وأما الرجل الصالح ، فلم يؤمن معه من أصحاب القرية أحد ، لأن الزمن - على ما يظهر من السياق - لم يتح له أن يكسب أحدًا إلى صف الدعوة ، فانتهت دعوته من ثم بانتهاء حياته هو .. ومن هنا يمكن أن نلاحظ تأثير العامل الزمني على نتائج التغيير ، فقد انتهت دعوة هذا الرجل الصالح باستشهاده وهلاك القرية من بعده، وطوى الزمان صفحة الداعية والقوم إلى غير رجعة!
وأما دعوة نوح عليه السلام فقد انتهت نهاية مختلفة تمامًا ، إذ تم بها استئصال شأفة الكفر من على وجه الأرض ، وأورث الله الأرض للمؤمنين ..
وتوحي هذه المقارنة بين القصتين كما حكاهما القرآن الكريم ، بأن التغيير النوعي في المجتمع يتطلب فترة زمنية كافية حتى يكتمل ، ويؤتي ثماره ناضجة سائغة .. وأما محاولة حرق المراحل ، واستعجال التغيير ، قبل استكمال شروطه وأركانه ، فإنه غالبًا ما يجهض المحاولة من أساسها ، وينسف الشروط الأولية التي بدأت منها ، وقد يحول دون توفر هذه الشروط مرة أخرى ..
ولا غرو في هذا ، فإن التغيير الاجتماعي يرتبط أساسًا بتغيير ما بالأنفس ، وفق السنة الربانية التي عنوانها (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد: 11) ، ومن المعلوم أن النفس البشرية ذات تركيب معقد ، ومن ثم يتطلب تغيير ما فيها شروطًا كثيرة ، كما أن هناك عوامل عديدة يمكن أن تؤثر في النفس ، وتحول دون التغيير ، ومن ذلك مثلًا: تأثير الأهواء الشخصية ، والنزاعات العصبية ، والصراعات الفكرية .. وغيرها !
تنبيه:
غير أن مطالبتنا بمراعاة الزمن من أجل التغيير ، وتحذيرنا من خطورة حرق المراحل واستعجال الثمرات ، لا يعني أن نهمل العامل الزمني ، ولا أن نعلل أنفسنا بأن زمن التغيير لم يحن بعد ، فنقعد غير آبهين بالساعات والأيام والسنوات التي تمر .. فإن الزمن قد يفعل في عملية التغيير فعلًا مغايرًا لما نريد ، فهو سلاح ذو حدين كما يقولون ، لأنه - من جهة - لازم لإنضاج عملية التغيير ، وبلوغها الغاية المرجوة ، ولكنه - من جهة أخرى - قد يسيء إلى هذه العملية ، إذا لم نستفد منه ، ونصرفه بطريقة حكيمة ، لا إفراط فيها ولا تفريط .. ونعود من جديد إلى رحاب القرآن .
دعوة سيدنا عيسى عليه السلام:
.. فقد قام عيسى عليه السلام بدعوة قومه للتوحيد قائلًا: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) (آل عمران: 51) .. واستمر يدعوهم ، ويرغبهم بالاستجابة لدعوة التوحيد ، لكنهم لم يستجيبوا ، ولم يؤمن منهم إلا نفر قليل ! ثم شاء الله عز وجل ، أن يرفع رسوله إليه ، فرفعه ، وظلت الدعوة محصورة في مجموعة قليلة من المؤمنين ، الذين سماهم القرآن الكريم ( الحواريين ) .
وعندما حاول الحواريون نشر دعوتهم بين الناس ، واجهوا صدًا عنيفًا من الحكام ، الذين كانوا وقتذاك على دين الشرك ، فآثر المؤمنون كتمان إيمانهم في صدورهم ، وتركوا دعوتهم للزمن على أمل أن يحسم هو الموقف .. واستمرت الدعوة على هذه الحال ، تنتقل من جيل إلى جيل متخفية ، صامته ، حتى فعل الزمان بها ما لم يكن في الحسبان ، إذ انحرفت الدعوة عن خط التوحيد ، وخالطتها الوثنية ، ومن هنا نلاحظ ضرورة توفر شرط إضافي إلى شرط الزمان ، حتى يمكن إنضاج عملية التغيير إنضاجًا صحيحا من جهة ، وحتى يمكن تجنب التأثير السلبي لتطاول الزمن من جهة أخرى ، وهذا الشرط هو التفاعل البناء ما بين عامل الزمن ، والعامل البشري ، الذي سبق الحديث عنه ، بمعنى أن تبقى دعوة التغيير متفاعلة في المجتمع من خلال العصبة المؤمنة ، بحيث تعمل هذه العصبة على إبقاء الدعوة حية نابضة في صميم المجتمع ، ولمثل هذا الهدف جاء التوجيه الرباني الحكيم (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) (آل عمران: 104) .. فإن وجود هذه العصبة المؤمنة ضروري لضبط برنامج التغيير ، لكي تعطي كل مرحلة من مراحل العمل حقها من الوقت ، دون تفريط يضيع الوقت ، ويميع القضية ، ويحرفها عن مسارها الصحيح ، ودون إفراط باختصار الوقت وحرق المراحل واستعجال الثمرات ، لأن هذا قد يجهض العملية إجهاضًا مبرمًا .. وإن عمل هذه العصبة من هذه الوجهة ، يشبه عمل المهندس الحاذق ، الذي كلما أنجز مرحلة من مراحل البناء ، قام بفحصها وتقويمها ، لكي يستيقن أنها قامت وفق المخطط المرسوم ، وأنها أنجزت حسب المواصفات والمعايير الفنية المعتبرة ، وأنها تتماشى مع البرنامج الزمني المحدد للمشروع !
الدعوة الأنموذج
وتعد دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أنموذجًا متفردًا من حيث استفادتها من عامل الزمن ، كما هي متفردة من الجوانب المختلفة الأخرى .. فقد استطاعت هذه الدعوة أن تحقق خلال عمرها القصير ، الذي لم يتعد عقدين ونيفًا من السنوات ، مأثرة في التغيير مازالت آثارها باقية حتى يومنا هذا ، وسوف تبقى كذلك إلى آخر الزمان .. فقد غيرت هذه الدعوة القبائل العربية ، التي كانت تعيش على الغزو والسلب والنهب ، فجعلت منهم أمة واحدة ، يسود بين أفرادها المودة والرحمة والتعاطف والتكامل ، بحيث أصبح المجتمع الإسلامي جسدًا واحدًا ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا .. وهكذا نقلت هذه الدعوة العرب من المرحلة القبلية ، إلى مرحلة الأمة ، في سنوات قليلة لا تعد شيئًا في عمر الزمان ، وإن هذه النقلة - لعمري - نقلة متميزة ، لم تستطع أية دعوة أخرى في تاريخ البشرية أن تحققها خلال تلك المدة الزمنية القياسية .
فكيف - ياترى - استطاعت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم أن تحقق هذه المأثرة؟
لا ريب في أنه توافر لهذه الدعوة عوامل عديدة بفضل الله ، ساعدتها على اختصار عامل الزمن ، وتعجيل الوصول إلى الأهداف المنشودة ، ويأتي في مقدمة تلك العوامل عاملان ، هما:
أ - تأزيم الصراع الفكري ( أو العقيدي ) بين الجماعة المسلمة ، وبين المشركين في مكة ، وقد تم ذلك على طريقة الرجل الصالح ، الذي عرضنا قصته كما جاءت في سورة يس ، أي بالجهر بالدعوة ، ومقارعة الحجة بالحجة ، مع الحرص على تجنب إقحام الصراعات القبلية في هذه القضية ، وتجنب الدخول في صراع مسلح ، وبخاصة أن الجماعة المؤمنة لم تكن قد ملكت بعد عدة هذا الصراع .. وقد انتهت هذه المرحلة إلى تميز الجماعة المؤمنة ، ووضوح الأصول العقيدية التي تدعو إليها ، وختمت هذه المرحلة بالهجرة إلى يثرب.
ب - وأما العامل الآخر الذي ساهم في اختزال الفترة الزمنية اللازمة للتغيير ، فهو نزول أمر الله عز وجل بقتال المشركين ، ومواجهتهم مواجهة عسكرية مسلحة ، وقد تم ذلك بعد أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، وأقام فيها دولة الإسلام ، وأصبح له هناك منعة ، ودار وأنصار .. ويلاحظ عندما حدث الصدام المسلح بين معسكر الإيمان ، ومعسكر الكفر ، أن الصراع بينهما أخذ يزداد حدة ، مما عجل في وضع النهاية المحتومة لمعسكر الكفر ، الذي استسلم سريعًا للدعوة الجديدة ، وهذا ما حصل بفتح مكة المكرمة ، حين بدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا ، واستقر الأمر في الجزيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. وذلك كله في سنوات قليلة ، ولكنها سنوات حافلة بالتخطيط والإعداد ، والجهاد والتضحية !
وبهذا نكون قد عرضنا - بشيء من التفصيل - الشروط التي تقوم عليها سنة التغيير الاجتماعي ، وهي:
الفكرة ( العقيدة ) + الإنسان + الزمن