فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 1942

الثّبات

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (30) سورة الروم

من الخاصية الأساسية للتصور الإسلامي - خاصية الربانية- تنبثق سائر الخصائص الأخرى. وبما أنه"رباني"صادر من الله، وظيفة الكينونة الإنسانية فيه هي التلقي والاستجابة والتكيف والتطبيق في واقع الحياة. وبما أنه ليس نتاج فكر بشري، ولا بيئة معينة، ولا فترة من الزمن خاصة، ولا عوامل أرضية على وجه العموم .. إنما هو ذلك الهدى الموهوب للإنسان هبة لدنية خالصة من خالق الإنسان، رحمة بالإنسان..

بما أنه كذلك. فمن الخاصية فيه تنشأ خاصية أخرى.. خاصية:"الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت".

هناك"ثبات"في"مقومات"هذا التصور الأساسية، و"قيمه"الذاتية. فهي لا تتغير ولا تتطور، حينما تتغير"ظواهر"الحياة الواقعية، و"أشكال"الأوضاع العملية .. فهذا التغير في ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع، يظل محكومًا بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التصور..

ولا يقتضي هذا"تجميد"حركة الفكر والحياة. ولكنه يقتضي السماح لها بالحركة -بل دفعها إلى الحركة- ولكن داخل هذا الإطار الثابت، وحول هذا المحور الثابت..

وهذه السمة - سمة الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت- هي طابع الصنعة الإلهية في الكون كله - فيما يبدو لنا- لا في التصور الإسلامي وحده.

"مادة"هذا الكون - سواء كانت هي الذرة أو الإشعاع البسيط المنطلق عند تحطيمها، أو أية صورة أخرى - ثابتة الماهية. ولكنها تتحركن فتتخذ أشكالًا دائمة التغير والتحور والتطور.

والذرة ذات نواة ثابتة تدور حولها الإلكترونات في مدار ثابت.

وكل كوكب وكل نجم له مداره، يتحرك فيه حول محوره، حركة منتظمة، محكومة بنظام خاص.

و"إنسانية"هذا الإنسان، المستمدة من كونه مخلوقًا فيه نفخة من روح الله اكتسب بها إنسانيته المتميزة عن سائر طبائع المخلوقات حوله.. إنسانية هذا الإنسان ثابتة ( ) . ولكن هذا"الإنسان"يمر بأطوار جنينية شتى من النطفة إلى الشيخوخة! ويمر بأطوار اجتماعية شتى، يرتقي فيها وينحط حسب اقترابه وابتعاده من مصدر إنسانيته. ولكن هذه الأطوار وتلك لا تخرجه من حقيقة"إنسانيته"الثابتة. ونوازعها وطاقاتها واستعداداتها المنبثقة من حقيقة إنسانيته.

ونزوع هذا الإنسان إلى الحركة لتغيير الواقع الأراضي وتطويره .. حقيقة ثابتة كذلك .. منبثقة أولًا من الطبيعة الكونية العامة، الممثلة في حركة المادة الكونية الأولى وحركة سائر الأجرام في الكون. ومنبثقة ثانيًا من فطرة هذا الإنسان. وهي مقتضى وظيفته في خلافة الأرض. فهذه الخلافة تقتضي الحركة لتطوير الواقع الأرضي وترقيته .. أما أشكال هذه الحركة فتتنوع وتتغير وتتطور ( ) .

وهكذا تبدو سمة:"الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت"سمة عميقة في الصنعة الإلهية كلها. ومن ثم فهي بارزة عميقة في طبيعة التصور الإسلامي.

ونحن نسبق السياق هنا، فنستعرض نماذج من المقومات والقيم الثابتة في هذا التصور (سيجئ تفصيل الكلام عنها في موضعه في القسم الثاني من هذا البحث) وهي التي تمثل"المحور الثابت"الذي يدور عليه المنهج الإسلامي في إطاره الثابت.

إن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية - وهي قاعدة التصور الإسلامي- ثابت الحقيقة، وثابت المفهوم أيضًا. وغير قابل للتغيير ولا للتطوير:

حقيقة وجود الله، وسرمديته، ووحدانيته -بكل إشعاعاتها- وقدرته، وهيمنته، وتدبيره لأمر الخلق، وطلاقة مشيئته .. إلى آخر صفات الله الفاعلة في الكون والحياة والناس..

وحقيقة أن الكون كله -أشياءه وأحياءه- من خلق الله وإبداعه. أراده الله -سبحانه- فكان. وليس لشيء ولا لحي في هذا الكون، أثارة من أمر الخلق في هذا الكون، ولا التدبير ولا الهيمنة. ولا مشاركة في شيء من خصائص الألوهية بحال..

وحقيقة العبودية لله .. عبودية الأشياء والأحياء .. وعموم هذه العبودية للناس جميعًا. بما فيهم الرسل -عليهم الصلاة والسلام- عبودية مطلقة، لا تتلبس بها أثارة من خصائص الألوهية. مع تساويهم في هذه العبودية..

وحقيقة أن الإيمان بالله - بصفته التي وصف بها نفسه - وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.. شرط لصحة الأعمال وقبولها. وإلا فهي باطلة من الأساس، غير قابلة للتصحيح، ومردودة غير محتسبة وغير مقبولة ..

وحقيقة أن الله لا يقبل من الناس دينًا سواه. وأن الإسلام معناه إفراد الله -سبحانه- بالألوهية وكل خصائصها. والاستسلام لمشيئته، والرضى بالتحاكم إلى أمره ومنهجه وشريعته. وأن هذا هو دينه الذي ارتضاه. لا أي دين سواه.

وحقيقة أن"الإنسان"- بجنسه- مخلوق مكرم على سائر الخلائق في الأرض مستخلف من الله فيها. مسخر له كل ما فيها. ومن ثم فليست هناك قيمة مادية في هذه الأرض تعلو قيمة هذا الإنسان، أو تهدر نم أجلها قيمته..

وحقيقة أن الناس من أصل واحد. ومن ثم فهم -من هذه الناحية- متساوون. وأن القيمة الوحيدة التي يتفاضلون بها - فيما بينهم- هي التقوى والعمل الصالح. لا أية قيمة اخرى، من نسب، أو مال، أو مركز، أو طبقة، أو جنس .. إلى آخر القيم الأرضية.

وحقيقة أن غاية الوجود الإنساني هي العبادة لله .. بمعنى العبودية المطلقة لله وحده. بكل مقتضيات العبودية، وأولها الائتمار بأمره -وحده- في كل أمور الحياة صغيرها وكبيرا والتوجه إليه -وحده- بكل نية وكل حركة، وكل خالجة وكل عمل. والخلافة في الأرض وفق منهجه- أو بتعبير القرآن وفق دينه - إذ هما تعبيران مترادفان عن حقيقة واحدة..

وحقيقة أن رابطة التجمع الإنساني هي العقيدة، وهي هذا المنهج الإلهي .. لا الجنس، ولا القوم، ولا الأرض، ولا اللون، ولا الطبقة، ولا المصالح الاقتصادية أو السياسية، ولا أي اعتبار آخر من الاعتبارات الأرضية ..

وحقيقة أن الدنيا دار ابتلاء وعمل. وأن الآخرة دار حساب وجزاء. وأن الإنسان مبتلى وممتحن في كل حركة، وفي كل عملن وفي كل خير يناله أو شر، وفي كل نعمة وفي كل ضر .. وأن مرد الأمور كلها إلى الله..

… هذه وأمثالها من المقومات والقيم - التي سنعرض لها بالتفصيل في مواضعها في القسم الثاني من هذا البحث -كلها ثابتة، غير قابلة للتغير ولا للتطور .. ثابتة لتحرك ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع في إطارها، وتظل مشدودة إليها. ولتراعي مقتضياتها في كل تطور لأوضاع الحياة، وفي كل ارتباط يقوم في المجتمع، وفي كل تنظيم لأحوال الناس أفرادًا وجماعات، في جميع الأحوال والأطوار.

وقد تتسع المساحة التي تتجلى فيها مدلولات هذه المقومات والقيم، كلما اتسعت جوانب الحياة الواقعية، وكلما اتسع مجال العلم الإنساني، وكلما تعددت المفاهيم التي تتجلى فيها هذه المقومات والقيم. ولكن أصلها يظل ثابتًا. وتتحرك في إطاره تلك المدلولات والمفاهيم.

حقيقة أن الإنسان مستخلف في هذه الأرض -مثلًا- تتجلى في صور شتى .. تتجلى في صورته وهو يزرع الأرض. لأن أوضاع حياته ومدى تجاربه تجعل الزراعة هي التي تفي في ذلك الطور باحتياجاته الضرورية، وبها تتحقق الخلافة.. وتتجلى كذلك في صورته وهو يفجر الذرة، ويرسل الأقمار الصناعية لتكشف له طبيعة الغلاف الجوي للأرض، أو طبيعة الكواكب والتوابع من حوله .. هذه وتلك - وما بينهما وما بعدهما- صور من صور الخلافة في الأرض، قابلة دائمًا للزيادة والاتساع. ولكن حقيقة الخلافة في الأرض ثابتة على كل حال. يقتضي مفهومها الثابت ألا يحال بين الإنسان ومزاولة حقه في الخلافة وفق منهج الله المرسوم. وألا يعلوا شيء في هذه الأرض على"الإنسان". وألا تهدر قيمته"الإنسانية"لينشئ قمرًا صناعيًا، أو ليضاعف الإنتاج المادي ! فهو سيد الأقمار الصناعية، وسيد الإنتاج المادي!

وحقيقة أن غاية الوجود الإنساني هي العبادة -مثلًا- تتمثل في كل نشاط يتجه به الإنسان إلى الله. وألوان النشاط غير محدودة. فهي تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة .. وتتمثل في عبوديته لله وحده، بالتحاكم إلى منهجه وحده، في كل شؤون الحياة. وهذه الشؤون غير محدودة. فهي كذلك تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة .. ولكن حقيقة الغاية ثابتة لا تتغير. فإذا لم يتجه إلى الله بكل نشاط. وإذا لم يتحاكم إلى منهج الله في كل شأن، فقد أخل بهذه الحقيقة الثابتة، وخرج على غاية وجوده الإنساني. واعتبر عمله باطلًا غير قابل للتصحيح المستأنف، ولا بالقبول من المؤمنين.

وهكذا - على هذا النحو- تتسع مساحة مدلولات هذه المقومات، وتتنوع الصور التي تتجلى فيها .. ولكنها هي ثابتة في التصور الإسلامي، لا يتناولها التغير ولا التطور على كل حال.

وقيمة وجود تصور ثابت للمقومات والقيم على هذا النحو، هي ضبط الحركة البشرية، والتطورات الحيوية. فلا تمضي شاردة على غير هدى - كما وقع في الحياة الأوربية عندما أفلتت من عروة العقيدة - فانتهت إلى تلك النهاية البائسة، ذات البريق الخادع واللألاء الكاذب، الذي يخفي في طياته الشقوة والحيرة والنكسة والارتكاس.

وقيمته هي وجود الميزان الثابت الذي يرجع إليه"الإنسان"بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات، وبكل ما يجدّ في حياته من ملابسات وظروف وارتباطات. فيزنها بهذا الميزان الثابت. ليرى قربها أو بعدها من الحق والصواب.. ومن ثم يظل دائمًا في الدائرة المأمونة، لا يشرد إلى التيه، الذي لا دليل فيه من نجم ثابت، ولا من معالم هادية في الطريق!

وقيمته هي وجود"مقوّم"للفكر الإنساني مقوّم منضبط بذاته. يمكن أن ينضبط به الفكر الإنساني. فلا يتأرجح مع الشهوات والمؤثرات. وإذا لم يكن هذا المقوم الضابط ثابتًا. فكيف ينضبط به شيء إطلاقًا! إذا دار مع الفكر البشري -كيفما دار- ودار مع الواقع البشري -كيفما دار- فكيف تصبح عملية الضبط ممكنة. وهي لا ترجع إلى ضابط ثابت. يمسك بهذا الفكر الدوّار؟ أو بهذا الواقع الدوّار؟!

إنها ضرورة من ضرورات صيانة النفس البشرية، والحياة البشرية، أن تتحرك داخل إطار ثابت، وان تدور على محور لا يدور! إنها على هذا النحو تمضي على السنة الكونية الظاهرة في الكون كله، والتي لا تختلف في جرم من الأجرام!

إنها ضرورة لا تظهر كما تظهر اليوم. وقد تركت البشرية هذا الأصل الثابت، وأفلت زمامها من كل ما يشدها إلى محور. وأصبحت أشبه بجرم فلكي خرج من مداره، وفارق محوره الذي يدور عليه في هذا المدار. ويوشك أن يصدكم فيدمر نفسه ويصيب الكون كله بالدمار.

"ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ..". (المؤمنون: 71)

والعاقل"الواعي"الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم. حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة يراها تتخبط في تصوراتها، وأنظمتها، وأوضاعها، وتقاليدها، وعاداتها، وحركاتها كلها تخبطًا منكرًا شنيعًا .. يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس! وتتشنج في حركاتها وتتخبط وتتلبط كالممسوس .. يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد، كما تغير أزياءها في الملابس، وفق أهواء بيوت الأزياء! .. يراها تصرخ من الألم، وتجري كالمطارد، وتضحك كالمجنون، وتعربد كالسكير، وتبحث عن لاشيء! وتجري وراء أخيله! وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار!

لعنة! لعنة كالتي تتحدث عنها الأساطير!

إنها تقتل"الإنسان"وتحوله إلى آلة .. لتضاعف الإنتاج!

إنها تقضي على مقوماته"الإنسانية"وعلى إحساسه بالجمال والخلق والمعاني السامية لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات، ومنتجي الأفلام السينمائية وبيوت الأزياء.

وتنظر إلى وجوه الناس، ونظراتهم، وحركاتهم، وأزيائهم، وأفكارهم، وآرائهم، ودعواتهم. فيخيل إليك أنهم هاربون! مطاردون! لا يلوون على شيء، ولا يتثبتون من شيء! ولا يتريثون ليروا شيئًا ما رؤية واضحة صحيحة .. وهم هاربون فعلًا! هاربون من نفوسهم التي بين جنوبهم! هاربون من نفوسهم الجائعة القلقة الحائرة، التي لا تستقر على شيء"ثابت"ولا تدور على محور ثابت، ولا تتحرك في إطار ثابت.. والنفس البشرية لا تستطيع أن تعيش وحدها شاذة عن نظام الكون كله. ولا تملك أن تسعد وهي هكذا شاردة تائهة، لا تطمئن إلى دليل هاد، ولا تستقر على قرار مربح!

وحول هذه البشرية المنكودة زمرة من المستنفعين بهذه الحيرة الطاغية، وهذا الشرود القاتل.. زمرة من المرابين، ومنتجي السينما، وصانعي الأزياء والصحفيين، والكتاب.. يهتفون لها بالمزيد من الصرع والتخبط والدوار، كلما تعبت وكلت خطاها، وحنت إلى المدار المنضبط والمحور الثابت، وحاولت أن تعود!

زمرة تهتف لها .. التطور .. الانطلاق .. التجديد .. بلا ضوابط ولا حدود .. وتدفعها بكلتا يديها إلى المتاهة كلما قاربت من المثابة .. باسم التطور .. وباسم الانطلاق .. وباسم التجديد..

إنها الجريمة. الجريمة المنكرة في حق البشرية كلها. وفي حق هذا الجيل المنكود)!

وفكرة"التطور"المطلق، لكل الأوضاع، ولكل القيم، ولأصل التصور الذي ترجع إليه القيم. فكرة تناقض -كما قلنا- الأصل الواضح في بناء الكون، وفي بناء الفطرة. ومن ثم ينشأ عنها الفساد الذي لا عاصم منه .. إنها تمنح حق الوجود، ومبرر الوجود، لكل تصور، ولكل قيمة، ولكل وضع، ولكل نظام. ما دام تاليًا في الوجود الزمني! وهو مبرر تافه، عرضي، لا ينبغي أن يكون له وزن في الحكم على تصور أو وضع أو قيمة أو نظام. إنما ينبغي أن يكون الوزن لمقومات ذاتية في ذات الوضع أو ذات النظام.

إن"الثبات"في مقومات التصور الإسلامي وقيمه - فضلًا على أنه امتداد للنظام الكوني- هو الذي يضمن للحياة الإسلامية خاصية"الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت"فيضمن للفكر الإسلامي وللحياة الإسلامية مزية التناسق مع النظام الكوني العام، ويقيه شر الفساد الذي يصيب الكون كله لو اتبع أهواء البشر، بلا ضابط من قاعدة ثابتة لا تتأرجح مع الأهواء.

وهو الذي يقي الفكر الإسلامي ويقي المجتمع الإسلامي مثل تلك اللوثة في الفكر الماركسي وفي الجماعة الشيوعية. وهي اللوثة ذاتها التي أصابت الفكر الغربي والمجتمعات الغربية بصفة عامة - حتى وهي تعارض الماركسية من الناحية المذهبية والسياسية - وذلك منذ أفلتت من نطاق العقيدة، في ظل تلك الملابسات النكدة..

وهو الذي يبث الطمأنينة في الضمير المسلم، وفي المجتمع المسلم .. الطمأنينة إلى ثبات الإطار الذي تتحرك فيه حياته، وثبات المحور الذي تدور حياته حوله. فيشعر أن حركته إلى الأمام، ثابتة الخطو، موصولة الخيط، ممتدة من الأمس إلى اليوم إلى الغد. نامية مطردة النمو. صاعدة في المرتقى المرسوم، بالتقدير الإلهي القويم.

ثم هو -في النهاية- الذي يضمن للمسلم في المجتمع الإسلامي مبادئ ثابتة يتحاكم إليها هو وحكامه على السواء. فلا يطلق هؤلاء أيديهم في مقوماته وحرياته وحقوقه، في مقابل أن يطلقوا هم حرية الشهوات والنزوات الحيوانية للجماهير المكبوتة في قماقم الاستبداد!

وبعد فإن التصور الإسلامي - من ثم- يقوم على أساس أن هناك حالتين اثنتين للحياة البشرية. ولا علاقة للزمان أو للمكان في تقدير قيمة هاتين الحالتين. إنما القيمة لذات كل حالة. ولوزنها في ميزان الله الثابت، الذي لا يتأثر بالزمان والمكان..

حالتان اثنتان تتعاوران الحياة البشرية على مدى الزمان واختلاف المكان: حالة الهدى وحالة الضلال - مهما تنوعت ألوان الضلال - حالة الحق وحالة الباطل - مهما تنوعت ألوان الباطل - حالة النور وحالة الظلام- مهما تنوعت ألوان الظلام- حالة الشريعة وحالة الهوى مهما تنوعت ألوان الهوى - حالة الإسلام وحالة الإسلام وحالة الجاهلية - مهما تنوعت ألوان الجاهلية- حالة الإيمان وحالة الكفر - مهما تنوعت ألوان الكفر - وإما يلتزم الناس الإسلام دينًا (أي منهجًا للحياة ونظامًا) وإلا فهو الكفر والجاهلية والهوى والظلام والباطل والضلال.

"إن الدين عند الله الإسلام"… (آل عمران: 19)

"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه"… (آل عمران: 85)

"فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ … (يونس: 32) "

"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون"… (الجاثية: 18)

فإذا ثبت هذا الإطار استطاعت الحياة - فكرة وتصورًا وواقعًا ونظامًا - أن تتحرك في داخله بحرية ومرونة، واستجابة لكل تطور فطري صحيح، مستمد من التصور الكلي الثابت القويم.

والقيمة الكبرى لهذه الخاصية، هي تثبيت الأصل الذي يقوم عليه شعور المسلم وتصوره، فتقوم عليه الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي في استقرار وثبات. مع إطلاق الحرية للنمو الطبيعي في الأفكار والمشاعر، وفي الأنظمة والأوضاع. فلا تتجمد في قالب حديدي ميت - كالذي أرادته الكنيسة في العصور الوسطى - ولا تنفلت كذلك من كل ضابط انفلات النجم الهالك من مداره وفلكه! وانفلات القطيع الشارد في المهلكة المقطوعة! كما صنعت أوربا في تاريخها الحديث، حتى انتهت إلى ذلك التفكير الشائه!

ولعل هذه الخاصية هي التي ضمنت للمجتمع الإسلامي تماسكه وقوته مدى ألف عام. على الرغم من جميع الهزات، ومن جميع الضربات، ومن جميع الهجمات الوحشية عليه من أعدائه المحيطين به في كل مكان .. ولم يبدأ تفككه وضعفه إلا منذ أن تخلى عن هذه الخاصية في تصوره، وإلا منذ أن أفلح أعداؤه في تنحية التوجيه الإسلامي، وإحلال التوجيهات الغربية مكانه في العالم الإسلامي ( ) .

ومما لا شك فيه أن المجتمع الذي يجري دائمًا وراء تصورات متقلبة أبدًا، لا تستند إلى أصل ثابت إطلاقًا، تنبع من الفكر البشري المحدود المعرفة، الظنى المعرفة كذلك، الذي يبني علمه -مهما علم- على الظن والحدس والخرص، والفروض المتقلبة أبدًا .. ثم يجعل من هذا العلم الظني إلهًا، او يجعل من الهوى المتقلب إلهًا، يتلقى منه التصورات والقيم والموازين.

مما لا شك فيه أن مجتمعًا كهذا معرض دائمًا للهزات العنيفة، والأرجحة المستمرة، التي تنشئ في عقله الحيرة، وفي ضميره البلبلة، وفي أعصابه التعب، وفي حياته الشرود، وفي كيانه الفساد.

وهذا هو الذي حدث في المجتمعات الأوروبية المفلتة من كل أصل ثابت. وهذا هو الذي تشقى به البشرية كلها اليوم. وهي تخبط في التيه، وراء المجتمعات الأوروبية الشاردة ( ) !

لابد من تصور ثابت المقومات والقيم، يجئ من مصدر ثابت العلم والإرادة! مصدر يرى المجال كله، والخط كله، فلا تخفى عليه منحنيات الدرب، ولا يقدر اليوم تقديرًا يظهر في غد خطؤه ونقصه، ولا تتلبس به شهوة أو هوى يؤثر في موازينه وتقديراته .. ولا ضير بعد هذا من الحركة، والتغير، والتطور، والنمو والترقي.. بل تصبح كلها مطلوبة، وتصبح كلها مأمونه، وتصبح كلها تلبية للفطرة: القائمة على الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت. ولكنها حركة راشدة واعية، مدركة للغاية الثابتة التي تتجه إليها، في خطو متزن، مستقيم راسخ.. وهذا هو ضمان الحياة الطويلة المدى، المتناسقة التصميم.

ولا نحتاج إلى الحيطة ضد التجمد في قالب حديدي، ونحن نستمسك بهذه الخاصية في التصور الإسلامي - خاصية الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت - فخاطر التجمد لا يرد على مثل هذا التصور، ولا على الحياة التي تتحرك في إطاره. فالحركة كما قلنا هي القاعدة فيه، كما أنها هي القاعدة في التصميم الكوني. والكون لا يتجمد ولا يأسن ولا يفسد ولا يركد. فهو في حركة دائمة، وفي تغير دائم، وفي تطور دائم، وفي تشكل مستمر في كل لحظة. ولكنه يتحرك مع استبقاء حقيقته الأصيلة كما قلنا في مطلع هذه الفقرة.

ونحن نقول، إن الخسارة لن ترجع علينا - نحن المسلمين وحدنا- ولكنها سترجع على البشرية كلها .. سترجع على البشرية كلها بتشويه وتحريف المصدر الوحيد الباقي لها من هداية الله. وتكدير - أو تسميم - المورد الوحيد، الذي يمكن أن تستقي منه الهدى الرباني الخالص .. وسترجع البشرية كلها بحرمانها هذه المثابة الثابتة المستقرة، في الأرض المرجرجة التي تمور بالأهواء. والتي ظهر فيها الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ولم تعد لها منجاة إلا في هذه المثابة الآمنة المستقرة، الموصولة بالله..

والذين يحاولون زعزعة هذه المثابة .. سواء باسم التجديد والإصلاح والتطور، أو باسم التخلص من مخلفات القرون الوسطى! أو تحت أي شعار آخر، هم: أعداؤنا الحقيقيون. هم أعداء الجنس البشري. وهم الذين ينبغي أن نطاردهم، وأن نطلب إلى الجنس البشري مطاردتهم كذلك!

إنهم يتحدثون باسم"التقدمية"ضد"الرجعية"في حين أنهم لا يزالون يقتاتون على نتاج القرن التاسع عشر، أو القرن الثامن عشر - نتاج أوربا لا نتاجهم! - ولم يصلوا بعد إلى نتاج القرن العشرين"إنهم متخلفون في تفكيرهم نصف قرن على الأقل. لم يعلموا بعد أن التفكير المضاد للماركسية، وللحيوانية، قد أخذ يبدو كظاهرة عامة في الفكر الأوربي نفسه، بينما هم يتعبدون لمادية وجدلية الفكر الماركسي ومشتقاته! ولنشوء وارتقاء دارون ومشتقاته! إنهم"رجعيون"يزعمون أنهم"تقدميون"! بينما"التقدمية"الحقيقية اليوم تجد نفسها مضطرة أن تعود إلى الدين. تتطلب عنده الطمأنينة والراحة واليقين. بعد الحيرة والقلق والشرود خلال ثلاثة قرون!"

ونحن الذين وقانا الله شر تلك الملابسات التاريخية التي شردت الفكر الغربي في مجاهل التيه.. نكون أحمق الحمقى إذا نحن شردنا في التيه مختارين بدون عذر ولا سبب ولا ملابسة من ملابسات التاريخ!

ولا نكون مضيعين لأنفسنا في التيه فحسب، بل نكون مضيعين للبشرية كلها، حين نُفقدها المثابة الثابتة، التي يمكن أن تفئ إليها ذات يوم. فنجد عندها الأمن والطمأنينة والاستقرار، بعد طول الشرود والقلق والعثار.

فلنقدر تبعتنا الخطيرة تجاه أنفسنا وتجاه البشرية كلها في هذا الأمر الخطير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت