الموازنة والوسطية بين العقل والوحي وبين المادة والروح وبين الحقوق والواجبات وبين الفردية والجماعية وبين النص والاجتهاد، وبين المثالية والواقعية وبين الاستلهام من الماضي والتطلع إلى المستقبل..
8-التكامل: الحضارة الإسلامية حضارة متكاملة فيما بين بعضها البعض، الجانب الثقافي تخدم الجانب الفكري والعلمي والتوجيهات الدينية والتربوية، تخدم الجوانب الأخلاقية والسلوكية، وكلها تصب في خدمة الغاية الأخيرة وهي الانسانية..
ومثل ذلك أن الحضارة الإسلامية لا تدعي أنها أنشأت كل شيء من عدم، بل بدأت رحلة الحضارة الإسلامية مكملة للحضارات الأخرى، مصممة للمسيرة التي بداخلها بعض التحريف أو الانحراف..
ومقتضى هذا التكامل الذي اتصفت به الحضارة الإسلامية، أنها لا تجد مانعا شرعيا يمنعها من اقتباس الحكمة، والتماس العلم النافع، والعمل الصالح من غيرها، ولو كان خصومها، كما في الحديث الشريف ما رواه الترمذي وابن ماجة"الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق الناس بها" (19) .
المقصد الثاني: تراجع وتدهور الحضارة الإسلامية
هناك أسباب عديدة مباشرة وغير مباشرة أثرت في تراجع أو تدهور الحضارة الإسلامية، وهذا مما أدى إلى فقدان قيادتها للبشرية مع أنه يخوض مدافعته مع الحضارة الغربية وأهم هذه الاسباب:
1-انحسار الهوى وتضاؤل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2-غياب مفهوم العقيدة الصحيح في التوحيد وتسلل الشرك والخرافيات إلى عقيدة المسلمين.
3-الاستبداد السياسي من قبل حكام المسلمين وامرائم.
4-الفصام بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية.
5-طغيان السلطة القبلية والعرقية والاقليمية على مفهوم الأمة الإسلامية.
6-طغت على حياة المسلمين عامة والأمراء خاصة حياة الترف والتكاثر.
7-التحلل الخلقي وتراجع الأداء السلوكي للمسلمين.
8-وجود فساد اداري واضح وعدم الظبط.
9-التعقب الديني والتمزق المذهبي.
10-الغلو والتشدد في الدين عند البعض والبساطة والتواكل عند الآخرين.
11-انتشار أفكار الصوفية المنحرفة وشطحاتهم وخلق البدع والخرافات.
12-غياب الاجتهاد والابتكارات وسيادة التقليد والاتباع والمكاة.
13-غياب العلم والتعليم وانتشار الجهل والكسل.
14-وهناك عوامل خارجية ومؤامرات يهودية وحملات صليبية وحركات لادينية في بلاد المسلمين (20) .
الرياضيات الإسلامية والفلك بين الاهتمام العالمي والإهمال العربي
د. محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي سوري في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
جامعة لندن SOAS
لعل أغرب ما في العرب المعاصرين هو كثرة الكلام الشفوي، وتجنب التطبيق العملي، ومنذ قرون والعرب مستقيلون تماما، ومتكلون على الله الذي يرزقهم دون أن يبذلوا جهدًا مثمرا، ولعل بؤساء الأمة هم العلماء والمثقفون والباحثون عن الحقائق، والغريبُ، الغريب !! هو إهمال العرب لتراثهم، وجهلهم به، واهتمام الآخرين بهذا التراث.
وسبب تناولي لهذا الأمر هو اطلاعي منذ ربع قرن على مسيرة تاريخ العلوم، وعندما أُدقِّقُ ببحث باحثٍ عن العلوم باللغة العربية أجده قد تُرجم من لغةٍ ما من اللغات الأجنبية، ولم يتورع المترجم عن نسبة البحث لنفسه مُتكلًا على جهل أبناء الأمة باللغات الأجنبية، وكسلهم عن البحث المقارن، وفي بعض الأحيان أجد الباحث قد اعتمد مصادر ومراجع من لغة يجهلها جهلًا تاماًّ، وجلّ اعتماده على فهارس الذين بحثوا في تلك اللغة التي يجهلها، ولكنه ينسب لنفسه جهود الآخرين.
والإهمال العربي العتيد واسع يشمل بلداننا من الخليج إلى المحيط إذ أن لدينا اتحادات كتاب، واتحادات صحفيين، وزارات ثقافة، ودوائر ودور ثقافة ومراكز ثقافية، ووزارات إعلام، وتربية وتعليم عالي وواطي، ومراكز بحوث علمية حكومية وخاصة، وهنالك مؤسسات داخل البلاد العربية وخارجها، ولها مجالس خبراء، ومافيات وميليشيات شعارها الدائم: نفعني لأنفعك، وذلك جريًا على قول المثل الشعبي:"حُكَّ لي لأحكَّ لك"والناظر في ميزانيات هذه المؤسسات والوزارات يجدها بمئات الملايين من الدولارات، وعندما يتصفح عناوين الكتب المنشورة الصادرة عنها يصاب بالغثيان والقرف لضحالتها، وقلة فائدتها، وعدم توفر أبسط شروط البحث العلمي فيها.
ولا أبالغ إذا قلت: إن مركزا أجنبيا واحدا يتفوق على كل المؤسسات والوزارات والجامعات العربية متحدة، ومثال على ما أقول معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، في إطار جامعة فرانكفورت في جمهورية ألمانيا الإتحادية الذي يشرف عليه البروفسور التركي الأصل فؤاد سزكين الذي أصدر أكثر من ألف مجلد تخصُّ العلوم العربية والإسلامية.
مشكلة منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، في إطار جامعة فرانكفورت، أنها محدوة الطبعات حيث يطبع من الكتاب عددا قليلًا جدًا أقله خمسون نسخة، ومتوسطها مائة نسخة، وأكثرها خمسمائة، وبذلك تبقى هذه المطبوعات متداولة بين خاصة الخاصة، وأسعارها مرتفعة تعجز عن دفعها معظم الجامعات العربية، وبذلك لا يتمكن من شرائها إلا الذين لا يقرؤون، ورغم هذه المشكلات، فإن هذا المعهد قد أتاح لبعض المؤسسات الثرية مالياًّ، والفقيرة ثقافياًّ اقتناء هذه المجموعات الكثيرة من الكتب الخاصة بالعلوم العربية والإسلامية بعدد كبير من اللغات الإنسانية الحية من عربية وفارسية وعثمانية تركية، وفرنسية وإنكليزية وألمانية وإيطالية ولاتينية وإسبانية.
من خلال متابعتي لما يصدره معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، في إطار جامعة فرانكفورت من كتب لاحظت توزع أكثرية الكتب على ثلاثة محاور:
فكان أقدمها وأولها: طبع المخطوطات العلمية بالتصوير طبق الأصل عن المخطوط الأصلي مع مقدمة وفهارس مقتضبة، ومراعاة النواحي الفنية بحيث يشبه الكتابُ المطبوعُ المخطوطةَ الأمّ من حيث الورق، وتجليد الكتب تجليدا تقليدياًّ، ونشرت تلك السلسة تحت عنوان: عيون التراث.
وجاء المحور الثاني على شكل تجميع لدراسات خاصة بعالم من العلماء الأعلام الذين اهتموا بالعلوم العربية والإسلامية، فتم تجميع مقالاتهم وبحوثهم في مجلد خاص، أو عدة مجلدات.
وجاء المحور الثالث على شكل سلاسل عديدة تختص كل سلسلة منها بعلم من العلوم، وتنشر ما كتب فيه من مقالات وبحوث، وما نُشر من كتبه، وقد تجاوزت كتب بعض هذه السلاسل المائة مجلد، وقد اكتمل بعضها، والبعض الآخر ما زال مستمرًا، وتجاوز مجموعها الألف مجلد.
سوف استعرض في هذه العُجالة الموجزة بعضا مما نشر في موضوع الرياضيات والفلك، وسبب ذلك بعدما لاحظت أن هنالك عددًا من الدكاترة يسرقون منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، في إطار جامعة فرانكفورت، ويدعون أنهم يؤلفون، والغريب أنهم يترجمون من لغات يجهلونها، ويعتمدون على مترجمين مجهولين يبيعون بضاعتهم لمن يدفع لهم قوت يومهم، ثم تتصدر أسماء أصحاب المال مؤلفات ضخمة في الرياضيات وغيرها من العلوم لأشباه الكُتاب المتخلفين، وأنصاف المثقفين الذين مات ضميرهم، وقتلتهم الدعايات الفارغة، وثناء الجهلة على أعمالهم المسروقة.