فهرس الكتاب

الصفحة 825 من 1942

أما الثقافة فشيء آخر، فالثقافة في كل أمةٍ لها لون خاص، مستمدة من مألوفها ومن ذوقها ومن مواريثها الدينية والأدبية والعلمية ومن ظروفها الجغرافية وحاجتها الاجتماعية وتصوراتها عن الكون والحياة الإنسانية، وثمَّ عوامل أخرى تتحكم في ثقافة كل أمة، ولذا؛ نرى الثقافة الفرنسية مثلًا تختلف عن الثقافة الألمانية، بل نرى الثقافة البريطانية تختلف عن الثقافة الأمريكية مع اتحادهما في اللغة والأدب، والصينيون واليابانيون يشتركون في الكثير من المقومات، وكانوا بين الحربين العالميتين في حاجة إلى عنصر قوى يستعينون به لمقاومة الاستعمار المحيط بهم من كل جانب، ومع ذلك فإن اختلاف الثقافتين حال دون هذه الأهداف المشتركة، بل أنشب الحرب بينهما سنين طويلة قبل الحرب العالمية الثانية وفي خلالها.

ولو لم تكن الثقافة من الفوارق الجوهرية بين الأمم، لكان من المعقول أن تتعاون الصين واليابان وتتحد وجهتهما، ولتكونت منهما حينئذ قوة رهيبة لعلها تكتسح الأمم، وذلك ما كان يُنذر به إمبراطور ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، ويُسميه الخطر الأصفر.

إن تاريخ الأمة من عناصر ثقافتها، وآداب الأمة من صميم ثقافتها، وأخلاق الأمة في كل عصر من عصورها حلقة من سلسلة الأخلاق التي هي من ميراث الماضى، وقد يكون في ميراث الأمة من أخلاق ماضيها الكثير من الخير والكثير مما ينافيه، فعليها أن تُصلح بخيرها ما ينافيه من الأخلاق التي تحتاج إلى إصلاح، فإذا حاولت الأمة أن تتنكر لتراثها الأخلاقى بتطعيمه بأخلاق أجنبية عنها، أضاعت نفسها وفقدت أصالتها وصارت تنافي الأصالة ويحتقرها الأُصلاء من أصحاب تلك الأخلاق الأجنبية" [2] ."

وسأضرب لكم مثالًا من واقع حياة الأمم وتجارب الشعوب؛ اليابان وتركيا أرادت كل واحدة من هاتين الدولتين في مطلع القرن العشرين أن تكون في مصاف الدول المتقدمة وأن تلحق بركب الحضارة، فماذا فعلت كل واحدة من هاتيك الدولتين؟!.

قامت اليابان بنقل التقنيات الحديثة والصناعات والمصانع وتحديث نظم المعلومات إلى آخر ما هنالك من أسباب التقدم العلمى من أوروبا وغيرها من البلاد المتقدمة، وتركت كل ما يؤثر على عقيدتها وسلوكها، وما هو مخالف لمنهج حياتها وأساليب معايشها فتقدموا وسادوا العالم، والدليل على ذلك ما نراه من تهافت الناس على المنتج اليابانى وتهافت أساتذة الجامعات على شرح أساليب الإدارة والصناعة اليابانية.

وعلى العكس من ذلك قامت البائسة تركيا على يد الرجل الصنم [3] بنقل عادات الغرب من لباس وطعام وشراب ولغة ودعارة؛ ظنًا منها أن هذا هو التقدم، وأن الدين هو أفيون الشعوب، وأن الدين يؤخر البلاد والعباد، وتركوا أسباب التقدم الحقيقى وهى الأخذ بكل ما هو جديد في الصناعات والتكنولوجيا ونظم المعلومات مع الثبات كل الثبات على دين محمد صلى الله عليه وسلم، فغرقوا في الوحل والفوضى الاقتصادية فها هى تعج بالأزمات الاقتصادية، وتكاد تكفر لتدخل الاتحاد الأوربى فيأبون عليها، وصدق الله إذ يقول: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة120] .

"إن القول الفصل -أيها الإخوة الكرام- بين العلم والثقافة؛ هو أن العلم عالمى والثقافة قومية وملية، والعلم لا لون له، والثقافة ذات ألون، وكذب من قال: إن في الدنيا ثقافة عالمية ولا يمكن أن تكون فيها ثقافة عالمية، فعلى الأمة الإسلامية أن تتمسك بثقافتها، وأن تبعث فيها أسباب الحيوية بوصل ما بين ماضيها وآتيها خاصةً أننا لا نكون مسلمين بارتياد المساجد فقط، ولا تصحيح العقيدة فقط، بل إن إسلامنا يتناول البيت والشارع والمدرسة والجامعة والتعاملات والأخلاق والعقائد والعبادات، وسنن الإسلام وأحكامه مصدر كريم من مصادر ثقافتنا فلا يكفي أن نعرف كيف نصلي؟! بل يجب أن نعرف كيف نكون أفرادًا مسلمين في مجتمع إسلامى؟ وأن نعرف كيف نكون رعايا مسلمين لدولة إسلامية؟ أما المعارف التي لها لون خاص لأقوام غير أقوامنا ولها لون مِلّي لملل غير ملتنا، فذلك ما يُسمى ثقافة، ونحن في غنى عنها بثقافتنا التي يجب أن نستمدها من مألوفنا ومن ذوقنا ومن مواريثنا الدينية والأدبية وضروراتنا الجغرافية وحاجاتنا الاجتماعية، ولهذه الثقافة مثلٌ في تاريخنا وتراجم أسلافنا، فيجب أن نعرفها بمعرفتهم، وأن ندرسها بدراسة تراجمهم، وأن نحيا بالتخلق بأخلاق أهلها واتخاذهم قدوة لنا وأسوة" [4] .

أيها الكرام الأخيار كل ما أدعو إليه هو التحذير من تقليد الغرب فيما نهى عنه ديننا وحذرنا منه [5] ، وتشتد خطورة التقليد عندما يكون في أمر هم أولى به منا، ونحن أحوج إلى غيره منهم، فتقليدهم في الفن والغناء والرقص والنحت والتصوير واللعب بالكرة ....إلخ هم أولى به منا؛ لأنه قد تم لهم البناء، وتقليدهم في الصناعات والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة نحن أحوج إليه منهم؛ لأننا أمة حديثة الوعى تريد أن تلحق بركب الحضارة المادية واستجلاب بعض أسباب القوة [6] .

إن الانصراف إلى الفن شغل الذين تمَّ لهم البناء، أما الذين لم يبدأوا بالبناء بعد، أو بدأوا متأخرين، فمن أكبر الجرائم صرفهم عن الاهتمام في تقوية البناء، إلى الاهتمام بالرسم والغناء، وعن الاختراع إلى رقص الإيقاع، وعن صنع الحياة إلى رسم الحياة؛ فإنه لم تهزم أمة أخرى بالفن، ولكنما هزمتها بالقوة، ومن التضليل أن يعتبر الفن من وسائل القوة.

وعلى سبيل المثال إسرائيل لا تُعِدُّ لغزونا فرقًا من الراقصات والمغنيِّات والرسَّامين، ولكنها تُعِدُّ فرقًا من الفدائيين، وأساطيل في الجو والبحر، وقذائف للهلاك والتدمير، فهل يفهم هذا"المنحلُّون"و"الببغاوات"و"المتآمرون"و"الكسالى"و"الوجوديون"و"المستغربون"و"المفتونون"؟.

ألا فليعلموا إنه إذا كان الفن يصقل المواهب وينمِّي الشعور بالجمال، فإن الأمة المحاطة بالأعداء، في حاجة إلى ما يفتل السواعد، ويلهب الإيمان، ويقوي الأخلاق، ويفتح العقول، ويدفع عن الأمة خطر الإبادة أو الاحتلال.

ولقد رأيت في التاريخ القديم والحديث أمثلة لأمم متعادية تسعى كل واحدة منها لاستجلاب أسباب القوة سعيًا حثيثًا كما كان بين الفرس والروم قديمًا، وكما يحدث الآن بين كوريا الجنوبية والشمالية، وكما بين الهند وباكستان في هذا العصر ومن قبلهما ألمانيا الغربية والشرقية.

ولم أر في التاريخ أبدًا مثل ما يحدث بيننا وبين وإسرائيل؛ إحداهما تسعى لامتلاك القوة بكل ما تصل إليه من طاقات وقدرات والأخرى تسعى للسلام المزعوم، خلافًا لقول ربنا: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال60] .

"أيها العقلاء أنا أخاطب فيكم العقل والفهم، سلوا التاريخ: هل أفل نجمنا إلا يوم أن سطعت نجوم المغنِّيين وقويت دولة الراقصات في سماء حضارتنا؟! هل من الحكمة أن يعمل أعداؤنا بما في قرآننا ونُعرض نحن عن قول ربنا!."

أي عاقل مخلص يودُّ أن يكون لنا نجوم في التمثيل والتلفزيون، ونجوم في الرسم والغناء، قبل أن يكون لنا أبطال في الحروب، وعلماء في المختبرات، ومخترعون في الصناعات، وأقوياء في الإيمان والأخلاق؟

أليس من دواعي الأسى، أن تكون لإسرائيل صواريخها، ومعاملها النووية، ويكون لنا تلفزيون، وفرق للرقص والتمثيل، وليس لنا صواريخ، ولا مفاعلات ذرية؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت