إن الهوة اليوم بين الغرب والعالم الإسلامي كبيرة جدًا، فالغرب وإن كان ليس مطالبًا بتبني جميع قيم وأفكار المسلمين ولا الإسلاميين، إلا أنه لا بد له من تحري وفهم مصدر وطبيعة هذة الهوة القائمة وأن يعمد جديًا إلى معالجة هذا الأمر واحتوائه قبل أن يصل لحدّ التفجّر.
مستقبل الإسلام السياسي
من المتوقع في العقدين القادمين أن تتزايد الضغوطات على الحركات الإسلامية مع تحقيقها لمكاسب سياسية على امتداد العالم الإسلامي. وسُيتوقع من الحركات المعتدلة، والتي لن تلقى المزيد من تحدّيات الوجود والبقاء أن تقدّم للجمهور بعض الإجابات والحلول الفعّالة لمشاكل الواقع.
من جانب آخر ومع استمرار السياسات الخارجية الأمريكية على ما هي عليه وإصرارها على الحرب ضد الإرهاب بشكلها الحالي فإن العلاقة بين الإسلام والولايات المتحدة ستبقى في تدهور، وستتأجّج مشاعر العداء في العالم الإسلامي تجاه أمريكا بل وستتزايد العمليات التي تستهدف الأمريكيين؛ مما سُيبقي أمريكا في حالة تصادم مع العالم الإسلامي. وهذا سينعكس على الجبهة الداخلية؛ إذ ستتعزز حالة التوتر القائمة بين المسلمين في الغرب والمجتمع الغربي الأمر الذي سيهدّد حقوقهم المدنية، وفي الوقت ذاته تقوم الأنظمة في العالم الإسلامي بالتضييق وملاحقة الحركات والمنظمات الإسلامية مما سيدفع بالكثير منهم نحو التطرف. بل قد يشتّت الكثير من تلك الحركات عن الأهداف الأساسية التي قامت لإجلها؛ كبناء المجتمع المسلم سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا وعسكريًا. إذ سينصب اهتمامها على الدفاع عن نفسها وربما الانتقام. الحركات الوحيدة التي قد تُبقي على شيء من التوازن والإعتدال وتصرف جُلّ جهدها نحو بناء نسيج اجتماعي متماسك وجو سياسي سليم هي تلك الموجودة في ظل أنظمة تحافظ على حد أدنى من الممارسة الديموقراطية.
سينزع الإسلاميون لدعم حركات التحرر والانفصال للأقليات المسلمة في الدول غير المسلمة مثل الشيشان وكشمير وغيرها. أما محليًا فإن الإسلاميين سيكونون من أهم أدوات الإصلاح والتغيير في مجتمعاتهم خاصةً تلك المنغلقة.
كتاب"مستقبل الإسلام السياسي"لـ (جراهام فولر) من الكتب القليلة التي تنظر لظاهرة الإسلام السياسي بقدر من الموضوعية، ففولر على خلاف غالبية الكتاب الغربيين وضع نفسة على نفس الأرضية الحضارية التي تقف عليها تلك الحركات وحاول دراستها وتقييمها من ذي المنظار متخليًا إلى درجة كبيرة عن المعايير والرؤية الغربية في تقييم الأمور، ونقول إلى درجة كبيرة؛ لأن (فولر) في محاكمته لأداء نموذج السودان وإيران بل حتى في رسمه للشكل الأمثل للحكم والسياسة الذي ينبغي أن تصبو إليه تلك الحركات لم يرى أفضل من الديموقراطية الغربية كنهاية مثلى، غافلًا أن الحضارات المتنوعة قادرة على إفراز نُظم تنسجم معها بصرف النظر عن شكلها، فالمطلوب هو الوصول لنظام سياسي يحقق الحكم الصالح الذي يضمن العدل والحرية للجميع.
وعلى ذلك علّق فولر لـ (الإسلام اليوم) : مبدئيًا أنا منفتح لئن يجد العالم الإسلامي نموذجه الخاص، ولكن كيف نحقق ذلك مؤسسيًا. أقصد المجتمع الإسلامي وإرثه السياسي يضع قيمة وتركيزًا على مصداقية وصدق الحاكم ولكن كيف نؤسس لذلك، كيف نترجم مؤسّسيًا ضوابط الحكم الصالح، وكيف يأتي شخص للحكم ويعزل منه. في حين أن النظام الديموقراطي مبني أنه لا يمكن أن تولي شخصًا وتسلمه بشكل مطلق الإدارة معتمدًا على قيمه ومثله، وإنما تأخذ بعين الإعتبار أن البشر يفسدون وينحرفون، ولذلك هناك نظام ومؤسسة تمكن من التخلص من أولئك سلميًا. فالقضية: ماذا نفعل حين يأتي للسلطة حاكم غير عادل بنظر المحكومين؟ يبنغي أن يكون هناك نظام يمكّن المحكومين من تحقيق رغباتهم وطموحاتهم أو على الأقل أن يكون لها تأثيرودور في أداء الحاكم"."
من جانب آخر (فولر) والذي يؤكد في أكثر من مكان من كتابه أن حالة العداء للغرب وأمريكا في العالم الإسلامي مرجعها بالأساس للتدخل الأمريكي بالشأن المحلي والسياسات الأمريكية في المنطقة، غير أنه يعود لأن يطرح شكلًا لهذا التدخل، وكأن العالم الإسلامي"قاصر"يحتاج من يدير له شوؤنه. (فولر) فسّر ذلك لـ (الإسلام اليوم) قائلًا:"في العالم الحقيقي الأقوياء يتدخلون بشوؤن الضعفاء وتلك حقيقة تاريخية، وهذا جزء من الطبيعة الإنسانية. وأظن حتى في حالة وجود أمريكا مسالمة ستبقى تتدخل ولو جزئيًا، فالعالم الإسلامي يقع في بقعة تمتلك إمكانيات مالية ونفطية مهمة لسائر العالم. غير أنني أعتقد أن مشكلة العالم الإسلامي والعربي أنه ما زال شابًا، فبعض دوله لا يتجاوز عمرها السياسي الخمسين عامًا، ولم يُعطَ فرصته لينمو ويتطور وحده. ولا أظن في المقابل أيضًا أن الأنظمة الملكية أو الحكام المنتخبين للأبد سيساعد أو يحل المشكلة. لكنني أعتقد أن الولايات المتحدة يمكنها أن تقدم الكثير في مجالي التعليم والصحة، وهذه مجالات مهمة ومفيدة للعالم الإسلامي، وهناك مؤسسات تعليمية كالجامعة الأمريكية في القاهرة، وتلك التي في بيروت وغيرها أدّت أدوارًا مهمة ولم يُنظر لها على أنها مؤسسات استعمارية."
أظن أن أمريكا ينبغي أن ينصبّ جهدها ليس فقط على كسب الأصدقاء والحلفاء، وإنما مساعدة الدول على النمو والتوقف عن التدخل في الشأن السياسي. فما تقوم به الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية ما هو إلا خيانة لقيمها المحلية"."
وعن رؤيته لشكل وتطور دور الإسلام على المسرح السياسي فيقول (فولر) :"لا أستطيع القول إن الدين لا يمكن له التأثير على السياسة، أو أنه لا يمكن السماح له بذلك، ولكن أظن أن التسوية الأمريكية والأوروبية في هذا الإطار هي الأنسب. بمعنى إن كان هناك قيم أخلاقية يؤمن بها فريق من الأمة فيجب تضمينها في السياسة ،ومحاولة عكسها على شكل تشريعات دون إلغاء حق الآخرين في محاولة ممارسة نفس التأثير لتضمين ما يؤمنون به".
لا بد من المبادرة
في ظل الأزمات يتنادى المخلصون؛ للقيام بما لم يكن واضح الرؤية أو متبلورًا في أذهانهم.
وكلنا ندرك - وببساطة شديدة - أن الأمة في ظل الأزمات؛ تصبح بلا عقل يفكر, أو ربان يسيّر, أو قائد يدبر، يقرأ لها الأحداث, أو يرسم لها الطريق.
وهناك مؤسسات ودول وجماعات تحاول أن تجتهد؛ لكن في إطار عقلها الخاص الذي يفكر في دائرتها فقط، هذا إن وجد !
لكن أن يوجد عقل جماعي يفكر بشأن مجموع الأمة يرى بعينها ويسمع بأذنها ويهتم بهمومها فهذا أمر نادر الوجود.
ولا يخفى على أحد تلك المنحنيات الخطيرة لمسيرة الدعوة الإسلامية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر, بحيث أصبح لهذه المرحلة ملامح خاصة بها, تعتبر نقطة تحول في مسيرتها؛ فمعالم العولمة البارزة ستستمر في المرحلة القادمة, والغرب تجاوز أحداث الحادي عشر واتجه نحو نوع من الصدام الحضاري مع الأمة الإسلامية في وقت لم تهيّأ فيه الأمة لذلك.
وهذا الصدام سيبدأ بهوية الأمة الإسلامية, وسيساعد على ذلك غياب أو تأخر طرح المشروع الإسلامي, والذي يؤدي بدوره إلى وجود طروحات من جهات مختلفة جذريًا مع هذا المشروع, أو أن يرسم الغرب للأمة منهجها ومصيرها.
وها هنا أسئلة ملحة تطرح نفسها:
-ألا يجب على المسلمين أن يبادروا ببيان المشروع الإسلامي والبحث عن وسائل جديدة للتعبير عنه وإعداد دراسات متواصلة عن طبيعة المرحلة ؟