فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 1942

يقول ماركس: ان علة العلل لكل حوادث التاريخ هو العامل الاقتصادي، ولذلك فإن كل اتجاهات البشر تتبع طريقة الانتاج، ويستدل ماركس على ذلك بالرغم من انه لم يكن مؤرخا ولم يكن عنده علم بالماضي، بأن الإنسان تابع لحاجاته، إذ ليس له روح أو قيم أو دين أو وجدان أدبي، فليس هو إلاّ آلة جميلة تحتاج إلى وقود، إذن فهو تابع لمصلحته.

الملاحظات:

ونحن نستطيع ان نرده من طريقين:

1-اثبات ان الإنسان يملك روحا وعقلا وشعورا بالأخلاق والدين، وان انبثاق الأديان انما كان لحقانيتها. كل ذلك سبق الحديث عنه لدى البحث عن الفلسفة والعقائد.

2-ظواهر كثيرة في التاريخ القديم والجديد.. ونكتفي في ذلك بذكر ثلاثة أمثلة:

أ- في العهد اليوناني نجد ظروفا اجتماعية واحدة انتجت أفكارا متناقضة. مثلا: في القرن السادس قبل الميلاد كان ( طالس الملطي) ماديا وكان (فيثاغورس) ميتافيزيقيًا. وفي القرن الخامس كان (هرقليط) ديالكتيكيا وكان ( كينوقانوس) ميتافيزيقيًا.. وفي كل عهد وفي كل البيئات الأغريقية، كان يوجد المتناقض من الأفكار!

ب- الدين الإسلامي جاء في مجتمع بدوي حيث ظهر في مكة المجدبة (ولم يظهر في اليمن الحضاري) وساعد الفقراء، وأكد الملكية الفردية.. فكيف يمكن تفسيره بنزاع الطبقات؟ وان كان جاء دعما للفقراء فكيف أكد الملكية الفردية؟ وان كان في صالح الأغنياء فكيف ساعد الفقراء وساعدوه، وعارض الأثرياء وعارضوه؟ وان كان من نتائج المناخ فكيف جاء في الحجاز البدوي ولم يأت في اليمن أو الشام الحضاريتين؟

ج- لماذا تراجع الاتحاد السوفياتي عن الاشتراكية؟ ولماذا اختلف مع الصين؟ ولماذا تقدمت بعض الدول في الصناعة فلم يحدث فيها انقلاب اشتراكي، وتأخر بعض فحدث فيها؟. ولماذا انقلبت اندونيسيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا عن الاشتراكية؟ ، ولماذا كانت حالة العمال في ألمانيا الغربية أفضل من حالهم في ألمانيا الشرقية؟ كل هذه الظواهر تناقض -لدى التدبّر- التفسير الجبري والمادي للتاريخ، وهو خلاف كل ما تنبأ به ماركس. والأفضل ان نريح أنفسنا بما قاله الدكتور إقبال في تاريخه (بما ان ماركس لم يكن مؤرخا فإنه لم يستطع ان يكتشف أسباب تقدم الأمم وتأخرها) .

3-ديالكتيك المجتمع..

يعتقد ماركس ان ديالكتيك الفكر يأتي بعينه في المجتمع. فالجماعة كالفكر تخضع للقوانين الأربع للديالكتيك بالشرح التالي:

1-أصل التغير والتطور - ليس في العالم ثابت-.

بما ان المجتمع البرجوازي لابد ان يتغير، فهو ينقلب بالضرورة إلى مجتمع اشتراكي (1) .

2-أصل التفاعل (كل شيء يؤثر في كل شيء) .

والمجتمع يأتي نتيجة للأوضاع التي سبقته. فالمجتمع الاشتراكي وليد المجتمع البرجوازي، وثورة العمال على رأس المال.

3-أصل التناقض (كل شيء يحمل نقيضه في داخله) .

فالرأسمالية تحمل في داخلها قوة مضادة، هي الاشتراكية. ذلك لأنها تتركب من (أصحاب الأموال) وهم يشكلون القوة المتسلطة و (العمال) وهم القوة المضادة.

ويقول ماركس: ان تقدم العالم ينشأ من تطاحن القوتين؛ قوة الرأسمال وقوة العمال.

ويقول: (ان نزاع الطبقات ليس وليد المجتمعات المعاصرة انما هو نزاع ازلي منذ فجر التاريخ الإنساني وحتى اليوم المعاصر) .

بيد ان هذا النزاع القائم اليوم بين طبقتي البرجوازية والعمال سيكون الأخير، ذلك لأن الاشتراكية سوف تتغلب على البرجوازية فتزول الطبقات رأسا، وبمحوها سيزول منشأ الخلاف والنزاع.

4-التغيير الفجائي؛ (ان التغيير الكمي سوف ينقلب إلى تغيير كيفي كتغير الماء الحار إلى بخار) .

والمجتمع تتفاعل فيه القوى المتعارضة وفجأة تشتعل الحرب، وعن طريق استخدام القوة العنيفة سوف تزول قوى البرجوازية ويستبد العمال بالحكم، (وهذا هو ما يقصد به من الاشتراكية الثورية) .

الملاحظات:

هذه الأصول الأربعة قد سبق وأن نقدنا بعضها في الفلسفة النظرية ولكن تحميلها عمليا على واقع المجتمع خطأة كبيرة لابد من نقدها، ذلك:

1-لأن العلم الحديث قد اثبت صفات ثابتة للفرد والمجتمع لم تتغير منذ وجوده وحتى اليوم، ولا يمكن تغييرها أبدا (ما دام يبقى الإنسان إنسانا) .. ومن جملة الصفات النفسية للفرد: حب الشر، وحب الخير، العاطفة، الحرية الشخصية..

ومن صفات المجتمع التي لا تتغير: تفاعل بعض الأفراد مع بعض (علما بأن اثبات صفة واحدة لا تقبل التغيير يكفي لنسف الفكرة التي تزعم ان كل شيء يتغير) .. وإذا ثبتت صفات نفسية لا تتغير في الفرد، والمفروض ان المجتمع ليس الا تجمعا للأفراد، فإن هذه الصفات تثبت بحجم أضخم للمجتمع.

فالمجتمع؛ مركب من أفراد يحبون الخير ويحبون الشر ولهم عقل وهوى (2) ، وطائفة من هؤلاء الأفراد يغلب فيهم الخير على الشر، وطائفة يغلب الشر فيهم على الخير، فتنقسم الجماعة إلى طائفتين: طائفة تؤيد الخير وأخرى تؤيد الشر وهكذا تقوم الحرب الباردة أو الحارة بينهما. وهذا الأمر هو الثابت الذي لم يتغير على طول التاريخ وتدل عليه كافة الظواهر التاريخية.

أما ما قاله ماركس من تطور المجتمع من رأسمالية إلى اشتراكية، فهو عين الخطأ الذي لا يذهب إليه من له أدنى معرفة بالتاريخ. ومن حقنا ان نتساءل: هل كانت جهود الحزب الشيوعي، ام حتمية التاريخ هي التي انتجت انقلاب روسيا؟ انهم يعرفون ان جهودهم هي التي أثمرت الانقلاب ليس غير.. ثم نتساءل: لماذا تغيرت الإشتراكية الأولى في الزمن الأول إلى دور العبادة؟ وكيف انقلبت اندونيسيا إلى رأسمالية بعد ان كانت اشتراكية؟ ثم ان ماركس لم يستند إلى دليل فيما قاله.

2-والتفاعل؛ كلمة حق يريد بها ماركس أمرا باطلا، ذلك لأن حتمية الاشتراكية بعد البرجوازية لا دليل عليها. إذن أفكار الناس تؤثر بعضها في بعض ولكن تأثير أفكار الاشتراكيين دون أفكار الرأسماليين لا دليل عليه إطلاقا.

في حين انا نلاحظ بالوجدان ان من كانت له دعاية واسعة وحزب قوي كانت أفكاره هي السائدة في العالم سواء كانت موافقة للإشتراكية ام لا.. ولذلك فإن الحزب الشيوعي يتقدم في أية منطقة تكون دعايته فيها قوية، ولا يتقدم في منطقة تكون فيها الدعاية الرأسمالية هي القوية.

3-أما التناقض الطبقي فليس هناك دليل يبرر تعميمه على المجتمع، ذلك لأن العمال (الطبقة الضعيفة) ان رضيت بشروط العيش (كما هي الحال في أوروبا) فهي لن تعارض الطبقة القوية أبدا. ورضاها وليد تحسين ظروف العمل ومراعاة حقوق العامل. نعم هناك تناقض (3) بين أفراد المجتمع من جهة اختلاف نزعاتهم الفكرية والسياسية، فترى فريقا من العمال ينضمون إلى حزب المحافظين (في بريطانيا مثلا) وفريقا من أصحاب الأعمال يدخلون في حزب العمال..

والتناقض كما سبق ليس الا من جهة ان الناس فريقان أهل حق وأهل باطل.

والتغيير الفجائي باطل من أصله كما بينا ذلك في الفلسفة النظرية، إذ لا يمكن ان يحدث بدون علة خصوصا في المجتمع. إذ من المعلوم ان كل حركة سياسية أو إصلاحية تسبقها جهود جبارة من بعض الأفراد وتساعدها عوامل كثيرة. أما إذا جهل ماركس وأتباعه تلك العوامل فما هو ذنب الواقع؟

(1) - يقولون ان التغير في العالم قد تناول المجتمع في حالات أربع: 1- الشيوعية الأولى 2- العبودية والاقطاع 3- الملوك والطوائف، 4- الرأسمالية 5- وأخيرا انتهى إلى نهاية الرأسمالية.

(2) - سوف نثبت بإذن الله هذا الواقع عندما نتحدث عن علم النفس والأخلاق الإسلاميين.

(3) - التناقض عند الأوروبيين مطلق التعادي، وليس بمعنى مقابلة الوجود والعدم (كما كان مشهورا عن المنطقيين قديما) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت