والحق .. أن الله سبحانه خلق في الإنسان بموجب استعداده علمًا ضروريًا بحقائق الأشياء ، وسنن الله التي تحكمها ، وما لها من قوانين النفع والضر ، والواقع يؤيد هذا الرأي ، فقد ورث الجنس البشري ، على مدى العصور ، هذا الاستعداد الفطري عن أبيهم آدم ، الذي أودع الله في نفسه علم الأشياء ، من غير تحديد ولا تعيين (وعلم آدم الأسماء كلها ) (البقرة: 31) ، وقد ظلوا بهذا الاستعداد يكشفون من أسرار هذا الأرض وقوانين طبيعتها ، ما مكن لهم من السيطرة عليها ، وتحقيق قوله تعالى: ( إني جاعل في الأرض خليفة.. ) ( البقرة:30) فلا عجب إذن أن تنكشف سنة من سنن الله على يدي الإنسان ، ما دام الله عز وجل هو الذي قدر لها أن تنكشف على هذه الصورة ، ولا عجب كذلك أن يتم هذا الكشف على يدي مؤمن أو كافر ، لأنهما سواء بالنسبة لقدر الله ، الذي يجريه على يدي من يشاء من خلقه ، ونلمح ظلال هذا المعنى في قوله تعالى: ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورًا ) (الإسراء: 20) .
.. والكون - كما قدمنا - زاخر بالخلائق ، وهذه الخلائق تحكمها سنن لا تعد ولا تحصى ، وما يزال معظم هذه السنن في ذمة الغيب ، وستبقى كذلك ، حتى يحين الوقت ، الذي قدره الله لانكشافها ، وكأن الإنسان في هذه الحال أمام كنز لا ينضب ، ينهل منه ما يشاء ، ولكن بشرط أن يبذل الجهد اللازم لاستخراج جواهر هذا الكنز .. علمًا بأن حجب بعض السنن عن الإنسان لم يكن عبثًا ، بل كان لحكمة بالغة ، أرادها الله عز وجل ، فإن هذا الحجب يشكل نوعًا من التحريض ، الذي يدفع الإنسان دومًا للبحث والتنقيب والمحاولة ، مما يضفي على حياته مسحة من التغيير المستمر ، الذي يجمل الحياة في ناظريه ، ويدخل إلى نفسه البهجة والسعادة ، كلما استطاع بجهده الواعي أن يكتشف جديدًا ، أو يتغلب على صعوبة من الصعوبات التي تعترض سبيله ..
يقول الدكتور عماد الدين خليل حول هذه النقطة: ( إننا إذا أردنا أن نعتمد مصطلحات المؤرخ الانكليزي(آرنولد توبيني) ومقاييسه الحضارية فإننا سنرى في العالم تحديًا مناسبًا للإنسان ، ليس معجزًا ولا هو دون الحد المطلوب البشري لإثارة التوتر للرد .. وكأن إرادة الله سبحانه شاءت أن تقف به عند هذا الحد لكي يحقق خلافته في الأرض ، فلم يشأ الله أن يمهد العالم تمهيدًا كاملًا ، ويكشف للإنسان عن قوانينه وأسراره كلها ، لأن هذا نقيض عملية الاستخلاف ، والتحضر والإبداع ، التي تتطلب مقاومة وتحديًا واستجابة ودأبًا وإبداعًا ، ولأنه يقود الإنسان إلى مواقع السلبية المطلقة ، ويسلمه إلى كسل لا تقره مهمة الإنسان على الأرض أساسًا ، كما أن الله سبحانه لم يشأ - من جهة أخرى - أن يجعل العالم على درجة من التعقيد والصعوبة الطبيعية ، والانغلاق والغموض ، بحيث يعجز الإنسان عن الاستجابة والإبداع ، الأمر الذي ينافي أيضًا مهمته الحضارية التي نيطت به لإعمار عالم غير مقفل ولا مسدود ).
فالقضية إذن ليست قهرًا للطبيعة .. فالله عز وجل خلق هذا الكون ، واستخلفنا فيه ، ومنحنا القدرة على تسخيره .. ولكنه سبحانه جعل شرطًا للوصول إلى تسخير الكون من قبلنا نحن البشر ، وهو أن نعرف ابتداء السنن التي يخضع لها ، ثم نعمل على توفير الوسائل المناسبة ، التي تعيننا على تسخير هذه السنن ، التي من طبيعتها أنها لا تعاند الإنسان , ولا ترفض الاستجابة له ، ولأن الله عز وجل هو الذي أمرها بهذا، وقدر لها هذه المهمة .
عقبات في طريق كشف السنن:
.. وعلى الرغم من أن الله عز وجل قد سخر لنا السنن الكونية ، وجعلها طوع أمرنا ( وفق الشروط التي ألمحنا إليها آنفًا) إلا أن هناك عقبات كثيرًا ما تحول بيننا وبين الوصول إلى كشف السنن أو فهمها .. وقد سبق أن بينا بعض هذه العقبات التي تتعلق بطبيعة السنن نفسها ، أو بالوسائل اللازمة لكشف هذه السنن .. غير أن العقبات التي نريد مناقشتها هنا ، تختلف عن تلك بأنها عقبات ذاتية تنبع من نظرتنا إلى الكون ، وموقفنا مما يجري فيه من أحداث .. ويأتي في مقدمة هذه العقبات .. ما يلي:
1 -النظرة الغائية:
ونعني بها نظرتنا إلى ظواهر الحياة من جهة الغاية أو الحكمة ، التي من أجلها تحدث هذه الظواهر .. فنحن مثلًا نعتقد أن البراكين والزلازل تضرب القرى والمدن ، وتهلك الناس عقوبة من الله عز وجل على ما ارتكبوا من آثام وجرائم ، وكذلك نعتقد بالمرض وبسائر الكوارث الطبيعية .. ومع تسليمنا بأن لهذا الاعتقاد ما يبرره انطلاقًا من إيماننا بأن لله حكمة في كل ما يجري في هذا الكون والتي قد ندركها وقد لا ندركها .. إلا أن اعتقادنا بالحكمة الإلهية على هذه الصورة يجب ألا يحول بيننا وبين النظر إلى المسألة من جانب آخر ، وهو معرفة الأسباب التي تؤدي عادة لحدوث هذه الظواهر ، لأن معرفة الأسباب تفيدنا في التحكم بالظواهر الكونية المختلفة ، وتجعلنا أكثر قدرة على تسخيرها لصالحنا ، ودرء أخطارها عنا بإذن الله . أضف إلى ذلك أن النظر إلى الأحداث من جهة الحكمة في وقوعها فحسب ، يضعنا في موقع السلبية المطلقة التي تكتفي بتأمل الأحداث من الخارج ، بدل المشاركة فيها مشاركة إيجابية فعالة .. علمًا بأن مثل هذه المواقف السلبية كثيرة في حياتنا العملية .
هكذا تحطم شالنجر:
وأذكر أنني في كانون الثاني ( يناير ) من عام 1986م كنت في الولايات المتحدة الأمريكية ، عندما دعاني صديق يتابع هناك دراسته الجامعية العليا لنشاهد على الطبيعة عملية إطلاق المكوك الفضائي ( شالنجر ) الذي كان من المقرر أن يحمل سبعة رواد للدوران حول الأرض ، وفي الموعد المحدد كنا في قاعدة الإطلاق مع جموع المشاهدين ، نترقب لحظة انطلاق الصاروخ نحو الفضاء .. وقد لفت انتباهي أن صديقي لم يكف طوال فترة ترقبنا لانطلاق الصاروح عن إبداء دهشته وإعجابه بما وصلت إليه (تكنولوجيا) الغرب من تقدم وتطور مذهلين ، وأعاد على مسامعي أكثر من مرة قوله: ( إننا - نحن المسلمين - لن نستطيع مسايرة التقدم العلمي المعاصر ، ولن نستطيع مواكبة ركب الحضارة ، ما لم نأخذ بمنهج هؤلاء ، ونتابع خطواتهم في شتى مجالات الحياة ! ) ، لكن موقف صاحب المليء بالإعجاب والدهشة ، لم يلبث أن تبدل باتجاه معاكس تمامًا عندما انفجر الصاروخ ، بعد ثوان من إطلاقه .. فقد عد صاحبي انفجار الصاروخ بمثابة ضربة إلهية قاصمة موجهة لغطرسة أمريكا ( على حد تعبيره ) التي لا تفتأ تعتدي على الشعوب المستضعفة ، كما رأى في تلك الكارثة عقوبة عاجلة على ما وصل إليه المجتمع الأمريكي من استهتار وانحلال أخلاقي ، وإباحية وفوضى في كل شيء ..
لقد كان واضحًا من هذا التبدل المفاجيء في موقف صاحبي أنه لم يكن يصدر في تقويمه للحادث عن نظرة موضوعية بمقدار ما كان يصدر عن نظرة غائية قاصرة تستهدف ( التبرير ) أكثر مما تستهدف معرفة الأسباب الموضوعية ، التي أدت إلى الانفجار ، والتي يمكن بمعرفتها منع تكرار الكارثة مرة أخرى !
ومن المؤكد لو أن العلماء والمسؤولين في وكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا ) نظروا للحدث كما نظر إليه صاحبي لأوقفوا تمامًا برامجهم الفضائية ، بانتظار أن تتراجع الولايات المتحدة عن غطرستها ، وانتظار أن يصلح حال المجتمع الأمريكي ، ( ترى كم من السنوات أو القرون سيستغرق ذلك ؟ ) .