وإذا كان كل مفكر أو كاتب أو باحث ذي منهج ورسالة عميقة يريد تبليغها، فإنه يقدمها بإبداع مصطلحات ومفاهيم ومضامين جديدة، فإن ابن نبي غير مستثنى من هذا. فعلى الرغم من أنه وظف التراث الفكري السابق له، خاصة من ابن خلدون، وعلماء الاجتماع، فإن أطروحته جديدة وأصيلة، على مستوى المصطلحات والمفاهيم والمنهج، وما لاحظناه في الفصول السابقة من أدوات تحليلية تبدو متميزة، وفي نسق مترابط، بحيث إنها أدوات مترابطة تشكل المنظور الحضاري، وإن صح التعبير (المنهج البنابي ) (3) في التحليل وتفسير ظاهرة الحضارة، ومنهجية بنائها. وليس معنى هذا أن أفكار ابن نبي لم يسبقه إليها أحد، وإنما ما يمكن قوله: إن هذه الأفكار موجودة قبله ولكن في صورة أفكار جزئية، ولا تشكل نسقًا متكاملًا، أو منهجًا قائمًا بذاته.
ولم يسبق في علم الباحث أن وجد عند أي عالم اجتماع أو مؤرخ من مؤرخي الحضارات، توظيفًا مترابطًا يشكل إطارًا متكاملًا لكل من الأعمار الثلاثة للمجتمع، والمراحل الثلاث للحضارة، والدورة الحضارية، والعوالم الثلاثة (الأفكار، والأشخاص، والأشياء ) ، وشبكة العلاقات الاجتماعية، والفكرة الدينية المركِّبة، في نسق تحليلي تفسيري لكيفية عمل القوانين التاريخية والنفسية والاجتماعية وتأثيرها في حركة المجتمع والحضارة.
إضافة إلى أن أصالة ابن نبي تكمن في وعيه بموقع الإسلام من عملية التغيير التي تنشدها الأمة في بنائها الحضاري، وأهمية الاستفادة من الخبرة الإنسانية مهما كانت، ولهذا لم يقع فيما وقع فيه الكثير من المفكرين من جلد للذات، أو تحامل على التراث، كما أنه لم يقع في ما أسماه هو نفسه بحالة إخلاص مفرط تدفعه إلى الدفاع غير الواعي عن واقع المسلمين المريض، مما يحجبه عن رؤية الحقيقة الموضوعية. ولهذا لما رأى من المسلمين من وقع في هذه الحالة، حاول التفريق بين الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان من حيث هو رسالة الله الخاتمة إلى الناس أجمعين، وبين الحقيقة الموضوعية التي تجعل من المسلمين مثل بقية الأمم الأخرى تسري عليهم سنن الضعف والقوة، ارتباطًا بما يقدمونه من جهد بشري في إطار سنن الله في الآفاق والأنفس والتاريخ.
كما أنه فيما يخص التعامل مع الحضارة الغربية عاب على المفكرين المسلمين -كما سبق في الفصل الأول- المواقف الحدية بين من يرى أن الغرب خير كله، وبين من يرى أن الغرب شيطان وشر كله، واعتبر هذه الحالة من مخلفات ثقافة مسلم (ما بعد الموحدين ) المتسمة بالحدية، والتي ترى في الشيء إما أنه طاهر مقدس وإما دنس حقير. ودعا إلى دراسة الحضارة الغربية باعتبارها ظاهرة خاضعة للدراسة، ولكن في إطار أسمى من الدراسات المقارنة أو المقاربة أو الجدالية، وذلك في إطار دراسة القوانين التي تحكم ظاهرة الحضارة نفسها.
ولهذا يمكن القول: إن ابن نبي على الرغم من أصالة وتميز منهجه، فإنه كان منفتحًا على التراث الإنساني في جميع مستوياته.. وعلى الرغم من توظيفه لكثير من مصطلحات علم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الطبيعية، والفلسفة، وفلسفة التاريخ، وهي علوم أغلبها تطور في الغرب، فإنه استطاع تطويعها، وتوظيفها ضمن سياق آخر، جعل منها لبنة أصيلة في بنائه الفكري، ومنظوره الحضاري. فهو بهذا الوعي، لا يمكن أن نتهمه بالوقوع في إطار المصطلحات الغربية (4) .
ومن جوانب الأصالة في المنهج، أنه يهتم بالأبعاد الاجتماعية الثقافية للظواهر التي يدرسها، فلا ينحو منحى تجريديًا بقدر ما يهدف إلى علاج مشكلات ملحة تتصل بالواقع الذي يؤرق المسلمين ويحد من انطلاقهم في تجديد الحياة الإسلامية، ففي (كثير من كتبه، يبدو ابن نبي أنه يدرس معظم القضايا ارتباطًا بالوضعية التي تعيشها الأمة، وذلك من وجهتين كعالم اجتماع وكفيلسوف ) (5) .
ولعل هذا المنهج التكاملي بين العقل والجسم، بين العلوم الإنسانية ومعطيات الوحي، بين التراث الخلدوني والخبرة الإنسانية المعاصرة، وتوظيف التكامل بين علوم الطبيعة والعلوم الإنسانية، يبدو أنه أعطى له قدرة فكرية كبيرة على تركيب منظومة فكرية واسعة، من كلا الجانبين التاريخي والمعاصر (6) . كما أعطاه قدرة على التحليل والبناء المنهجي الهادف بالدرجة الأولى إلى البحث عن حلول لأزمة الحضارة، أكثر من الغوص في الجوانب الفلسفية والأبعاد المعرفية التي رغم أهميتها، ورغم وجودها في فكر ابن نبي، فإنه لم يولها الجانب الأكبر، وهو بسبيل البحث عن القوانين التي تحكم عملية التغيير في الواقع ليقدمها للمسلمين، ليفهموا أن التغيير مهما كان مستواه فإنه يخضع لسنن صارمة، ينبغي التعامل معها، وفقهها، وإلا فإن جهودنا ستبقى تراوح مكانها وتعالج المظاهر دون أن تصل إلى لب المشكلة.
ثالثًا: الموضوعية
في الحقيقة، يبدو من الصعوبة بمكان الحديث عن الموضوعية بمفهوم متفق عليه بين الجميع، غير أن هذا لا يحول دون محاولة إعطاء محددات ولو إجرائية تمكن من النظر إلى مدى موضوعية ابن نبي في دراسته للظاهرة الحضارية الغربية، ولذا فإن الموضوعية في استعمال هذ البحث تمتد إلى النظر إلى ما قدمه ابن نبي (رحمه الله) -فيما يتصل بدراسة الحضارة- في ثلاثة مستويات; من حيث الرجوع إلى المصادر الأصلية المعتمدة في دراسة ونقد الحضارة الغربية، ومن حيث النظر إلى الحقيقة التاريخية وتسجيل أثر الفكرة في التاريخ وتوجيهها للواقع التاريخي، ومن حيث نقد الأفكار في نسقها الداخلي، ثم من حيث المنهج المعتمد في تحليل الظاهرة وتركيبها، لمعرفة عناصرها الأساسية وكيفية تكونها وأدائها لدورها كوحدة مركبة.
ولقد تبين من خلال البحث أن ابن نبي قد رجع إلى كثير من المراجع الأساسية المعتمدة عند الباحثين الغربيين أنفسهم، وإن لم يقم بتتبع كلي لكل من كتب عن الحضارة الغربية من الغربيين، إلا أننا نجد أعمدة الدراسات الحضارية، ورواد الحضارة الغربية حاضرة ضمن تحليلاته، وهو كثيرًا ما يحيلنا إليهم، أو يوظف مصطلحاتهم إذا تعلق الأمر بالحاجة إلى حضورهم كحجج علمية من داخل النسق الغربي معرفيًا وحضاريًا. كما أنه مارس دور الشاهد والمراقب من الداخل، من خلال الإقامة الطويلة في أوروبا، وانخراطه في كثير من النشاطات العلمية والاجتماعية، ومتابعته لتطور الأفكار وتأثيرها في توجيه التاريخ الغربي.
وملاحظة ابن نبي (رحمه الله) عن دور المسيحية في قيام الحضارة الغربية في غاية الأهمية، إذ يرى أن المسيحية مرت بتحولات جذرية منها تشكلت الفكرة التي صاغت نظرة الغربي للعالم ومنحته الدفعة الأولى.
لقد كانت المسيحية تمثل الدافع الروحي والمبدأ الأخلاقي الذي كان الغربي يتحرك وفقه وهو يبسط هيمنته على العالم، باسم الذهب حينًا وباسم المسيح أحيانًا أخرى، يقول ابن نبي: (لقد أودعت المسيحية(خميرة) التوسع الأخلاقي، الذي استُخدم فيما بعد ذريعة للحروب الصليبية، وللمشاريع الاستعمارية) (1) . كما أن ابن نبي عندما أتى إلى دراسة تأثير المسيحية في نشأة الحضارة الغربية رجع إلى كل من (كيسرلنج) ، و (جيزو) ، و (توينبي) ، و (توسيديد) ، وغيرهم ممن أرّخوا لنشأة الحضارة الغربية .