فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 1942

7 -فإذا كانت القوى المعادية تملك المال، والقوة، وشبكات التجسس، واخطبوط الإعلام، فإن على الطلائع الرسالية أن تمتلك الجماهير وتحظى بثقتها، فإن امتلاك القلوب هو العنصر الحاسم في حركة النهضة والتغيير .

-عز وجل - اذا انتزعنا التقوى من مجتمعٍ ما، فلن يكون هذا المجتمع إسلاميًا ورساليًا .

-عز وجل - التقوى هي الأرضية الصلبة التي يبني عليها الاسلام الكيان الإجتماعي .

-عز وجل - المجتمع الذي لا وجود للتقوى فيه، ليس مجتمعًا حيًا .

هناك كثير من الأنظمة التي يحافظ بها الإسلام على إستقامة المجتمع وصلاحه، والتي من شأنها أيضًا إيجاد الديناميكية والحيوية داخل المجتمع المسلم، وحفر القنوات التي تجري عبرها طاقاته وفاعلياته في الإتجاه الصحيح.

والحديث عن هذه الأنظمة والقنوات ليس حديثًا مقتضبا لكثرتها وتشعبها، ولحاجتنا أن نضرب لها الأمثلة ونبين حكمتها وفلسفتها، إلا أن كل تلك الأنظمة والقنوات تعود بالتالي إلى نقطة محورية واحدة هي التقوى.. تلك الأرضية الثابتة التي يبني عليها الإسلام الكيان الاجتماعي.

فالتقوى هي القاسم المشترك لكل التوجيهات والتعاليم الرسالية، واذا انتزعنا التقوى من مجتمع ما فلن يكون هذا المجتمع إسلاميا ورساليا. حتى لو طبّق القوانين الإسلامية، لأن التطبيق الخالي من الروح (التقوى) هو تطبيق أجوف.

إن أكبر حاسوب في العالم والذي يقوم بمئات الألوف من العمليات الرياضية المعقدة خلال لحظات، لا يمكن أن يوصف بأن له عقلًا لأن يفتقد الحياة. كذلك المجتمع الذي لا"تقوى"فيه، مهما بنى من حضارة ماديّة فهو ليس مجتمعا حيًّا، ولا يمكن أن يتّسم بالإسلامية والرسالية أبدًا.

ما هي التقوى؟

التقوى هي الالتزام الداخلي بالإسلام - عقيدةً وشريعة - النابع عن القناعة التامة، وتذليل الشهوات عن طريق الإرادة الصلبة والوعي الكافي. والتقوى ليست مجرد عمل، وانما عمل وراءه التزام وتعهد وتحمل مسؤولية. وليست هي مجرد التزام، فقد يلتزم الإنسان بشيء تأدبًا، إنما يجب أن يكون التزامًا نابعًا من الإيمان بالله سبحانه وتعالى وباليوم الآخر وبالرسالة.

وهذه القناعة يجب أن تكون نابعة من تذليل الشهوات عن طريق العقل، فلو كنت انسانًا مستقيمًا تعيش بصورة طبيعية في مجتمع مسلم، ولم يسلط عليك ضغط ولم تجد أمامك محرّما حتى تُفتتن وتُبتلى بارتكابه أو عدم ارتكابه، فلا يدل هذا على تقواك.

إنما المتقي هو الذي يجرَّب ويقع تحت الضغوط، ولكن إرادته وعقله وبالتالي جوهر إنسانيته هو الذي يجعله يتحدى الضغوط.. ويحافظ على استقامته، وبالتالي يكون متقيًا.

أهمية التقوى

يذكر القرآن الحكيم التقوى في آيات كثيرة ويبين أفكارًا شتى حولها، إلاّ أنك حين تقرأ القرآن وتتدبر فيه تجد أن التقوى هي المحور الأساسي للقرآن..

لماذا الصوم؟ ولماذا الحج؟ ولماذا الزكاة؟ ولماذا شرّع القصاص في الإسلام؟.. كل ذلك للتقوى.

وهكذا فالآيات القرآنية تبين أن حكمة أكثر الاحكام الشرعية هي الوصول إلى مستوى التقوى.

يقول تعالى:

?يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبَا? النساء،1

فالتقوى هي محور سؤالكم بعضكم عن بعض، ومحور ثقة بعضكم ببعض وبالتالي هي أساس إجتماعكم وقاعدة كيانكم.

وفي آية أخرى يجعل القرآن العدالة أحد افرازات التقوى:

?يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ? المائدة،8

وفي آية أخرى يجعل القرآن الخير والرفاه والسعادة مبنية على أساس التقوى:

?وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَاَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ? الاعراف،96

وفي آية أخرى يجعل القرآن الحكيم التقوى ركيزة للبناء الاجتماعي الإسلامي ويقول:

?لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ? التوبة،108

ثم يبين أن أي بناء لا يقوم على التقوى فهو بناء هاوٍ يكاد يسقط في النار:

?أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ? التوبة،109

ويؤكد القرآن الحكيم على أن الحياة الدنيا والمعيشة الفاضلة والسعادة الدنيوية مبتنية على التقوى:

?الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ? يونس،63-64

فهذه الحقيقة ليست مرتبطة ببرهة معينة من الزمن. وانما (لا تبديل لكلمات الله) في كل زمن.

ويربط القرآن بين التقوى والاحسان، ويبين بأن التقوى هي أهم نوع من أنواع الاحسان:

?إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ? يوسف،90

ويؤكد القرآن على أن أي علاقة لا تباركها التقوى، فإنها علاقة هشة يمكن أن تنفصم في أية لحظة:

?الأَخِلآَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ? الزّخْرُف،67

والقرآن الحكيم حين يطرح التقوى فإنه يطرحها كتيار اجتماعي، يعيش ضمن مجموعة بشرية متفاعلة مع بعضها، وليس كعمل فردي: ?..هُدىً لِلمُتَّقِينَ? البقرة،2 ، ?..وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ? البقرة،66 ، ?..وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى? طه،132 .. وهكذا للمتقين وليس للمتقي كفرد.

كانت هذه مجموعة من الآيات تُحدثّنا عن أهمية التقوى وأنها قاعدة أساسية لسائر قواعد المجتمع الإسلامي. وهناك روايات شريفة تدل على ذات الحقيقة نتلوها معًا.

? تمهيد روى أبو جعفر الباقر عن أمير المؤمنين عليهما السلام أنه قال:

(إن لأهل التقوى علامات يُعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، ووفاء بالعهد، وقلّة العجز والبخل، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، واتّباع العلم فيما يقرّب إلى الله، طوبى لهم وحسن مآب) .

ان كل هذه العلامات تتلخص في واحدة وهي الارتباط بالكيان الاجتماعي ارتباطا متينا وحسنا، فصدق الحديث قضية اجتماعية، وكذلك أداء الأمانة، وكذلك الوفاء بالعهد، وقلة العجز والبخل، وصلة الأقارب، ورحمة الضعفاء .. الخ.

? تمهيد وفي نهج البلاغة يقول الامام علي عليه السلام:

(كم من صائم ليس له من صيامه الاّ الجوع والضمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه الا السهر والعناء، حبذا نوم الاكياس وإفطارهم) .

فالمجتمع الإسلامي لا يقوم على أساس كثرة الصيام والقيام، إنّما على روح العمل وهو التقوى.

تمهيد وقال الامام الصادق عليه السلام: (لا يغرنك بكاؤهم فإن التقوى في القلب) .

أن يبكي الإنسان من خوف الله تعالى، هذا وحده ليس تقوى، وانّما التقوى هو أن يحطم الإنسان في قلبه الحواجز التي لا تدعه يفهم الحقائق ويؤمن بها، ولا تدعه يوفق أعماله وفق مناهج الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت