فإنهم لايغنون عنك شيئًا وتفوتك الآخرة بلا فائدة )
عاشر الناس ولكن لا تتبع طريقتهم ولا تنحرف عن طريقتك السليمة من أجل مماثلة الناس أو الاشتهار بينهم، فالطليعة يجب أن تبقى داخل الجماهير ولكن دون أن تذوب في سلبيات المجتمع، وإنّما عليها أن تحتفظ بميزاتها وحيويتها وبأخلاقها الحسنة وتعاشر الجماهير بأخلاقها وبأعمالها العامة.
فإذا قلت: حشر مع الناس عيد. فان هذا الحشر سيكون بالتالي إلى النار، وهل الحشر مع الناس في نارجهنم عيد للانسان؟
ثم يؤكد الامام عليه السلام نفس الفكرة التي أكدها الإمام زين العابدين عليه السلام ويقول:
(واجعل من هو أكبر منك بمنزلة الأب، والأصغر منك بمنزلة الولد والمثل بمنزلة الأخ، ولا تدع ما تعمله يقينا من نفسك بما تشك فيه من غيرك. وكن رفيقا في أمرك بالمعروف، شفيقا في نهيك عن المنكر، ولا تدع النصيحة في كل حال. قال الله عزوجل: وقولوا للناس حسنا) .
? تمهيد وفي حديث آخر يوجه الامام ابو عبد الله الصادق عليه السلام خطابه إلى شيعته ومواليه، والشيعة هم أولئك الطليعة الذين لم ينفصلوا عن سائر الجماهير بل كانوا في الجماهير من أجل إصلاح الناس وهدايتهم، يقول:
(عليكم بالصلاة في المسجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز، إنه لابد لكم من الناس، إنّ أحدًا لا يستغني عن الناس حياته، فأما نحن نأتي جنائزهم، وإنما ينبغي لكم أن تصنعوا مثل ما يصنع من تأتمّون به. والناس لابد لبعضهم من بعض، ماداموا على هذه الحال حتى يكون ذلك ثم ينقطع كل قوم إلى أهل أهوائهم) .
ثم يقول عليه السلام:
(عليكم بحسن الصلاة، واعملوا لآخرتكم، واختاروا لأنفسكم فان الرجل قد يكون كيّسا في أمر الدنيا فيقال ما أكيس فلانا، وانّما الكيّس كيِّس الآخرة) .
ثم الامام ما لبث أن أوضح بأن الحضور مع الناس والاختلاط بالجماهير لا يعني الذوبان في بوتقتهم، وانّما يجب المحافظة على الدين، وعلى الميزة الرسالية، أما البقاء مع الناس فهو من أجل هدايتهم فقط وفقط.
? تمهيد وجاء في الحديث أن الامام علي عليه السلام حين حضرته الوفاة جمع أولاده وأوصاهم بهذه الوصية التي هي لي ولك أيضا، يقول الامام عليه السلام:
(يا بنيَّ عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنّوا إليكم، وإن فُقدتم بكوا عليكم. يابنيّ إنّ القلوب جنود مجنّدة تتلاحظ بالمودّة، وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض) .
? تمهيد وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام:
(اتقوا الله وعليكم بالطاعة لأئمتكم. قولوا ما يقولون واصمتوا عما صمتوا. فإنّكم في سلطانِ من قال الله تعالى: وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال - يعني بذلك ولد العباس - فاتقوا الله فانكم في هدنة، صلوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وأدّوا الأمانة اليهم، وعليكم بحج هذا البيت فأدمنوه، فان في إدمانكم الحج دفع مكاره الدنيا عنكم، وأهوال يوم القيامة) .
هذه الرواية تبين الوضع الإستثنائي الذي كان يعيشه الإمام وأصحابه في ظل جور الطغاة المتحكمين في رقاب الناس.
وحين يعيش الرساليون وسط الجماهير، لا يمكن للسلطات الظالمة أن تضربهم بسهولة باتهامهم بالمروق عن الدين، أما إذا كانوا مجموعة شباب يبتعدون عن الجماهير، ليتركوها طعمة للدعايات المضلّة، آنئذ يمكن للحكام الطغاة، وأعوانهم أن يبثّوا حول تلك الشبيبة المؤمنة الدعايات ويتهموهم بأنّهم مرقة وكفار وفاسدون..
فاذا كنتَ أنت الرسالي بعيدًا عن الناس، فإن أحدًا لا يستطيع أن يرد الاعلام الكاذب الموجّه ضدك، أما إذا كنت مع الناس وفي صميم المجتمع، آنئذ لا يستطيع أحد أن يصدق الإعلام المضلل، لأنّه عندما يقول عنك أنك مارق فان الناس يعرفون بأنك ممن يحضر الجماعة ويصلي بخشوع. وإذا قالوا عنك بأنك سارق، فان الناس يعرفون بأن افضل الناس اداء للامانة هو أنت. وإذا قالوا عنك أنك رجل لا تعترف بالقيم، فان الناس يقولون نحن نراه كل سنة في الحج، فكيف لا يعترف بالقيم؟ وكيف لا يطبق الفرائض؟!
وهكذا تتبخر كل الدعايات المغرضة.
قيادة القلوب
في خطابه الموجّه إلى المجموعة التي حملت راية الرسالة وكانوا قدوة للآخرين، يقول النبي صلى الله عليه وآله:
(يا بني عبد المطلب! إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم. فالقوهم بطلاقة الوجه وحسن البشر) .
ان بني عبد المطلب يجب ان يكونوا هداة الناس وقادتهم ولكن هل بالسيف؟ او بالمال؟
كلا لأنهم لا يملكون لا السيف ولا المال الكافي، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينبههم إلى انهم يملكون ما هو أمضى من السيف وأغنى من المال، وهو الأخلاق الحسنة والمعاملة الإنسانية، وطلاقة الوجه وحسن البشر.
وهذا ما ينطبق على حملة الرسالة الإلهية الذين لا يملكون الاموال كما تملكها القوى العالمية، ولا يملكون القوة كما يملكها الجبابرة والمفسدون، ولا يملكون أجهزة المخابرات ودوائرها وشبكاتها، ولكن يملكون ما هو أقوى وأمضى من كل ذلك وهو الأخلاق الحسنة.. إنهم يملكون الجماهير.
فإذا قالت القوى المناوئة أن عندنا الأموال الطائلة والقوة الحاسمة، وشبكات الجاسوسية، فسوف تقول الطلائع الرسالية المؤمنة، أننا نملك الجماهير.. نملك الإنسان.. نملك القلوب ونحكمها، وهذا هو الشيء الحاسم في قضية النهضة والتغيير.
وكفى بتوجيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لنا أن لا نستهين بالناس، أيًّا كانوا حيث يقول: (من لم يرحم صغيرًا ولا يوقّر كبيرًا فليس منا) .
ويقول: (ولا تكفّر مسلمًا بذنب تكفّره التوبة الاّ من ذكره الله في الكتاب قال الله عزّوجل: ?إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار?، واشتغل بشأنك الذي أنت به مُطالب) .
فلا يجوز لك أن تجلس وتوزع الاتهامات يمينا وشمالا فتقول: هذا فاسق وذاك منافق، كلا.. فأنت رجل تريد أن تهدي الناس وتدعوهم إلى الخير.. فكيف تكفّر المسلمين!
إن المسلم قد يرتكب بعض الذنوب أو يتهاون في أداء بعض الواجبات، ولكن يمكنه أن يتوب إلى الله وتصبح توبته كفارة له، انه إن تاب، تاب الله عليه.
والله سبحانه لم يوظفك بوّابًا على باب الجنة أو النار، لتُدخل فيهما من تشاء وحسبما يحلو لك.
يقول تعالى:
?لَيْسَ لَكَ مِنَ اْلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ? آل عمران،128
فربما تكفّر رجلًا مسلمًا ثم يتوب هذا الرجل ويصبح من أحسن الصالحين، أما أنت الذي كَفَّرته تأتيك فتنة فتضلك عن سبيل الله فتصبح من أهل النار -والعياذ بالله-.
صفوة الكلام
1 -الاسلام يرفض الرهبانية والاعتزال عن الناس، ويؤكد على حضور الطليعة المؤمنة في أوساط الجماهير .
2 -وهذا الحضور هو تمهيد ضروري للعمل من أجل إقامة نظام عادل عوضًا عن النظام الجائر، وذلك عن طريق الناس أنفسهم .
3 -فالطليعة المؤمنة ليست بديلًا عن الجماهير، بل دورها الأساس هو حمل الرسالة إلى الناس، ورفع غشاوة التضليل عن أعينهم ليختاروا هم البديل السليم .
4 -ولكن حضور الطليعة الرسالية بين الجماهير لا يعني ذوبانها في سلبيات المجتمع، وإنمّا عليها أن تحتفظ بميزاتها وحيويتها وأخلاقها الإيمانية .
5 -فالحضور بين الناس إنما هو من أجل هدايتهم وإصلاحهم وليس التأثر سلبًا بهم .
6 -والحضور الدائم بين الناس، يُبطل مفعول الإعلام المضلّل الذي يطلقه الأعداء لتشويه صورة المؤمنين الرساليين في المجتمع .