وقد أصبحنا اليوم أقرب إلى فهم هذا النظام الرباني المطرد ، بعد أن أتاحت لنا العلوم الحديثة ، ما يعرف بالنظم ذاتية التسيير ( الأوتوماتيكية ) إذ نستطيع مثلًا أن نشغل جهاز التلفزيون بواسطة جهاز التحكم عن بعد ( ريموت كنترول ) فيظل التليفزيون يعمل من تلقاء ذاته دونما حاجة لتدخلنا المستمر من أجل حثه على العمل ، وهذا لا يعني أننا فقدنا السيطرة على عمل التليفزيون ، فنحن قادرون متى شئنا أن نوقفه عن العمل ، أو نوجهه إلى محطة جديدة ..
فإذا كنا قد سلمنا بأن الإنسان - صاحب القدرة المحدودة المقيدة - استطاع إنشاء نظم ذاتية الحركة ، ونخضع في الوقت نفسه للسيطرة ، فكيف لا نسلم بأن الله عز وجل خلق هذا الكون وفق نوع من الاطراد الذاتي الخاضع للسيطرة الربانية؟!
كشف سنن الله في الخلق
.. لقد خلق الله هذا الكون البديع ، وبث فيه من المخلوقات أنواعًا كثيرة لا تعد ولا تحصى ، حتى إننا لو أردنا إحصاء المعلومات ، التي حصلها البشر حتى يومنا هذا عن تلك المخلوقات ، لكان من العسير على أية موسوعة أن تتسع لمجرد فهرسة هذه المعلومات ، هذا على الرغم من أن ما حصله البشر من علم ، لا يعد شيئًا مذكورًا بالنسبة للحقائق ، التي يزخر الكون بها .. وصدق الله العظيم الذي يبين طرفًا من هذه الحقيقة المعجزة بقوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا ) (الاسراء: 85) . ومن هنا يمكن أن ندرك مقدار التنوع في السنن ، التي تحكم مخلوقات الله ، وندرك كذلك السبب في عدم انكشاف كثير من هذه السنن .. ويمكن أن نبسط هذه المسألة على الوجه التالي:
إن الإنسان مستخلف في هذه الأرض ، لأجل أداء مهمة محددة ، بينتها الآية الكريمة: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (الذاريات: 56) .. والعبادة هنا لا تعني فقط الشعائر التعبدية ، من صلاة وزكاة وصوم وحج وغيرها ، مما يسمى بالعبادات في كتب الفقه الإسلامي ، بل تعني الانقياد والانصياع التامين للمنهج ، الذي شرعه الله عز وجل للناس ، ولكي يستطيع الإنسان القيام بهذه الأمانة ، فقد زوده الله عز وجل بالكفايات والاستعدادات اللازمة لكشف بعض السنن ، التي تعينه على أداء هذه الأمانة ، وتفتح أمامه الطريق لفهم هذا العالم ، وفك رموزه ، والتعامل معه.
وأما بقية السنن المقدرة لهذا الوجود ، فقد نتوصل إلى معرفة أسرار بعضها ، بينما تخفى علينا أسرار بعضها الآخر .. وإن الواقع ليشهد بأننا نرى كثيرًا من مخلوقات الله عز وجل ، ونرى كثيرًا من الظواهر ، فلا ندرك الحكمة من خلقها ، ولا ندرك السنن التي تحكمها ، وكثيرًا ما تساءلنا بيننا وبين أنفسنا: لماذا خلق الله هذه الخلائق ؟! دون أن نهتدي إلى جواب .. لكن هذا لا يعني أن تلك الخلائق قد خلقت عبثا .. (ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك ) ( آل عمران: 191) بل كل شيء عند الله بمقدار (إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ( القمر: 49) ولكل أمر أراده حكمة ، سواء أدركناها أم لم ندركها ، وسواء علمنا السنة التي يخضع لها هذا الأمر أم لم نعلمها !
ويرجع خفاء بعض السنن عنا إلى تقصير في البحث عن هذه السنن ، وقد يرجع أحيانًا أخرى إلى القصور في الوسائل المتاحة بين أيدينا ، ومن ذلك مثلًا الإشعاع الذري .. فهذا الإشعاع الذي أوجده الله عز وجل منذ ملايين السنين ، لم نتمكن من اكتشافه إلا بعد تطوير الأجهزة الحساسة لهذا الإشعاع ، الذي يصدر عن العناصر الكيميائية المشعة .. وبعد دراسة هذه الظاهرة عرفنا بوجود سنة تحكم عملية الإشعاع الذري .. وعندما تعمقنا بدراسة هذه السنة استطعنا - بفضل الله - أن نسخر الإشعاع الذري في أغراض شتى ، كعلاج الأورام السرطانية ، وتوليد الطاقة الكهربائية ، وصنع القنابل الذرية ..
الحاجة أم الاكتشاف:
.. ومن الملاحظات البارزة عبر التاريخ ، أن الأمم تمر بمراحل متغيرة , فتتطور أحوالها .. وتطرأ عليها ظروف مستجدة ، تضطرها للبحث عن وسائل جديدة ، تعينها على القيام بعمارة الأرض ، وأداء أمانة الاستخلاف ..
وتحت ضغط هذه الظروف القاهرة ، ينشط الإنسان في الدراسة والبحث والتنقيب ، إلى أن تتكلل مساعيه بالنجاح ، وتنكشف له سنن جديدة تكون بمثابة حلول مرحلية للمشكلات التي واجهته ..
ومن أجل هذا نجد كثيرًا من آيات القرآن الكريم تحثنا على السير في الأرض ، بقصد الكشف عن السنن المغيبة عنا ، والعمل على تسخيرها فيما يصلح لشؤون حياتنا .. وهذا هو الأصل في قضية استخلاف الإنسان من قبل الله عز وجل ، والتي عرضها القرآن الكريم وفق محاور ثلاثة:
الأول: خلق الإنسان: (وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) ( البقرة: 30 ) .
الثاني: تسخير الكون للإنسان: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (الجاثية: 13) .
الثالث: دعوة الإنسان للنظر والتدبر والبحث: ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) (يونس: 101) .
وعلى هذه الشاكلة يجب أن نفهم القضية .. فالله عز وجل هو خالق البشر ، وهو مستخلفهم في هذه الأرض، ومسخر لهم كل شيء في هذا الوجود ، وقد أمرهم سبحانه أن يسيروا في الأرض ، فينظروا كيف تمضي مسيرة الحياة وفق سنن ثابتة ، غير عصية على الإدراك البشري ، وغير متمنعة عن التسخير من قبل البشر ، متى عرفوها وفهموا طبيعتها.
قهر الطبيعة!
.. ومن ثم فإن اكتشاف الإنسان لسنة من سنن الله ، وتسخيرها ، ليس قهرًا للطبيعة ، كما يحلو للملحدين أن يصوروا هذه القضية ، إذ هم يظنون أن حياة الإنسان فوق هذه الأرض صراع متواصل ، ومعركة لا تنتهي ضد عناصر الطبيعة .. وما ذلك إلا لإنكارهم وجود خالق لهذا الكون ، وزعمهم بأن الطبيعة هي التي خلقت نفسها بنفسها ، وأنها هي التي أوجدت الإنسان مصادفة ، وألقت به في خضم هذا الصراع المحموم ! وهذا هو موقف المدنية المعاصرة اليوم ( بشطريها الغربي والشرقي ) إذ هي تصور تحقيق إرادة الإنسان في صورة الانتصار على الطبيعة ، وكأن الطبيعة عدو أو حاجز يحول بين الإنسان وبين تحقيق إرادته !
في حين أن النظرة الإسلامية للقضية مختلفة تمامًا ، فالمسلم يحس بالانتماء للطبيعة ، بسبب إيمانه بأن قوانينها قدر من قدر الله عز وجل ، وسنة من سننه ، التي سخرها لخدمة الإنسان ، تفضلًا منه وكرمًا .. ولهذا نجد العلاقة ما بين الإنسان المسلم ، وبين الطبيعة ، مطبوعة بطابع السلام والمحبة والانتماء ، على النقيض من علاقة غير المسلم بالطبيعة والتي تتصف بصفة التحدي والقوة والتحايل .
وما تعبير (قهر الطبيعة) الذي يلوكله الملحدون بمناسبة وبغير مناسبة إلا تلاعب بالألفاظ ، وتسمية للحقائق بغير أسمائها (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) (النجم: 23) .