فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1942

كلمة في البدء

ينبغي ان نبدأ الحديث بعرض موجز لنظرة الإسلام إلى الإنسان والمجتمع، ثم تفصيلها كاملة ؛ فالاسلام يعتقد بما يلي:

1-ان معرفة واقع البشر وواقع خلقه ومبدأه ومنتهاه ، هي التي تخط طريقه في الحياة. والإنسان - عند الإسلام - مركب من روح وجسم، ولابد من توفير السعادة لهما. ولكن الجسم لابد ان يضمن له السعادة عن طريق توجيه الروح. وفي روح الإنسان طاقتان: طاقة ذاتية هي الجهل وطاقة موهوبة له هي العقل. وأهم ما في الجهل: هوى النفس (حب الذات) وافتقاد العلم. كما ان أفضل معطيات العقل هو: العلم والحكمة (وهي: تمييز الشر عن الخير) وللبشر فوق ذلك: الإرادة التي بها يرجح إحدى الطاقتين (الجهل أو العقل) على الأخرى.

2-ان حب الذات يؤدي - ان لم يوجه بالعقل - إلى حب الدنيا وعبادة المادة، ومن حب الدنيا تنشأ الشهوات وهي تسبب الرذائل.

كما ان الحكمة - ان اتبعت - تجعل الفرد يتبع الحق، وباتباع الحق يتحلى الفرد بالفضائل، وهي تتلخص في مراعاة حقوق الآخرين واتباع الحق.

3-لابد ان تسخر كل قوى الحياة في تطبيق الحق، إذ به يتمكن الناس من ان يؤدوا الحقوق، وبسببه يلتزم كل فرد بواجباته تجاه نفسه وتجاه الآخرين.

4-حقوق البشر تنشأ من أحد أمرين: العمل والحاجة. فمن عمل استحق الأجر بقدر ما أحسن، ومن احتاج كان له ـ بقدر حاجته ـ الحق على القادرين.

5-ان البشر خلقوا شعوبًا وقبائل مختلفة لكي يتعاونوا في سبيل تحقيق سعادتهم، وهي استثمار الطاقات الموجودة في أنفسهم وفي الآفاق. ذلك لأن الأرض والسماء انما هي مخلوقة للبشر ومسخرة من أجلهم.

6-ان اتباع الحق هو السبيل الوحيد إلى استثمار هذه الطاقات، أما الحق فهو مطابقة العمل للواقع المفروض، والذي يعين هذا الواقع المفروض هو الله، عن طريق الرسل أو العقل السليم بتذكرة الأنبياء (ع) .

7-تعاون الناس في هذا السبيل ينشأ من خضوعهم جميعا لتوجيه عقولهم وتسليمهم لنظام واحد وهو الإسلام، وتتمثل قيادته في إنسان تتوفر فيه شروط القيادة، يتعرف عليه الناس بالتجربة الشخصية ومتى فسق أو جهل بطل تمثيله للأمة. وكذلك فيما إذا عجز عن مواجهة المشاكل والأزمات وحلها.

8-الناس باتباعهم لإرشادات عقولهم، يضمنون لأنفسهم الحريات الأربع وهي: حرية الفكر بالارتفاع عن الخضوع للشهوات أو التعصب والتقليد . وحرية السياسة، باتباع من يمثل الدين وعدم الاستسلام لأي طاغوت آخر. وحرية الاقتصاد، فلكل فرد ان يكتسب كما يشاء شريطة ألا يسبب شقاء لنفسه أو شقاء للناس. وحرية الشؤون الشخصية، بأن يعمل بما شاء وكيف شاء، وضمنها حرية السفر والإقامة.

