي والسياسي ، والاقتصادي ، والمذهبي ، والقومي ، والقبلي ، والديني .. للتاريخ ، والتاريخ ثمرة لذلك كله وإن تفوق بعض العوامل في بعض الظروف .. ونستطيع أن نقول باطمئنان: بأن سننهم وقوانينهم وحساباتهم لم تنطبق تمامًا على الحضارة الإسلامية ، التي كانت ولا تزال عصية على تلك القوانين بشكل صارم ، وإن خضعت لها في بعض الجوانب.

إن السقوط المريع للبناء الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية ، دليل جديد بعد تجربة أكثر من نصف قرن ، على سقوط الحتميات وقوانينها التي حاول فلاسفتها أن يخضعوا البشر لها كما أخضعت المادة.

ونحن هنا ، لا نريد أن نهون من الكسب البشري في كشف السنن في مجال العلوم والدراسات الاجتماعية ، وإنما الذي نريد أن نبينه: أن تطبيق قوانين المادة الصماء على الإنسان الحر المختار المكلف المسؤول ، بنفس الصرامة واليقينية ، فيه القليل من الصواب ، والكثير من المجازفة ، وذلك لخضوع الإنسان للعديد من الرغبات والأهواء والمؤثرات والانفعالات والحالات النفسية المعقدة ، التي يمر بها ، ولأن الإنسان أداة الكشف والتحليل ومحله ، كما أسلفنا ، فليس موضوع الدراسة شيئًا خارجًا عنه ، فهو الأداة ، وهو المحل ، ومن هنا يحق لنا أن نفخر نحن المسلمين أن السنن الأساسية التي تحكم الحياة والأحياء عندنا يقينية، لأنها ليس من وضع الإنسان ، إنما نستمدها من الوحي ، من علم الله الذي لا يخطيء ، وأقداره النافذة ، وقد بسطها القرآن وبينتها السنة ، وأن ما طلب إلينا من السير في الأرض ، إنما هو وسائل إيضاح معينة على الفهم والإدراك ، لأحقية وصواب ويقينية السنن .

إن المميزات التي اختصت بها الأمة المسلمة تؤكد على أن السنن التي تحكم الحياة والأحياء لا تتصف بالصرامة واليقينية التي تخضع لها المادة وحتى الجانب المادي في الإنسان أيضًا . نلمح ذلك في:

-مواثيق الله وما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم من أن تسليط الأعداء على الأمة المسلمة ليس تسليط استئصال ، وأن إصابتهم للمسلمين وإضرارهم بهم ، ما هو إلا أذى ، وليس إنهاءًا لهم ، لأنهم أمة الرسالة الخالدة ، والخاتمة ، والشواهد التاريخية دليل ذلك .. فالأمة المسلمة تمرض وتضعف ، لكنها تستعصي على الموت الذي لحق بالكثير من الحضارات السابقة لها واللاحقة عليها .

-وأن الأمة المسلمة لا تجتمع على الخطأ والضلالة ، فلا تزال عصمة الأمة بعمومها قائمة ومستمرة ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

-وأن هناك طائفة من الأمة لا تزال قائمة على الحق تحرسه ، وتحول دون الانحراف عنه ، وتضمن سلامة التواصل الثقافي بين الأجيال ، لا يضرها من يخالفها حتى يوم الدين ، والتي تشكل خميرة النهوض والإمكان الحضاري في كل حين .

-وأن العشرين الصابرين من المؤمنين المقاتلين يغلبون مائتين ، وذلك حتى بعد التخفيف .

-وأن الاستمساك بالإيمان واق من آثار الهزيمة ، وما تورثه من الوهن والحزن ، وداع إلى الاستعلاء وعدم السقوط ، والمعاودة للشهود الحضاري بعد الانكسار ، إلى جانب عدم انطباق قانون الدورات الحضارية الذي انتهى إليه علماء التاريخ والحضارة والاجتماع ، على الأمة المسلمة .. وهذه القضية يمكن أن نعتبرها من خصائص أمة الرسالة الخاتمة ، ومواثيق الله لها ، مهما حاولنا الحديث عن توفر أو تخلف الشروط والظروف .

نعاود القول: إن الاجتماع البشري لاشك أنه يخضع لسنن قد عرض لها القرآن ، وأكدها من خلال تاريخ البشرية الطويل ، في القصص القرآني والبيان النبوي ، وأن الله لم يخلق الناس عبثًا ، وأن من يعمل سوءًا يجز به ، وأن الإنجاز والإبداع والشهود الحضاري له شروطه ومقدماته وأسبابه وفروضه ، وهو ليس عبارة عن أماني (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يُجْزَ به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا ) (النساء:123) .. هذا قانون الله ، لكن المشكلة أن نقول: بانطباق قوانين المادة الصماء على الإنسان المختار ، وهذا لا يعني أن حركة الإنسان خلو من القانون والنظام ، وإنما يعني أن المعيار هنا عند الإنسان غيره عند وسائل الإنسان المادية .

وأخشى ما نخشاه - ونحن نطرح موضوع سنن الله في الأنفس والآفاق من خلال ضغوط العجز والتخلف الداخلي التي يعاني منها العقل المسلم اليوم ، والتحدي ، والاستفزاز المادي الخارجي - أن تغيب عنا النظرة المتوازنة ، وهي: إدراك العلاقة بين البعد الإيماني والغيبي ، والسنن التي تحكم عالم الشهادة ، ودور البعد الإيماني في الهداية إلى هذه السنن ، والتفاعل الذي يحدثه الإيمان بين هداية السماء واستجابة الأرض لتحقيق الشهود الحضاري ، وربط نتائج ذلك بقضية الإيمان .. إن اكتشاف انتظام هذه القوانين , وعملها يقود إلى الإيمان بالله ، والاستدلال بالأمور المادية والسنن الكونية على الأمور النفسية والإيمانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت