فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 1942

لا شك أن هناك أسبابا كثيرة لهذا"الانحسار"الذي يعانيه الإِسلام في نفوس المسلمين .

فلم يكن كذلك المجتمع المسلم حين كان يمارس حقيقة الإسلام .

بل لم يكن كذلك المجتمع المسلم إلى عهد قريب - مع كل ما أصابه من فساد خلال القرون - إلى ما قبل الحملة الفرنسية على وجه التحديد .

لقد بدأت الفُرقة بين مثل الدين والسلوك الواقعي مبكرة في تاريخ الإِسلام .. من عهد الأمويين مثلا .. ولكنها كانت فرقة لا تخل بقواعد المجتمع المسلم في مجموعه . كانت الحكومة في العاصمة هي التي تفسد - فسادًا جزئيا - في سياسة الحكم والمال . ولكن المجتمع في غير العاصمة ظل إلى حد كبير يمارس أصول الإِسلام وقواعده ، وتحكم حياته المفاهيم الإسلامية في الكليات والجزئيات . والأهم من ذلك كله أن نظام المجتمع كان يقوم على الإسلام ابتداء ، ويستمد قوانينه كلها من شريعة الإسلام ولا يستمدها من أي مصدر سواه .

ثم اتسعت هذه الفرقة حين حكم الأتراك ...

ومع ذلك فقد ظل كثير من أمور المجتمع ومفاهيمه إسلامية خالصة ، وكذلك سلوكه العملي وأخلاقه ومعاملاته وتصوراته وأفكاره .

حتى كان الغزو الصليبي الأخير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . وامتداده في القرن العشرين .

وعند ذلك حدث اختلاف كبير في المجتمع المسلم .. واختلال كبير ..

وهذا الكتيب الصغير محاولة - سريعة - لتتبع هذا الخط الذي أدى إلى انحسار المفهوم الإسلامي الضخم الشامل ، لكي يصبح جزئيات مبعثرة لا رابط لها ولا دلالة فيها .. ولكي يصبح مجرد عبادات - مخلصة أو غير مخلصة - يحسب أصحابها أنها الإِسلام كله ، وأنهم ملاقو ربهم بها وقد رضي عنهم ورضوا عنه .. حتى وهو يقول لهم في كتابه العزيز إن ذلك ليس هو الإِسلام كما أراده الله !

فإذا عرفنا كيف نبع هذا الانحراف وامتد .. فلعلنا أن نصحو إلى ما فيه من كيد .. ولعلنا أن نفيء إلى الله وإلى أنفسنا ..

ونعود مسلمين ..

والله الموفق إلى ما يريد .

محمد قطب

كيف فهم المسلمون الأوائل معنى الإِسلام ؟

وكيف ينبغي لنا نحن أن نفهم معناه ؟

لا شك أن المسلمين الأوائل لم يفهموا من الإِسلام ما نريد نحن أن نفهمه في عصرنا الحاضر: أنه مجموعة من العبادات يؤديها الإنسان بمعزل عن السلوك العملي ، وأن الإنسان يستطيع أن يتجه إلى الله - مخلصا - في أثناء العبادة ، ثم يتجه لغير الله في أي أمر من أمور الحياة .

إنما الإِسلام - كما فهمه الرسول صلى الله عليه وسلم وكما فهمه عنه أصحابه وأتباعه - هو إسلام النفس كلها لله . هو أن يكون كيان الإِنسان كله متوجها إلى الله . هو أن تكون أفكار الإِنسان ومشاعره وسلوكه العملي كلها محكومة بالدستور الذي أقره الله .

لم يفهم المسلمون من شهادة: أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، أنها كلمة تقال باللسان دون أن يكون لها مدلول مستقر في أعماق النفس وفي واقع الحياة .

وإنما فهموا من شهادة: أن لا إله إلا الله ، أن الله هو المالك الوحيد لهذا الكون ، والمدبر الوحيد لكل ما يقع فيه من أحداث . وأنه هو وحده الذي ينبغي أن يعبد ، وأن تتوجه إليه القلوب بالخشية والتقوى . وأنه هو وحده واهب الحياة ومقدر الموت ، وهو وحده الرزاق ذو القوة المتين . وأن التوجه إلى غيره بالعبادة أو الخشية ، والظن بأن أحدًا غيره أو أية قوة من قوى السماوات والأرض تملك للناس نفعًا أو ضرًا هو لون من الشرك يستعيذون منه بالله .

وفهموا فوق ذلك من معنى لا إله إلا الله أنه وحده الذي يملك ويحكم . هو الذي يشرّع للبشر ويضع لهم قوانين حياتهم ودستور معيشتهم ، وليس أحد غيره أو أية قوة من قوى السماوات والأرض . وأن هذا الأمر قديم قدم البشرية كلها ، فقد نزل مع آدم منذ هبط آدم إلى الأرض: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (1) فهو أمر ملازم للبشرية في تاريخها كله: أن يلتزموا هدى الله ويتصرفوا بمقتضاه .. وإلا فما هم بمسلمين .

كما فهموا من شهادة أن محمدا رسول الله ، أنه - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول المعتمد لتبليغ هذه الرسالة: هذا الهدي الذي يلتزم البشر بطاعته واتباعه ، وأنه هو المبلّغ عن ربه الذي تنبغي طاعته مع طاعة الله: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (2) ، ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (3) .

وأنه - صلى الله عليه وسلم - هو التطبيق العملي الحي لرسالة السماء ، فهو القدوة في كل عمل وكل تصرف ، وهو قائد الجماعة المسلمة ومربيها ، وأستاذها ومعلمها ، والنور الذي تستضيء به في الظلمات .

ذلك كان المفهوم العام - أو الإجمالي - لشهادة ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . المفهوم الذي كان الإِنسان يعتبر مسلما بمجرد أن يستقر في خلده ، لأنه في حقيقته يمثل حقيقة الإسلام ، الكفيلة - وحدها - بمجرد استقرارها في ضمير إنسان أن تحول حياته ، وتوجهه إلى الطريق السويّ .. الطريق إلى الله .

وقد تفرعت عن هذا المفهوم الإِجمالي - أو انبسطت معه بتوجيهات القرآن المفصلة وسلوك الرسول العملي - عدة مفاهيم أخرى ، كانت عميقة الغور في نفوس المسلمين الأوائل ، تنعكس في مشاعرهم وأفكارهم وتصرفاتهم ، وإن لم"يفلسفوها"كما نفلسفها نحن ، ويكتبوا فيها الكتب والمجلدات !

فهم المسلمون - بداهة - أن النية وحدها المضمرة في القلب لا يمكن أن تكون إسلاما ! وأنه ما لم تتحقق هذه النية في أعمال محسوسة وسلوك واقعي ، فهي لا تساوي شيئًا في ميزان الواقع وميزان الله . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي . ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل" (4) .

ونحن - بعد أن تفلسفنا وتوسعنا في المعرفة السيكلوجية خاصة - ندرك صدق هذه البديهية وعمق دلالتها في حياة الإِنسان .

إن الإِنسان كثيرا ما يخيل إليه أنه مقتنع بفكرة ما تمام الاقتناع ، وأنه ممتلئ بها إلى حد التشبع ، وأنه ليس في حاجة إلى أن يحدث نفسه فيها أو يحدثه أحد غيره ، فهي مقررة في أعماق نفسه ، مستقرة فيها ، لا شك في أمرها ولا جدال .

ثم يكون هذا كله خداعا لا رصيد له من الواقع .. أو هو رصيد ضئيل لا يكفي لتحريك عجلة الحياة .

إنك وأنت جالس تحلم يخيل إليك أنك بدفعة صغيرة قد تستطيع أن تحرك الكون !! ثم تحاول تحريك منضدة من مكانها فإذا هي تثقل عليك ، وإذا أنت محتاج - لكي تزحزحها من مكانها - أن تزيد من قوتك الدافعة ، أو أن تنمي الرصيد الواقعي للرغبة الكامنة في نفسك ، حتى تتعادل مع المقاومة أولا ، ثم تأخذ في الزيادة بعد ذلك . وبقدر ما تزيد ، تكون الحركة المحسوسة في عالم الواقع ؛ وتكون الحركة هي المقياس الحقيقي للرصيد .

وليست هذه حقيقة خاصة بعالم الإِنسان وحده ، ولكنها حقيقة من حقائق الكون الأكبر ، وجزء من ناموس الوجود .

وقد أدرك كل مخترع لآلة متحركة ، أن القوة الكامنة وحدها لا تكفي . وأنها ينبغي أولا أن تتحول من قوة كامنة إلى قوة ظاهرة - أي تتحول من النية إلى العمل - ثم تكون بالقدر الذي يكفي لا لمعادلة المقاومة فحسب ، بل للزيادة عليها ، حتى تنتج الحركة الحقيقية المطلوبة في واقع الحياة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت