فهرس الكتاب

الصفحة 1716 من 1942

ونعود هنا فنؤكد أن سنة التغيير الاجتماعي ، مثلها مثل أية سنة أخرى من السنن ، التي فطر الله عليها أمور الخلق .. لا تتم إلا أن تتوافر لها الشروط اللازمة ، وتنتفي الموانع التي تحول دون تحقيقها .. مع العلم بأن الموانع التي يمكن أن تقف حجر عثرة ، وتعيق إنفاذ سنة التغيير كثيرة جدًا ، وهي تتفاوت في تأثيرها على مسار العملية ، إلا أن النقطة الحاسمة في الأمر هي توفير الشروط اللازمة للتغيير ، فمتى توفرت هذه الشروط ، وتوفر إلى جانبها الإخلاص ، والجهد المكافئ الواعي ، فإن التغلب على الموانع يغدو ممكنًا بإذن الله.

واقعنا المعاصر .. معالم في طريق الحل

إن موضوع البحث في ( سنن الله في الخلق ) لم يلق حتى الآن الاهتمام اللائق به من قبل المفكرين الإسلاميين المعاصرين ، وبخاصة منهم الذين ينتمون إلى الجماعات الإسلامية ، التي تصدت لقيادة العمل الإسلامي ، ووضعت نصب أعينها القيام بتغيير اجتماعي ونفسي متميز في المجتمعات الإسلامية ، يهدف إلى نقل هذه المجتمعات من حال الضعف والجهل والتخلف والبعد عن منهج الله ، إلى حال القوة والسيادة والالتزام بشريعة الله.

ولقد أدى إغفال دور السنن في الجهد البشري ، إلى جعل التكوين الفكري لهذه الجماعات أقرب إلى المثالية النظرية ، منه إلى الواقعية العملية ، وجعل غالبية الجماعات ( إن لم نقل كلها ) تدور في حلقات مفرغة ، لا تدري كيف تخرج منها ، فهي - من جهة - تحس بالأزمة التي تعيشها ، ولكنها -من جهة أخرى- لم تتقن بعد كيفية التعامل مع هذه الأزمة ، للخروج منها بحل واقعي معقول ! وربما ساهم في تعقيد الأزمة ، وترسيخ هذا الوضع الغريب، أن معظم المناهج الفكرية التي سارت عليها الجماعات الإسلامية المعاصرة ، عمدت إلى تناول القضايا بعقلية ذرائعية ، تميل إلى منطق التبرير والاستسهال .. فما أسهل أن نتذرع بأسباب مختلفة لننفي عن أنفسنا مسؤولية ما وقعنا فيه من أخطاء .. وما أيسر أن نرد النتائج المخيبة للأمل إلى قضاء الله وقدره .. وكأن مثل هذا الرد يعفينا من المسؤولية أمام الله عز وجل!

وأما بذل الجهد في البحث الدؤوب عن جذور الأزمة ، ومعرفة أسبابها ، وتحليل ملابساتها تحليلًا علميًا دقيقًا ، فليس هذا كله من شأننا !؟

ولعلنا - بما قدمناه في الفصول السابقة حول مفهوم (السنة ، والمفاهيم الأخرى، التي عرضناها على ضوء هذا المفهوم ، نكون قد اقتربنا خطوة من نقطة البداية في تناول هذه الأزمة .. ولا بأس أن نعود في هذه الخاتمة ، فنلخص أبرز النتائج التي خرجنا بها من البحث ، والتي يمكن أن نعدها بمثابة معالم ، تعيننا على فهم طبيعة الأزمة ، وترشدنا في الوقت نفسه إلى الطريقة العملية لتجاوز العقبات ، التي تحول دون حل هذه الأزمة .. ونجمل هذه المعالم فيما يلي:

1 -إن لهذا الكون ربًا ، خلق كل ما في هذا الكون من خلائق ، وأخضعها جميعها لسنن (قوانين) تحكم كل صغيرة وكبيرة منها .

2 -وتتصف هذه السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، بمجموعة من الصفات ، التي تعطيها صبغة القانون الرياضي الصارم ، فهي -من جهة- ثابتة لا تتبدل ولا تتحول وهي من جهة ثانية - مطردة ، تتكرر على الوتيرة ذاتها كلما توافرت شروطها وانتفت الموانع ، التي تحول دون بلوغها غايتها ، وهي - من جهة ثالثة - أحادية لا تقبل التعدد ، أي أن لكل أمر في هذا الوجود سنة مخصوصة ، لا يتم إلا من خلالها ولا يمكن الوصول إليه بغيرها من السنن .

3 -وسنن الله في الخلق تسري على كل شيء في هذا الوجود من غير تمييز ، سواء أكان هذا الشيء ماديًا أم معنويًا ، ونحن البشر خاضعون كغيرنا من خلائق هذا الوجود لسنن الله هذه ، شئنا ذلك أم أبينا ، وهذه الحقيقة تحتم علينا مسايرة هذه السنن ، لكي نتمكن من تسخيرها فيما ينفعنا ، وإلا فإن مخالفة السنن أو معاندتها لا يأتي بخير أبدًا ، بل فيه الخسارة الأكيدة دون ريب .

4 -وإن أي عمل نقوم به يعتمد على سنة أو أكثر من السنن ، التي فطر الله عليها أمور خلقه ، يقتضي ضرورة معرفة تلك السنة ( أو السنن ) قبل الشروع في العمل ، فإذا ما عرفنا السنة ، وجب علينا أن نهيئ الشروط اللازمة لها ، إن كنا حقًا نريد إنجاز العمل المطلوب .

5 -فإذا ما فشلنا في إنجاز العمل المطلوب فإن هذا الفشل يعني وقوع خلل ما في الخطة ، ويمكن أن نحصر مواضع الخلل هذا في ثلاثة مواضع رئيسة:

أ - عدم سلوك الطريق الصحيح نحو الهدف ، أو عدم إصابة السنة التي توافق العمل ، الذي نريد إنجازه .

ب - وجود عوامل داخلية تؤدي إلى الإخلال بشرط أو أكثر من الشروط اللازمة لتحقيق السنة التي تتحكم بالعمل.

ج - وجود عوامل خارجية تحول دون تحقيق السنة وبلوغها غايتها . ففي كل مرة نعجز عن إنجاز العمل، أو الوصول إلى الهدف ، يجب أن نكون على يقين من أن هناك خللًا قد حصل فعلًا ، مما يحتم علينا العودة للبحث من جديد عن مصدر هذا الخلل ، ومراجعة ما سبق إنجازه من مراحل .. حتى نستطيع تصحيح المسار ، وتدارك الأزمة قبل أن تستفحل .. فإن فعلنا هذا وصلنا بإذن الله إلى ما نريد ، وإلا فإن الفشل سيكون من نصيبنا ثانية .. وثالثة .. ورابعة ..

ونود أن نذكر هنا بحقيقة هامة قلما تنال حقها من الاهتمام من قبل الباحثين ، الذين يتناولون مشكلة التخلف في ديار المسلمين عامة ، ومشكلة العمل الإسلامي بصورة خاصة ، فإن اهتمام هؤلاء ينصرف في معظمه نحو ( العوامل الخارجية ) بينما لا يحظى العاملان الآخران بالعناية الكافية ، مما يجعل البحوث التي تتناول المشكلة تدور خارج إطارها الحقيقي ، وليس في صميمها .. ويمكن أن نشبه هذا التناول القاصر للمشكلة بسلوك الطبيب الذي يعالج مظاهر الحمى والصداع ، ويغفل عن علاج الجرثومة التي تعيث في جسد المريض فسادًا !!

ولا نحسب أن اثنين يختلفان حول الحقيقة الجوهرية التالية ، وهي أن البحث في أية مشكلة يتطلب ابتداء تحديد طبيعتها ، قبل الشروع في وضع الحلول لها ..

وما دمنا قد علمنا بأن أي عمل يقوم به الإنسان إنما يخضع لسنن مخصوصة، فإن دراسة أية مشكلة، يستلزم معرفة السنن، التي تتعلق بها .. ونضرب لهذا مثلًا قريبًا .. فالأمراض السارية التي ظلت قرونًا طويلة تفتك بالبشر ، استطاع العلماء أخيرًا أن يعرفوا السنة ، التي تخضع لها ، ومؤدى هذه السنة أن هذه الأمراض تحصل عندما تنتقل جرثومة المرض من مصدر خارجي إلى جسم إنسان لديه القابلية للعدوى والمرض .. وعندما عرف الأطباء هذه السنة ، أصبحوا قادرين - بمشيئة الله - على معالجة هذه الأمراض الفتاكة ، بينما كان الناس - قبل اكتشاف السنة التي تخضع لها هذه الأمراض - يتخبطون في معالجتها ، فكانوا يلجأون للسحر والشعوذة تارة ، وكانوا يلجأون لأساليب أخرى تارة أخرى ، كأن يضربوا المريض ضربًا مبرحًا ، أو يغطسوه في الماء المغلي ، لأنهم - بسبب جهلهم بسنة المرض - كانوا ينسبونه إلى الأرواح الشريرة ، ويظنون الضرب أو الماء المغلي ، يمكن أن يطرد تلك الأرواح !

وقد نعذر القدماء في تخبطهم بالمعالجة على تلك الشاكلة، لأنهم لم يكونوا يعلمون شيئًا من أسرار المرض، ولكن .. هل لنا - نحن أبناء القرن العشرين - من عذر إن نحن سلكنا اليوم مسلك القدماء نفسه في معالجة المرض ، بعد أن عرفنا سر الجراثيم ، وتأثير المضادات الحيوية فيها؟

بالطبع .. لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت