* ويمكن أن نسوق بالمقابل الفكرة التي تقول: ( إن جيشًا ما يمكن أن ينتصر على جيش آخر يفوقه في العتاد والعدد عشرة أضعاف ) فهذه الفكرة تبدو من الناحية النظرية مستحيلة ، لولا أن وقائع التاريخ أثبتت حدوث مثل هذا الانتصار الباهر ، بل لقد أكد القرآن الكريم إمكانية وقوع انتصار كهذا وتكراره في صورة سنة مطردة لا تتخلف ، ولكن بشروط الآية الكريمة: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ) (الأنفال:65) .. مما يعني أن سنة انتصار الجيش على جيش أكبر منه وأقوى ممكنة التحقيق ، ولكن بعد توفير الشروط التي بينتها الآية الكريمة، وما لم تتحقق هذه الشروط فإن انتصار الجيش الضعيف يظل ضربًا من الخيال أو المستحيل .
ونلاحظ من خلال هذين المثالين اللذين سقناهما أن الفكرة ذاتها يمكن أن تبدو من الناحية النظرية واقعية أو مستحيلة ، إلى أن يجيء التنفيذ العملي الذي يقطع بواقعيتها أو باستحالتها .. مما يعني أن الجهد البشري يتطلب شروطًا ثلاثة لكي يكون جهدًا ناجحًا ، وهذه الشروط هي:
(1) الفكرة ..
(2) توافق الفكرة مع سنة من السنن التي فطر الله عليها أمور الخلق ..
(3) اقتران ذلك بالعمل ..
وانطلاقًا من هذه المقدمة الموجزة ، نصل إلى تحديد معلم هام من معالم الأزمة التي تمر بها اليوم عقلية كثير من المسلمين .. هذه العقلية التي غدت طافحة بالأفكار النظرية المجردة ، ولكنها ما تزال - على الرغم من ذلك - عاجزة عن وضع هذه الأفكار موضع التنفيذ الفعلي ، أو هي ما تزال مقصرة في تسخير هذه الأفكار بطريقة واقعية ، تجعلها على أكبر قدر من الفعالية .. في حين أن أصول هذه الأفكار نفسها قد نهضت في زمن من الأزمان بأمتنا العربية ، بل وبالجنس البشري كله نهضة تفوق الخيال !
وحين ندقق النظر في أوضاع المسلمين الراهنة ، ونستقرئ الوقائع التاريخية التي انتهت بهم إلى التخلف والانحطاط ، نجد أن هذه الأمة ترجع في جزء كبير منها إلى الغموض الذي يسود فكر كثير من المسلمين حول طبيعة السنن ، وعلاقتها بالجهد البشري .. فكثير من المسلمين اليوم لا يعيرون مفهوم السنن ما يستحقه من اهتمام ، وكثير منهم لا يدركون أصلًا مفهوم ( سنة الله في الخلق ) إدراكًا صحيحًا ، فنراهم يرفضون عن وعي ، أو غير وعي علاقة ارتباط النتائج بأسبابها ، لأنهم يظنون أن القول بارتباط النتائج بأسبابها ارتباطًا ضروريًا يعني الحتمية على الله عز وجل ، ومن ثم يعني تعطيل الإرادة الإلهية !
ومن هنا كانت الأزمة ، ونعني بها نسبة النتائج إلى غير أسبابها ، وترسيخ الاعتقاد ، بأن علينا أن نعمل وليس علينا أن ننظر في النتائج ، فكان من نتيجة هذا الاعتقاد تعطيل دور ( المحاسبة ) التي تعد العين الساهرة ، التي تميز بين الخطأ والصواب ، وترشد إلى طريقة التصحيح .
وأسارع إلى القول: بأن نظام السنن ، أو ارتباط العلة بالمعلول لا يعني أنه حتمية تسري على الخالق عز وجل ، بل يعني أن حكمته سبحانه اقتضت ارتباط هذه بتلك ارتباطًا ضروريًا ، لكي يتمكن الانسان من تسخير ما في الكون في شؤون حياته المختلفة ، لأنه من غير هذا الارتباط ، يتعذر عليه القيام بأمانة الاستخلاف في الأرض .
ومما لا جدال فيه أن الحتمية في السنن لا يمكن (لا عقلًا ولا تصورًا) أن تسري على الخالق العظيم ، لأنه سبحانه هو الذي خلق الكون ، وخلق كل شيء فيه ، وقدر العلاقات المختلفة بين عناصره ومفرداته .. أي أنه سبحانه هو الذي قدر السنن على هذه الصورة البديعة المتناسقة ، وخلق أسبابها ، وقدر نتائجها ، وجعل العلاقة بين السبب والنتيجة قائمة وفق نظام مطرد ، قابل للتكرار والإعادة كلما توافرت شروطه ..
ولقد أظهر الله عز وجل من خلال تاريخ البشرية الطويل ، ومما جاء في كتابه العزيز ، وعلى لسان نبيه الأمين محمد صلى الله عليه وسلم أن خرق السنن ، والخروج بها عن مألوفها ، لا يكون أبدًا إلا بمشيئة الله ، وأنه ليس في وسع أي مخلوق كان أن يتدخل في طبيعة هذه السنن ، فيغيرها ، أو يحرفها عن الطريقة التي قدرها الله عز وجل لها .
وحين ندرك -نحن المسلمين- إدراكًا عميقًا أن كل شيء في هذا الوجود خاضع لسنة لا تتبدل ولا تتحول ، ثم نحّول هذا الإدراك إلى نتاج عملي من خلال تعاملنا الواقعي مع سنن الله في الخلق .. فعندئذ نصبح - بعون الله - قادرين على تسخير الكون من حولنا ، وفق الطريقة القومية ، التي أمرنا بها رب العزة سبحانه .. وبهذا نأمل أن نخرج من أزمة تخلفنا ، التي عشنا عليها ردحًا طويلًا من الزمان ، والتي كانت في جانب كبير منها نتيجة طبيعية لغفلتنا عن العلاقة بين الجهد البشري ، وسنة الله في الخلق .. هذه الغفلة هي التي أوقعتنا في أغلال التواكل ، الذي شلنا عن الحركة الفاعلة المؤثرة في أحداث العالم!
وثمة ثمرة طيبة أخرى ، يمكن أن نجنيها من فهمنا الصحيح لعلاقة السنن بحياتنا ، ذلك أن إيماننا بأن كل أمر في هذا الوجود خاضع لسنة ، سوف يعيننا بإذن الله - على الخروج من متاهة الاختلاف والنزاع والتشتت ، لأن كشف السنة التي تحكم أمرًا من الأمور ، سيجعل النظرة إلى هذا الأمر نظرة واقعية ، وينقل التعامل معه من نطاق الفرضيات والنظريات القابلة للأخذ والرد والاختلاف ، إلى آفاق العلم الذي لا جدال فيه ولا اختلاف .
كما نأمل أن يسهم فهمنا الصحيح للسنن، وتحكيم هذا الفهم بالتعامل مع الواقع في تخليص الصحوة الإسلامية المعاصرة من الاجتهادات المزاجية، التي انتشرت في صفوف بعض الجماعات ، التي لم تضع حتى الآن مفهوم السنن في حسابها ، ولم توجه بعض جهدها وفق معطيات هذه السنن ، فنراها تخرج من مأزق ، لتدخل في مأزق جديد .. وتستمر على هذه الحال قانعة بكل ما يترتب على أفعالها من نتائج ، وهي تظن أنها تحسن صنعًا! وكثيرًا ما نسمع الآية الكريمة (قل إن الأمر كله لله ) (آل عمران:154) تتردد بعد كل محنة، لتبدأ من جديد أحداث محنة جديدة! بينما كان بالإمكان فعل شيء أفضل من هذا لو أننا بعد الإخفاق وقفنا وقفة تأمل وتدبر ومحاسبة ، لنحدد موقع الخلل ، ونعرف السنة التي على نهجها يجب أن تضبط حركتنا .. فعندئذ يمكن أن نصل لما نريد بإذن الله ، وأن نحقق حلم الحضارة الإسلامية الذي عشنا عليه زمنًا طويلًا .
من هنا كانت أهمية الحديث عن أزمتنا المعاصرة من زاوية علاقتها بالسنن التي فطر الله عليها أمور خلقه، علمًا بأن هذه الزاوية ليست إلا واحدة من زوايا عديدة جدًا يمكن من خلالها النظر إلى هذه الأزمة .. فمما لا ريب فيه أن أزمتنا أزمة معقدة متشابكة الفروع ، لا يستطيع أي باحث أن يدعي الإحاطة بملابساتها جميعًا.
غير أن هذه الحقيقة -على فداحتها- لا تعني عصيان الأزمة عن الحل .. فمهما اشتد الظلام، وتلبدت الغيوم، سيبقى ثمة قمر منير .. وسيبقى ثمة أمل بالفرج.
( سنة الله في الخلق ) دواعي اهتمامنا بسنة الله في الخلق
.. تنبع أهمية بحثنا في السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه من حقيقة أولية ، وهي أن كشف السنن ومعرفة شروطها وخصائصها ، يجعل الأمور ، التي تخضع لهذه السنن في نطاق التسخير لنا نحن البشر .. أي إن معرفتنا بالسنن تجعلنا أقدر على تسخير الكون بما فيه من حولنا ، والاستفادة من ذلك في تصريف شؤون حياتنا ، فضلًا عن تحديد مسار سلوكنا وفق ضوابط تحدد المعالم والأهداف والسبل الموصلة إليها.