وهذه الأقدار بعضها يدفع ببعض، فإذا أردنا توظيف سنة معينة علينا أن نوظفها ونتحكم فيها بسنة أخرى أكبر منها، أو نتجاوزها من حيث الهيمنة والتوجيه، وهذا هو التسخير. فإن الله عز وجل سخر هذا الكون للإنسان عن طريق توظيف هذه السنن، وتتبع حركتها، وملاحظة كيفية عملها وتعاقبها فيما بينها، لتحقيق مستوى استخلافي أرقى في كل مرة يتجاوز الإنسان سنة تاريخية أو كونية إلى سنة أخرى.
فابن نبي يحرص على تأكيد سننية حركة التاريخ، وحركة الحضارة، وضرورة تنبه العقل المسلم لهذا الأمر، حتى لا يقع له الذهول عن المقاصد، أويقع في ذهاني الاستحالة أو السهولة. يرى الأستاذ عمر عبيد حسنه: أن فهم (قضية السنن، بمعنى القوانين المطردة والثابتة، التي تحكم حركة الحياة والأحياء، وتحكم حركة التاريخ، وتتحكم بالدورات الحضارية، بما يمكن أن نسميه سنن التداول الحضاري، استيحاء من قوله تعالى:(وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران:140) ، والتي تعتبر معرفتها شرطًا أساسيًا للتبصر بالعواقب، وتؤهل معرفتها إلى تسخيرها والتمكن من الإنجاز والإبداع الحضاري، لا يتأتى إلا من السير في الأرض، الذي فرضه الله على المسلم بقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ) (الروم:42) (8) . فالسير في الأرض من خلال الارتفاع بالوعي إلى المدى العالمي، يدفع إلى أكبر قدر من الخبرة العلمية والعملية بالأحداث التي ترسم مسار التاريخ وتشكله، وتترك من ورائها آثارًا للناظر المكتشف لقوانين التاريخ.
ولهذا فابن نبي في دراسته للحضارة الغربية وخصائصها، كان يهدف من وراء ذلك إلى البحث عن حل سنني لمشكلات العالم الإسلامي، يضعه في إطاره الإنساني، ولا يغفل الحقيقة الموضوعية التي يسير بها منطق التاريخ، الذي صار من أهم ميزاته في أواخر القرن العشرين أن الإنسانية موحدة في مصيرها، ومتشابكة في علاقاتها، مما يحتم علينا البحث في عمق الظاهرة الحضارية في حركتها في التاريخ، دون عزل يقصي الأبعاد المتشابكة لها.
ولتأكيد أهمية النظر السنني للوقائع والأحداث، ولأي إنجاز بشري، فإن ابن نبي ينطلق من استقراء الواقع الاجتماعي والتاريخي، وبمختلف دوائره; الدائرة الإسلامية والدائرة الإنسانية، ذلك أن الكشف عن السنن التي تحكم الحركة الاجتماعية لا يتأتى إلا من السير في الأرض، واستقراء التاريخ، والتعرف على القوانين التي حكمت حركة البشر، للإفادة منها للحاضر والمستقبل (9) . وينطلق في ذلك (من عدة ملاحظات تاريخية واجتماعية ومنهجية طبعت تفكيره بالدقة والعمق، وبالقدرة على التأمل والتدبر.. فجاءت أطروحاته متسمة بالنضج في التفكير، وبالعمق في التحليل ) (10) . وهو وإن كان يهدف من دراساته التي قدمها إلى البحث عن حل لأزمة العالم الإسلامي، وبناء منهج لنهضته، فإنه أراد إعطاء أكبر مصداقية لتحليله، من خلال البحث في مستوى السنن التي تحكم حركة التغيير، وهي لا شك سنن تؤطر أي جهد بشري، دون النظر إليه أكان مسلمًا أو غير ذلك، ولهذا نراه ينزع في دراساته منزعًا إنسانيًا يتجاوز الدائرة الخاصة بمشكلات العالم الإسلامي -رغم تأكيده على محوريتها- إلى آفاق الإنسانية، التي وصلت إلى مصب تاريخي تحتاج فيه البشرية إلى بديل حضاري سنني قائم على هدي سنن الله في الكتاب والآفاق والأنفس.
ومن هنا يمكن فهم ما لاحظه الأستاذ إبراهيم زين، من أن (مالك بن نبي كان يعنى في المقام الأول بمشاكل الإنسانية جمعاء، وكان يحاول وضع مشكلات الأمة الإسلامية في إطار مشكلة الإنسانية قاطبة ) (11) ، أو ما سماه ابن نبي نفسه بالارتقاء إلى مستوى الأحداث الإنسانية، والغرض من ذلك هو الكشف عن سنة الله فيها.
ويمكن التعبير عن الجانب السنني مما قدمه ابن نبي بالمنهج، أي أنه قدم منهجًا قائمًا على أدوات محددة -كما سبق ذكره- وإطار تصوري قائم على المنظور الحضاري الذي صاغه، أو بتعبير الأستاذ إبراهيم زين (فقد كان يرى الأشياء بتلك البصيرة الحضارية التوحيدية النافذة التي تجلت في محاضرة(دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين ) (12) ، وفي كتبه الأخرى كلها.
وهذا هو المهم من ابن نبي; المنهج وليس الجزئيات، فقد تكون الأحداث التي انعكست في كتابات ابن نبي قد تجاوزها الزمن، وقد تكون المرحلة التي عاشها قد ولت بكل تفاصيلها، ولم يعد لها معنى، غير أن الذي يهم من فكره وفكر غيره هو الجانب المنهجي، وروح البحث عن القانون (13) .
كما يمكن القول: إن أهم ما يمكن الانتهاء إليه والإفادة منه في منهج ابن نبي فيما يتعلق بهذه النقطة، أن ابن نبي درس الحضارة الغربية في ضوء القانون العام الذي يحكم حركة الحضارة، وقدمها لنا بصيغة منهجية يمكن من خلالها التأمل في الظاهرة الغربية ومعرفة مآلاتها ونتائجها، كما يمكن الاستفادة منها باعتبارها تجربة منجزة في إطار الزمان والمكان، وتخضع بدورها لسنن دقيقة، وليست ظاهرة مستثناة في التاريخ، أو أنها جاءت فجأة ودون عمل سنني وكفاح مستمر منذ فجر النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر الميلادي، إلى المآلات التي نعيشها اليوم، في عالم صارت تصاغ مفرداته ويومياته من قبل منظور هذه الحضارة الغربية، ويخضع لإفرازات خصائصها سواء في منظورها المادي الاستهلاكي، أو في عقلانيتها الديكارتية ذات الجوهر المادي والمآلات العلمانية، أو في جماليتها التي تصبغ بها الأذواق، أو في فعاليتها التي أوصلت الإنسان إلى غايات كبرى على مستوى القدرة التسخيرية للإنسان في الكون. وهو في ذلك كله يعمل على تصحيح النظرة إلى عمل السنن، وكيفية التعامل مع الظاهرة في جوهرها وفي مظهرها، و (قد أبدع مالك رحمه الله في تحليل أسباب أزمتنا الحضارية، من خلال رؤية متميزة للسنن التي تحكمها، فساهم بذلك في تصحيح النظرة للأزمة، حيث قدمها للناس بصيغة قوانين قابلة للفهم، ومن ثمّ قابلة للتسخير في حل هذه الأزمة ) (14) .
ثانيًا: الأصالة
المقصود بالأصالة هنا، ما يتميز به منهج ابن نبي من حيث المرجعية الفكرية والروحية، وما يمتلكه من منهج ومصطلحات. ولعل أول ملاحظة يمكن تسجيلها هي الحضور الخلدوني القوي في كل إنتاجه الفكري، فهناك شبه واضح بين رؤية ابن نبي (رحمه الله) للتطور الاجتماعي وبين رؤية ابن خلدون، غير أن ابن نبي لا يعتبر تلميذًا نبيهًا لابن خلدون فقط، بل استفاد بطريقة ذكية من التطورات الأخيرة التي وصلت إليها العلوم الاجتماعية. وبالرغم من أن ابن نبي يبدو قارئًا ومتأثرًا بابن خلدون ( 1 ) من خلال المقدمة، فإن تأملاته الفلسفية ورؤيته للحضارة تذهب إلى أبعد من التراث الخلدوني (2) . وما لمسناه في تأمله في سنن التاريخ، وقيام الحضارة وحتى تفسير حركة الحضارة، فإن ابن خلدون يبدو المرجع الفكري الأول لابن نبي دون منازع.