الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل
الباب الثاني
الفكر الإسلامي مواجهة حضارية
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
الباب الثاني
الفكر الإسلامي مواجهة حضارية
بسم الله الرحمن الرحيم
المرجع الديني
آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي
تعيش الأمة الإسلامية اليوم تحديا حضاريا كبيرًا من جميع الجهات.
وبالرغم من أن التحدي الحضاري ظاهرة لازمة في الأمة وأنه لم يأت حين على المسلمين إستراحوا فيه من تحديات حضارية، فإن التحدي الجديد يتخذ طابعا مختلفا يكمن في تحوله التدريجي إلى مواجهة حضارية شاملة للجوانب الأيديولوجية والإقتصادية والسياسية والعسكرية وهي مصيرية لأنها تعتزم اكتساح الحضارة الإسلامية حتى لا تعود قادرة على النهوض مرة أخرى.
والمواجهة الحضارية تبرز من خلال مظاهر مختلفة، بيد أن نقطة واحدة تقرر مصيرها النهائي لصالح الأمة أو في صالح أعدائها، تلك هي جدارة (الفكرة الحضارية) بالبقاء. فبقدر ما تكون الفكرة مليئة بركائز التقدم والنصر، وبقدر ما تبعثه في الإنسان المتقمص لها من الإيمان والمعرفة، سيكون تقدم الأمة وإنتصارها.
ولن تغني الفكرة الحضارية شيئًا لو لم تملك الأصالة والواقعية ، ولم تكن قادرة على تحميل نفسها على كتف الحياة حتى تصنع رجالا، وتصنع بهم بطولات وتصنع بها حضارة متفوقة. إذ بدون التفاعل بين الإنسان والفكرة كيف يتمكن الإنسان من تغيير واقع وبناء حياة! فهل تتقدم أمة تملك تراثا ضخما من الفكرة الحضارية لو لم تتحول فعلا إلى عطاء وعمل؟
ومن هنا فإن الإسلام لن يغني الأمة شيئا ما دام فكرا تاريخيا في ذهنية المسلمين، دون أن يتحول إلى مادة حضارية تتفاعل مع الإنسان في واقعه الخارجي. ولن يقع هذا التحول دون ظهور الإسلام على المسرح بكل قوة حتى يقوم بدوره كفكرة حضارية.
ذلك لان الإسلام كدين، والإسلام كتاريخ يختلف كثيرا عن الإسلام كإيمان وعمل وبالتالي كفكرة حضارية.
إذ الدين بمفهومه الشائع إنتماء وطقوس، والتاريخ عبر وحكم. أما الإيمان، فهو أصالة وكينونة. أما الحضارة فهي حركة وحياة. وبين القسمين فاصل كبير.
فالمسلمون، كانوا أمة، وكانوا خير أمة أخرجت للناس، وكوّنوا حضارة لا مثيل لها؛ كل هذا تاريخ لا يمكن أن يحقق شيئا. ولنا أن نتساءل عن انه هل عاد المسلمون أمة، وهل هم اليوم خير أمة، وهل انهم بناة حضارة، بل هل هم حماة حضارة؟ وبكل أسف يجب أن نجيب كلا أننا لم نعد أمة لأننا اليوم نفقد الوحدة والتعاون. ولم نعد خير أمة، لأننا لا نملك كفايتنا من العلم والإيمان. ولم نعد نبني ولا نحمي حضارة، لأننا وبكل أسف، نعاني نكبات سياسية وعسكرية، وتخلفا اجتماعيا علميا اقتصاديا. و.. و.. وبالتالي: ان اسلام أمس لا يغني عن إسلامنا اليوم.
والسؤال هنا كيف نحول أمسنا إلى اليوم؟ والجواب بسيط: لا بد من طي الفترة التي تفصل اليوم عن أمس ليتصل يومنا بيوم تقدمنا، ونبدأ منه المسير.
ذلك لأننا بحاجة إلى واقعين: قاعدة بناء ومنطلق مسيرة هما في الواقع أصالة وتفتح. فدون واحد منهما نخسر المعركة الحضارية.
والإستلهام من الدين الصحيح يشكل القاعدة والمنطلق والأصالة، والتفتح على الحياة يشكل المسير والتفاعل.
فنحن إذا بحاجة إلى (تأصل) و (تفتح) ولابد أن نحققهما عبر مراحل ثلاثة:
1-مرحلة التأصل، وفيها نحاول استيعاب الفكرة الحضارية التي تتمثل في الدين الإسلامي إيمانا وعلما.
2-مرحلة البعث، وفيها نتحسس بالتخلف ونستيقظ من سباتنا العميق، ونريد ان نحيى.
3-مرحلة التفتح، وفيها نحاول الاستفادة من معطيات العلم الحديث.
ان هذا هو الخط الواضح القويم الذي لا يمكننا ان ننجح دون الإلتزام به والوفاء بمتطلباته.
بيد أن هناك عقبة تعترض الطريق، وبمدى قدرتنا على تحديها يكون مدى جدارتنا بحماية حضارتنا التليدة وبنائنا للحضارة الجديدة. وهي التطرفات اليمينية واليسارية التي تريد بالمسيرة الإنحراف عن خطها المستقيم. فاليمين يحاول تجميدنا على الأوضاع الفاسدة، واليسار يريد تمييعنا في بوتقة الحضارات المعاصرة. اليمين يرفض الأخذ بأي جديد ويحاول بنا الانطواء على شكليات القديم المهترئة والتقوقع في توابيته الفكرية المحنطة، ويرضى لنفسه أن يكون تابعا أعمى للفلسفة الإغريقية والبرهمية ولا يقبل الانفتاح على معطيات الحضارة الحديثة العلمية، بل ولا على معارف الدين الإسلامي الحق. ولذلك لا يزال يعتكف على منطق ارسطو وهيئة بطليموس وطب جالينوس في عصر المناهج العلمية الدقيقة، حيث يرتاد الفضاء وتستخدم الذرة وتستعمل الأشعة في شفاء الأمراض.
والذي لا ريب فيه أن اليمين بعيد عن روح الإسلام بعد المشرقين، ذلك لان الإسلام فلسفة شاملة أصيلة متفاوتة كليًا مع فلسفات الإغريق والبراهمة ـ الوثنية المشركة ـ والاسلام منفتح كليا على معطيات العقل والعلم ولا يرضى التقوقع ضمن توابيت القديم.
ولا ريب كذلك أن اليمين عقبة دون بناء الحضارة، لابد من تجاوزها.
والتطرف اليساري هو الآخر عقبة كؤدة يشكلها الانهزاميون الذين منعتهم التيارات الغربية الشعور بأنفسهم فراحوا ينظرون إلى واقعهم وكيانهم بعيون مستعارة، فلا يرون الا مصالح الآخرين. فهم يريدون أن نرفض كل أصيل لأنه في زعمهم السبب المباشر لتخلفنا. والمسلمون ظلوا بين تزمّت اليمين وميوعة اليسار لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ذلك لأن المنحرفين راحوا يشككون في قدرة الإسلام أن يبني حضارة المسلمين الحديثة الأصيلة. وبما أن الدين لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية واسعة وراسخة، فإن المنحرفين لم يقدروا على الهجوم على صلاحية الإسلام أو إمكانية المسلمين للقيام ببناء حضارة حديثة، بل راحوا ينافقون ـ كل حسب اتجاهه المتطرف ـ أيما نفاق.
فالمتزمتون حاولوا أن يحصروا الدين عند الناس في حدود معينة من السلوك الفردي وبعض النظم الاجتماعية، أما في المناهج العلمية والأفكار الفلسفية والقواعد الخلقية فلابد أن يصبح تابعا متواضعا للفلسفة التي يختارونها كل حسب هواه.
ومن هنا قالوا: ان الإسلام يشجعهم على اتباع الفلسفة الاغريقية وذهب الخيال ببعضهم حد القول بأن أفكار الفلسفة القديمة هي بالذات معطيات الإسلام، فالمنطق الشكلي ونظرية القوة والفعل وهيئة بطليموس وما أشبه هي عندهم نظريات إسلامية.
وكانت نسبتهم هذه إلى الإسلام أشبه شيء بنسبة رجال الكهنوت خرافات العصور الوسطى إلى المسيحية، مما أدت إلى إرتداد العلماء عن الدين في أوروبا.
أما النصوص الشرعية المخالفة لهم في نسبتهم هذه فكانت في أيديهم ألين من الحديد بين أصابع داود عليه السلام، حيث أخذوا يأوِّلون فيها ويحرفونها ويفترون على الله الكذب وهم هادئون مطمئنون.
وفي الطرف المعاكس تماما كان الإنهزاميون يقومون بدور مماثل للمتزمتين ولكن من منطلق مختلف، إذ كانوا يحاولون تجريد الإسلام من روحه الناصعة، ومبادئه الفطرية الصائبة، وتمييع أحكامه المحددة وتوجيه نصوصه وفق (فلسفات الغرب الحديثة) ناسين أو متناسين كل ما في هذه الأخيرة من سلبيات وتناقضات.