أيها العقلاء هل يشفي المريض المدنف باقة من الزهر، أم حقنة من البنسلين؟ وهل يكفي الجائع لحن مطرب، أم رغيف مشبع؟ وهل يسعد الفقير أن تزيَّن له جدرانه بالرسوم، أم أن تهيئ له ما يحتاجه من أثاث؟ وهل يخاف العدو إذا كنت تحسن الرقص، أم إذا كنت تحسن صناعة الموت؟
أيها الحُكام أيها الزعماء خذوا من أمتنا مائة مصوِّر، وأعطوها طيارًا واحدًا، وخذوا منها ألف مغنٍ وأعطوها مخترعًا واحدًا، وخذوا منها كل العابثين واللاهين وأعطوها مُجدًّا واحدًا.
هاتوا لنا جميع الرسامين، والممثلين والمغنين والراقصات والراقصين، ثم احشدوهم جميعًا وانظروا هل يردون عنا خطر قنبلة ذرية، أو صاروخًا موجهًا؟.
نحن في حاجة إلى مخترعين ومخترعات، أشد من حاجتنا إلى فنَّانين وفنَّانات، ومع ذلك فكل الجوائز وكل الفرص وكل الأنوار تسلَّط على هؤلاء، ويحرم منها أولئك، وما رأيت يومًا جائزة خصصت لشاب مكتشف أو مخترع، وأرى كل يوم عشرات الجوائز للشباب المتفوِّقين بالرسم والتصوير والموسيقى والغناء، فهل هذا دليل على جدِّنا في الانضمام إلى ركب الحضارة، والخلاص من أعدائنا المتربِّصين؟ أم نحن قوم غافلون أو مخدوعون أو مضللون؟
أيها العابثون المراهقون، أيها الفنَّانون والمغنُّون والراقصون والراقصات، ستكونون أول من ينهزم في معارك البطولات، وستكونون أول من يفرّ منها إذا لم تحيوا قلوبكم بالإيمان، وتفتحوا عقولكم بالعلم، وتسموا بنفوسكم بالأخلاق، قبل أن تنمُّوَ أذواقكم بالفن، وترضوا شهواتكم بالرقص والغناء" [7] ."
أيها الأخوة الكرام الأطهار نحن في مفترق الطرق ومن النصح للأمة أن نتعاون على معرفة الطريق الذى نسلكه إلى مرحلتنا الجديدة وهو الطريق الذى يجمع بين تعلم كل ما عند غيرنا من العلوم العالمية التي لا لون لها، والاحتفاظ بكل ما يحفظ علينا إسلامنا من الثقافة التي نحن أغنى أمم الأرض بها، ما علينا إلا أن نستأنف دراستها وإحياءها، والعمل بها؛ ويومئذ تكون العزة والرفعة للمؤمنين.
أما اليوم فالمسلمون قد ذلوا وضعفوا وأخطأهم النصر والتوفيق، وأبطأ عليهم الارتقاء والتقدم والتميز على غيرهم، حيث تجاهلوا معالمهم وسايروا أهل الحضارات والملل والأهواء في طرقهم وأنظمتهم وتقاليدهم ومظاهرهم وأذواقهم وأساليب تفكيرهم.
وإن أرادوا أن ينالوا العزة والقوة وينالوا الفوز والظفر ويقودوا حركة التقدم في الأرض؛ فعليهم أن يعرفوا دينهم ويتمسكوا به، وينهلوا من علوم غيرهم وينقلوا الحضارة النافعة.
فالعاقل يأخذ ما ينفعه من الحضارات الأخرى وبما يتفق مع دينه وعقيدته ولا يخالف المنهج الربانى الذى وهبه له ربه، أما أن نتبع الغرب في كل شيء فهذا يأباه العاقل ويرفضه الأريب، والحضارة الغربية ليست كتلة واحدة، إما أن تؤخذ كلها أو تترك، لا بل فيها النافع للناس والضار بهم -وهذا شأن كل حضارة، إلا حضارة الإسلام- إذًا لا بد من منهج الانتقاء.
تلكُم هى بعض المعالم الحقيقية للتفرقة بين العلم والثقافة نبُثها في أمتنا للحفاظ على هويتها وثقافتها بين الأمم.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفع بها كاتبها وقارئها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] للتواصل والتعليقات .adrrem@yahoo.com
[2] منهج الثقافة الإسلامية للشيخ محب الدين الخطيب بتصرف.
[3] أعنى كمال أتاتورك، الذى يُقال إنه من يهود الدونمة.
[4] منهج الثقافة الإسلامية للشيخ محب الدين الخطيب بتصرف.
[5] راجع مقالتنا السابقة (مخالفة أصحاب الجحيم اليهود والنصارى والمشركين) .
[6] قلت: (بعض أسباب القوة) حتى لا يُتوهم أن السبب الرئيس لعجز الأمة هو تأخرها التقني والعسكري وتفرقها فحسب.
[7] هكذا علمتني الحياة للدكتور مصطفى السباعي بتصرف.
كيف تسللت الليبرالية إلى العالم الإسلامي ؟
الدكتور بسام البطوش
البحث منقول بتصرف يسير من كتاب
"الفكر الاجتماعي في مصر"
للدكتور بسام البطوش
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بحثٌ موجز مُيسر يبين للقارئ بداية تسلل الفكر الليبرالي العلماني إلى البلاد الإسلامية ، ويكشف أبرز الشخصيات التي اعتنقته ، وساهمت في نشره ، وهو يقتصر على البلاد المصرية بسبب أنها البوابة التي تنتقل منها الأفكار والتجارب الغربية إلى بقية دول العالم الإسلامي ؛ كما في التمثيل ، والمسرح ، والصحافة .. الخ . وهذا المبحث منقول بتصرف يسير من كتاب الدكتور بسام البطوش"الفكر الاجتماعي في مصر" ( ص 93-184) ؛ أنقله هنا ليعرف من خلاله القارئ كيفية التسلل الليبرالي ، وسيكتشف عند قراءته أن الأساليب التي استخدمها أتباع الغرب من الليبراليين المصريين هي نفسها ما يستخدمه الآن أشباههم في بلاد أخرى ؛ ومنها"المملكة العربية السعودية"حرسها الله ، وأدام عليها نعمة الإيمان والأمن ، والله الهادي .
كيف تسللت الليبرالية إلى العالم الإسلامي ؟
1-مفهوم الليبرالية:
مصطلح الليبرالية مذهب ينادي بالحرية الكاملة، وفي ميادين الحياة المختلفة، لاتقيدها أحكام الدين . والليبرالية كغيرها من المذاهب السياسية والاجتماعية تعدّ نمطًا فكريًا عامًا، ومنظومة متشابكة من المعتقدات والقيم، تشكلت عبر قرون عدة، منذ القرن السابع عشر (1) .
وقد ساهم عدد كبير من المفكرين في صياغة الفلسفة الليبرالية كان من أبرزهم، جون لوك (1632-1704م) ، وآدم سميث (1723-1790م) وجيرمي بنثام (1748-1832م) ، وجون ستيوارت مل (1806-1873م) ، وجان فرانسوا فولتير (1694-1778م) ، وجان جاك روسو (1712-1778م) وأليكسيس دي توكفيل (1805-1859م) وغيرهم.
وفكرة الليبرالية الأساسية في الاقتصاد هي الحرية الاقتصادية، بمعنى عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، أو أن يكون تدخلًا محدودًا وعلى أضيق نطاق، فواجبات الدولة محدودة، يجب أن لا تتجاوزها (2) .
والطبيعة - كما يقولون - تحترم الحرية، فمن الطبيعي أن يتمتع الإنسان بحريته الكاملة في النشاط الاقتصادي، وفقًا لما سُمي"المذهب الطبيعي"؛ فسعادة البشر وفق هذا المذهب تتحقق من خلال سعي كل فرد لتحقيق مصلحته الذاتية. وتم التعبير عن هذا المضمون بشعار"دعه يعمل، دعه يمر"وقد نظر آدم سميث بوضوح لهذه الفكرة في كتابه"ثروة الأمم"الصادر (1776م) .
كما تصدى دافيد ريكاردو لشرحها في كتابه"الاقتصاد السياسي"الصادر (1817م) (3) .
وتعود جذورالليبرالية - أيضًا - إلى أفكار جون لوك، الذي يؤكد على فكرة"القانون الطبيعي"، ووفقًا لهذه الفكرة فإن للأفراد بحكم كونهم بشرًا حقوقًا طبيعية غير قابلة للتصرف فيها، كحرية الفكر وحرية التعبير، والاجتماع، والملكية (4) .
وقد شكلت هذه الفكرة إلهامًا للثورات الكبرى في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كالثورة الإنجليزية (1688م) ، والأمريكية (1773م) ، والفرنسية (1789م) ، وما نتج عنها من نظم سياسية ليبرالية تبلورت معالمها في القرن التاسع عشر بوضوح أكبر (5) .
وتعد أفكار المدرسة النفعية، وعلى وجه الخصوص أفكار جيرمي بنتام (1748-1832م) مصدرًا رئيسًا للفكر الليبرالي، وقد عبر عنها بوضوح في كتابه"نبذة عن الحكم"الصادر (1776م) ، والفكرة النفعية ترسي قواعد القانون والدولة والحرية على أساس نفعي؛ فالحياة يسودها"سيدان"هما الألم واللذة؛ فهما وحدهما اللذان يحددان ما يتعين فعله أو عدم فعله، فليترك الفرد حرًا في تقرير مصلحته بداع من أنانيته، وسعيًا وراء اللذة، واجتنابًا للألم.