وقد بلغ الجهد ببعضهم حدا دعى المسلمين إلى تبني فكرة مناهضة للإسلام تمامًا، وبإسم الإسلام ذاته، وقالوا لا يعدو الإسلام أن يكون إنتماء قوميا أو قبليا أو عائليا، فهو ينسجم ـ أو بالأحرى لابد ان نجعله بحيث ينسجم ـ مع كل جديد يقتضيه اتجاه الحضارة الحديثة. ولم يعلموا أنهم بعملهم هذا انتزعوا عن الإسلام أهم ما فيه، وهي الروح المبدعة المغيرة والثائرة.
وضاعت الأمة الإسلامية المرتقبة والحضارة الإسلامية المأمولة، ضاعت في زحمة هذه الاتجاهات المتطرفة. وأصبح الإسلام كلمة جوفاء مطاطية كأنها ضباب السواحل تشمل جميع المتناقضات، وليس أبدًا ذلك الدين الواحد الذي جاء من رب واحد لتكوين أمة واحدة، بل انه ألف دين وألف مذهب وألف أمة.. وكانت هذه عقبة تعترض مسيرة المسلمين الحضارية وكان لابد لنا من تحديها بأمرين:
1-تجريد الإسلام من الفلسفات الجاهلية التي نسبها المنحرفون إلى الدين حتى يعود الدين كما هبط من الله سبحانه فكرة رائعة تحمل نفسها على كتف الحياة، وتنسجم وتتفاعل معها. ولا يمكن ذلك دون العودة إلى ذات النصوص الشرعية ومحاولة التسليم لها والتفتح عليها، دون التأويل فيها والتحريف لكلماتها.
2-تجريد الحضارة الحديثة عما شابت بها من سلبيات الإنسان الأوروبي ونظراته الضيقة المحدودة، وذلك بدراستها في ضوء العقل وهدى القرآن دون تقليد منا أو انغلاق عنها. وعلينا بعد ذلك الاعتماد على أصالتنا في بناء حضارة قوية وسليمة.
وليس الكتاب الذي بين أيدينا الا محاولة متواضعة تهدف تحقيق هذه الغاية، والله الموفق وهو المستعان.
مقدمة الطبعة الرابعة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
إن لم تتح لي فرصة تصدير الطبعة الثالثة التي تمت في الكويت، فإني أجدني مسؤولا عن بيان رأيي في الكتاب بعد خمسة عشر عاما من تأليفه، وذلك عبر تقديم الطبعة الرابعة.
ويختص هذا الرأي بموضوعات العقائد الإسلامية من الكتاب فحسب، ويتلخص فيما يلي:
بالرغم من ان العقيدة الإسلامية هي التي تتحدى ضغط الشهوات، والأهواء، وسلبيات المجتمع الفاسد، وهي التي تتفرع عنها العبادات والأخلاق.
الا ان مشكلة البشر فيها ليست عقلية، إذ انها من ضرورات العقل، التي فطر الله الناس جميعا عليها.
بل هي مشكلة نفسية، نابعة عن ضعف الإرادة أمام تحديات المجتمع وضغوط الشهوة؛ المجتمع الذي تحيط به اجهزة الطاغوت الإرهابية، كيف يمكن ان يعبد الله وحده دون ان يتسلح بإرادة يقهر بها ضعفه البشري؟
والشاب الذي تعصف به رياح الشهوة العاتية، كيف يتحدى إغراء الحياة، ويعبد الله وحده دون إرادة قاهرة؟
وهكذا الفرد المليء بالعقد، لا يمكنه فهم الحياة بفطرته الطاهرة دون خرق حجاب العقد بعزم إيماني راسخ.
وربما تشير إلى هذه الحقيقة، الأحاديث التي تؤكد ان الإيمان روح، وتبين ان الإيمان عمل، وان على كل جارحة مسؤولية إيمانية خاصة بها:
جاء في حديث شريف (1) عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) ، يقول الراوي( قلت له: ايها العالم! أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله؟
قال: ما لا يقبل الله شيئا الاّ به.
قلت: وما هو؟
قال: الإيمان بالله الذي لا إله الا هو، أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة واسناها حظًا.
قلت: الا تخبرني عن الإيمان، أقول هو وعمل، ام قول بلا عمل؟
فقال: الإيمان عمل كله، والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بيّن في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجته، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه.
ثم يضيف الحديث قائلا:
قال: لأن الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسَّمه عليها، فليس من جوارحه جارحة الا وقد وكلت من الإيمان بغيرما وكلت به اختها.. )
ومن هنا يبدو لي ان المنهج الإلهي في تذكرة الناس بربهم واعدادهم لإستقبال روح الإيمان، والبدء بالعمل بمسؤولياته، يختلف عن منهج دراسة العقائد في كتب الكلام، أو بالأسلوب المتبع مثلا في هذا الكتاب. وبالرغم من ان هذا الأسلوب قد يكون نافعا، ونجد في كتب الإحتجاج ان الأئمة عليهم السلام استخدموه أيضا (2) .
الا انه ليس المنهج الأمثل الذي نجده في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.
ونحن نبين باختصار شديد بعض جوانب المنهج القرآني الأمثل لعل الاخوة الذين يدرّسون هذا الكتاب لطلبة العلوم الدينية، حفظهم الله، يستفيدون منه في أسلوب التدريس ويحوّلون حلقات الدرس إلى منابر توجيهية هدفها إثارة دفائن الفطرة وغرس مكارم الأخلاق، وتبصير الطلبة بحقائق انفسهم والحياة من حولهم.
ان العقائد ليست مادة دراسية بقدر ماهي تذكرة إلهية هدفها إيقاظ العقل من سباته، وجلاء الروح بعد تراكم الرين عليها، وبث الخشوع في القلب بعد قسوته. ومعلم درس العقائد لابد ان يزكي نفسه، لكي يتحول إلى قدوة في تصرفاته، ويكون في نبرات حديثه وقسمات وجهه تذكرة بالله، وترهيب من عذابه، وترغيب في عظيم ثوابه.
المنهج القرآني
هناك خطان نشير اليهما في المنهج القرآني؛ خط في أسلوب التذكرة بالله، وخط في ربط ذلك بالعمل.
بالنسبة إلى الخط الأول لابد ان نقول:
بصائر القرآن لمعرفة ربّ العالمين
ان المنهج القرآني يذكر الناس بربهم من خلال الحياة، وليس بعيدا ولا مجردا عنها، حتى تتذكر ربك كلّما عشت ظاهرة طبيعية؛ فالشمس والقمر والنجوم آيات مسخرات بأمره ، والسماوات والجبال يسبحن بحمد ربهن، وان من شيء الا يسبح بحمد ربه..
ويقول ربنا سبحانه، وهو يلفت إنتباهنا إلى السموات التي رفعها بغير عمد نراها:
[اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ] (الرعد 2) .
ويذكرنا بما في الأرض من آيات لعلنا نعرف ربنا من خلال النظر إليها، والإعتبار بما فيها من إختلاف وتشابه، والتذكر لما فيها من علامات الحكمة والقوة:
[وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] (الرعد 3) .
ويلامس السياق القرآني فطرة الإنسان ويهزها عندما يقول:
[هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلآَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ] (الرعد 12-13) .
عندما تدك جبال السحب بعضها بعضًا، فتحدث دوي الرعد وتختلط عندك الرغبة بالرهبة، والطمع بالخوف، وتأتي الصواعق وهي مرسلة من لدن حكيم قدير، والأهداف مرسومة لها سلفا. عندئذ تذكر ربك وعقوبته الشديدة، فلا تجادل فيه، بل أسلم له وجهك حنيفا مسلما.
بلى ان هذا المنهج القرآني الذي يفسر ظواهر الكون وسنن الله فيه تفسيرا إلهيا، انه يجعل المؤمنين يتذكرون ربهم كلما غشيتهم ظاهرة كونية أو أعقبتهم سنة إلهية.
يقول ربنا سبحانه عنهم:
(1) - الكافي، الجزء 2، ص 33،34 .
(2) - في الكتاب الذي بين يديك أمثلة عديدة على ذلك خصوصًا في أبواب التوحيد.