9-وبما ان الفرد له عقل وإرادة فهو مسؤول عن أعماله وعن تغيير الفاسد من واقعه وواقع الناس بمقدار استطاعته، ولكنه من جهة أخرى يعتبر فردا في العائلة البشرية. فهو غير مالك لنفسه بصورة مطلقة، إذ ان البشر مخلوقون لله صائرون إليه، فليس له ان يضر نفسه - لأنه ليس مالك نفسه - ولا بغيره. وبما ان البشر عائلة واحدة فعليهم ان يكفلوا من عجز منهم عن إدراك الحق في فكره، بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وتوجيهه إلى الحق. أو عجز عن تحقيق الصحة والكرامة و.. و.. في جسمه، بتوفير الضمانات المحققة لحاجته جميعا.. وعلى هذا الأساس تنشأ بعض التحديدات كحرمة التجارة بالمحرمات وبعض الضرائب كالخمس والزكاة والضرائب الأخرى على الصعيد العام. كما تنشأ لزوم النفقة على المضطر في الصعيد العائلي الخاص.

10-وان القوة التنفيذية لهذه الأحكام هي: الإيمان القلبي بالله الذي خلق البشر وملكهم، وباليوم الآخر الذي يجزي فيه كل صالح بثواب ويجزي كل طالح بعقاب.

11-وان التسليم للدين ناشىء من إيمان الفرد بأنه لا حق لأحد في التشريع غير الله أو التشريع من خلال القواعد والقوانين العامة التي وضعها الله لأنه فقط مالك الناس وهو الحكيم العليم.

هذا موجز القول في نظرة الإسلام إلى الإنسان والمجتمع.

المجتمع الإسلامي

يقرر الإسلام ان كل فرد مسؤول عن أعماله مكلف بواجباته، وله حقوقه في التمتع باللذائذ الفكرية والجسمية في حدود خدماته أو حاجاته ويقول:[فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا

يَرَهُ] ( الزلزلة 7-8) .

* وتنشأ هذه الفكرة في الإسلام - والتي تبدو فيها النزعة الفردية بادئ الامر - من تقرير الإسلام ان كل فرد عاقل حر في إتخاذ أي قرار في الحياة. وبما انه حر فهو مالك لنفسه وليس لأحد عليه حق العبودية (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا) (1) .

* وإذا كان كل فرد مالك نفسه فهو أملك لعمله وتصرفه من أي فرد آخر [كُلُّ امْرِئِ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ] ( الطور 21) ..

وعلى هذا الأساس المتين يشرع الدين أحكاما خاصة بالفرد (ليس للمجتمع فيها دخل) كأفعال القلب - العقيدة والإيمان - والعبادات وكثير من الأحكام الأخرى.. وقد جاء في القرآن تقرير لهذه الحقيقة حيث صرح:

[عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ] ( المائدة 105) .

ولكن هذه الفكرة - الناشئة من حرية كل فرد ومسؤوليته - لا تنافي فكرة أخرى تبدو فيها جماعية الاتجاه هي: ان الإنسان عبد الله، وان امتلاكه لنفسه ناشئ من تمليك الله له ذلك. وبما انه عبد فهو مسير بأمر الله وفي صراطه [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ] (الصافات 96) .

وكما خلق الله هذا الفرد خلق الآخرين، فهما متساويان أمام الله، متكافئان في الحقوق والواجبات، كل منهما عبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا من دون الله.. فليس لأحد أن يطغى على الآخر، ولا أن يشبع هو بينما يجوع جاره، ولا أن يعتزل عن الناس باتباع الرهبانية وباستغلال حق حريته استغلالا غير صالح بالنسبة إلى الآخرين.. وعلى هذا الأساس فلا يصح ان يمحق الفرد حقوق الجماعة ولا أن تهضم الجماعة حقوق الفرد.

* وبما ان الدين يعترف بالفرد كوحدة مستقلة في المجموع يؤكد على الجماعة ألا تغلب على الناس نزعتهم الفردية بحيث تطغى على علاقة بعضهم مع بعض. ولذلك فهو يقرر عدة نظم في سبيل ربط الفرد بالجماعة هي.

1-ان الفرد إنما هو محاط بحلقات متداخلة هي بالترتيب:

(1) - نهج البلاغة ، في وصية الامام لولده الحسن عليه السلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت