فهرس الكتاب

الصفحة 1433 من 1942

خامسًا: هذه الحركات جمعها أيضًا, إضافة إلى ما سبق, جذر فكري واحد يعود إلى كتابات الأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله ـ الداعي إلى ضرورة إيجاد فئة متمايزة عن المجتمع,"القاعدة الصلبة", التي تتحوصل وتتخندق في مقابلة المجتمع والسلطة الحاكمة لتنشئ هي بذاتها مجتمعًا جديدًا, يفترض أن يغير المجتمع القائم, عقيدة هذا المجتمع الصغير هي الحزبية والولاء للكيان الصغير والاستعلاء على الكيان المجتمعي الأكبر الذي يتوجب ـ حسب رؤيتها ـ أن ينصهر في ذاتها كي تتم الولادة المتعسرة ويتغير وجه المجتمع!!

سادسًا: دعاة التغيير السلمي من خلال الفاعليات السياسية وإن كان يدعو نظريًا إلى الشمولية في الإصلاح, والتوجه إلى المجتمعات إلى أن الدعوي والتربوي والإصلاحي انسحب لصالح السياسي, على نحو ما هو مشاهد, هذه واحدة.

والثانية أن الجهد التربوي في حقيقته يتوجه لفئة محددة, هي من انخرطت في التنظيم أو الجماعة أو الحزب, وليس لعموم المجتمع, حتى على المستوى الخطابي غلب الأسلوب الوعظي الترهيبي أو السياسي على غيرهما.

ثم ثالثًا, التربية في فكر تلك الجماعات يعني بالعموم الإلمام والمعرفة بمبادئ الجماعة ومرتكزاتها, على نحو ما هو قائم في تربية الأتباع في جماعة الإخوان على ما ورد في رسالة التعاليم للإمام البنا رحمه الله, والتي تمثل الثوابت الفكرية للجماعة, وفيها يقدم الإمام لرسالته بقوله:"... فهذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم، وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها، أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجه هذه الكلمات ...".

الطريق الثالث .. هندسة المجتمعات:

ما قدمناه من محاور رئيسة إنما كنا نمهد به لما نسميه بالطريق الثالث أو"هندسة المجتمعات", والذي تتمايز خطوطه وتنابين ملامحه عن التغيير المسيس والمسلح, وان كانت أيضًا تلتقي في بعض التقاطعات والمحاور الأولية.

أولًا: خطوط الالتقاء:

1 ـ الالتقاء الأول مع الحركات التغيرية القائمة تسند إلى النظر إلى الواقع التعيس الذي تعيش فيه الأمة, والذي يتوجب معه على كل غيور أن يحترق فكرًا وعملًا من أجل إنقاذ الأمة مما هي فيه, ويأخذ بيدها إلى طريق الريادة الذي احتلته عصبة من الأشرار ورعاة بقر لا يعرفون للقيم والأخلاق سبيلًا, وإنما كان سبيلهم شديد الوطأة على الأمة من مشرقها لمغربها, فاستباحوا منها كل عرض, وهتكوا لها كل مقدس.

2 ـ الالتقاء الثاني في مرجعية التغيير الذي يجب أن يستند إلى هوية الأمة ودينها الإسلامي الحنيف, وذلك بعد طول تجارب ذاقت فيها الأمة الأمرين من اشتراكية ورأسمالية وغيرها من الأفكار الأرضية التي تنظر نظرة عوراء سقيمة إلى الواقع, فلا تزيده إلا سقمًا ومرضًا, يحسبها الظمآن ماءً .. وكأن الأمة باتت حقلًا للتجارب البشرية.

ثانيًا: الملامح المميزة للطريق الثالث:

تظهر ملامح هذا المنهج في النقاط والمحاور الآتية:

1 ـ العلل والأسقام التي تعاني منها الأمة ليست وليدة اللحظة الراهنة, وإنما هي مستغرقة ومتشعبة وضاربة بجذورها في نفسية الفرد العربي والمسلم, تستمد معينها من مجتمع مضطرب في هويته, ومرتعش في مرجعيته, ومنهزم في حضارته.

فالمشكلة ليست في حقيقتها ـ بحسب رؤيتنا ـ مشكلة نظام قائم وسلطة حاكمة فحسب, وان كانت هذه بلا شك عرض للأمراض والأسقام وسببًا فيها في آن واحد, وإنما مشكلة مجتمعية وحضارية في الأساس والمقام الأول.

2 ـ تأسيسًا على ما سبق, فان الإصلاح يجب أن يتوجه في البداية للمجتمع, بأسس علمية رصينة, يبحث مكمن الخلل وأسبابه, ولا يتوقف فقط عند أعراضه ومظاهره, ثم هو بعد يرسم الخريطة النفسية لهذا المجتمع المريض, يتلمس العلاج مازجًا بين روح العصر الحديث وقواعد الشرع الحنيف, لا يحيد عن ذلك العصر في تطوره, ولا يتغافل عن مقاصد الشرع وقواعده الثابتة, وما خطه منذ قديم الأزل علاجًا للمجتمعات السقيمة.

3 ـ إصلاح المجتمع يحتاج إلى رؤية شمولية لا تركز على جانب فيما تعاني البقية الأخرى من الإهمال والتهميش, فهو إصلاح نبتغيه متكامل الأركان والأسس, تتضح ملامحه في ثلاثة جوانب رئيسة:

ـ إصلاح المنظومة الإيمانية:

ومن خلال هذه المنظومة يعود المجتمع ويتصالح مع دينه وربه, حيث تكون هذه العلاقة عاصمة من كثير الفساد الذي يذهب بالمجتمعات, وأساسًا متينًا تقوم عليه ركائز النهضة المحاطة والمشمولة بعناية الرب جل وعلا.

ـ إصلاح منظومة القيم والأخلاق:

وبها ينصلح حال أفراد المجتمع الواحد بحيث يقترب أو يكاد من النموذج الذي غير وجه التاريخ من قبل, وحول دفة وقيادة العالم من الفرس والروم إلى حيث لم يكن يتخيل أحد إلى بلاد العرب التي كانت محلًا للجهالة والصراعات الداخلية, فباتت محلًا لخير الأمم.

ـ إصلاح منظومة الفاعلية:

هذه المنظومة التي تستمد أصولها ونبعها مما سبقها من منظومتي الإيمان والأخلاق لتعلي من قيمة العمل, وتزحزح تلك السلبية التي غصت بها الأمة وعرقلت تقدمها دهرًا طويلًا, فجعلتها تقتات من موائد الأعداء حضارتها وفكرها قبل غذائها وطعامها.

4 ـ هذا الإصلاح وإن قامت به عصبة تأخذ على عاتقها وكاهلها نهضة الأمة, فهي في طريقها لا تنسلخ عن مجتمعها لتبني عريشًا تنحاز إليه وطائفية تستند إليها, وحزبية تنطلق منها, وإنما هي عصبة حققت في ذاتها معاني الإصلاح, تنصهر برفق في المجتمع تربت على كتفه وتأخذ بيده إلى حيث المكان الصحيح لهذه الأمة, وحيث أراد الله عز وجل لها, أمة يتحقق على يديها الخير لكافة الأمم

أمجادنا

الأحد 16 شوال 1425 هـ - 28 نوفمبر 2004 م

مفكرة الإسلام: أمجادنا .. تاريخنا .. تراثنا .. ماضينا .. ألفاظ ظلمت فنسبت إلى غير أبيها, بعد أن أطفئت أنوار الحقيقة فيها .. ابتدأ بها القومي خطابه فبدل خبرها، وتحدث بها الدَّعي فطمس آثارها .. وصاح بها الإقليمي الضيق فغير مرادها .. أما هي في لغة الإسلام فشيء آخر.

إنَّ تاريخنا أمجاد سطرتها الأمم التي فتحناها قبل أن نسطرها، أعلنتها السهول التي نزلناها، والجُدَدُ التي طرقناها .. أمجادنا عطر سرى في الأجواء وبريق تلألأ في السماء.

سل المواضي عن أمجاد ماضينا

نحن الذين جمعنا كل مكرمة

نحن الذين فتحنا كل مغلقة

نحن الذين رفعنا كل مئذنة

واسأل عوالينا ذكرى معالينا

ما سيم عائذنا ما خاب راجينا

وفر من بأسنا العاتي ملاقينا

في مسمع الكون تكبيرات داعينا

'الله أكبر' دوت بها أرجاء مكة، ورددت أصداؤها منابر الصين ومآذن إفريقية. أمجادنا .. ضاربة في الزمن عمقًا، وفي الكون اتساعًا، فلسنا أمة مقطوعة من شجرة, ترهقها قترة .. بل نحن أمة أصلها ثابت وفرعها في السماء .. نحن أمة أمجاد .. أمة أجداد .. أمة قوة .. أمة فتوة، تاريخنا مشرق وضاء، وصفحاتنا نظيفة بيضاء.

ليست أمجادنا التي نفاخر بها أمجاد عرب .. كلا .. وما صُبغنا يومًا بالقومية فوجدنا العز .. كلا ..

لكن مجدنا مجد .. ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون .. وصبغتنا صبغة الله .. لقد أشرق تاريخنا يوم ولد محمد صلى الله عليه وسلم, وتتابعت أمجادنا يوم قام فأنذر.

لما أطل محمد زكت الربى

وأضاءت الفردوس مكنون الشذا

واخضر في البستان كل هشيم

فإذا الورى في نضرة ونعيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت