فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 1942

كما ذكرت زيغريد هونكة:"قبل 600 عام كان لكلية الطب الباريسية أصغر مكتبة في العالم، إذ لم تكن تحتوي إلا على كتاب واحد كان للطبيب المسلم أبي بكر الرازي، وكان هذا الأثر العظيم ذا قيمة كبيرة بدليل أن ملك الفرنجة لويس الحادي عشر اضطر إلى دفع مبالغ طائلة لقاء استعارة هذا الكنز الغالي رغبة منه في أن ينسخ له أطباؤه نسخة منه، يرجعون إليها إذا ما هدد مرض أو داء صحته أو صحة عائلته ."

(زيغريد هونكة ) في كتابها"شمس الله تستطع على الغرب"قالت:"اهتم العرب بالجراحة فقاموا بعمليات جراحية كثيرة في البطن، كما نجحوا في شق القصبة الهوائية ووقف نزيف الدم بربط الشرايين الكبيرة، وهذا الإنجاز العلمي الكبير ادّعى تحقيقه الفرنسي"امبراواز باري"عام 1552م، في حين أن الطبيب المسلم أبا القاسم الزهراوي في قرطبة والذي توفي عام 1013م قد اكتشفه قبله بستمائة سنة، وذكره في مؤلفه"التصريف لمن عجز عن التأليف"أي قبل باري بستة قرون."

لقد تملك العجب ملك الفرنجة شارلمان وحاشيته من رؤيتهم الساعة التي كانت ضمن هدايا هارون الرشيد ردا على الهدايا التي وصلت له مع وفد جاء من قبل شارلمان والهادفة لتوثيق العلاقات بين الدولة الإسلامية وفرنسا، لقد اعتقد الملك شارلمان وحاشيته أن هذه الساعة سحر، فقد كانت تدق كل ساعة بسقوط كراتها النحاسية على قرص معدني، مهارات المسلمين الميكانيكية كانت سحرا عند هؤلاء .

يؤكد ويل ديورانت:"أن ابن سيناء أعظم من كتب في الطب في العصور الوسطى، وأن الرازي أعظم أطبائها، والبيروني أعظم الفلكيين فيها، والإدريسي أعظم الجغرافيين فيها، وابن الهيثم أعظم علماء البصريات، وجابر بن حيان أعظم الكيميائيين فيها، وأن العلوم العربية نمت في علم الكيمياء بالطريقة التجريبية العملية، وهي أهم أدوات العقل الحديث، وأعظم مفاخره،"بل أكد ديورانت أن روجر بيكن الذي أعلن هذه الطريقة في أوروبا، اكتشفها جابر بن حيان قبله بخمسمائة عام، (خمسة قرون) .

ولأن الهندسة من أبرز ظواهر الحضارة الإنسانية، لذا سأذكر هنا هذه القصة:"عندما سمع الإمبراطور الروماني (آليون) أن المسلمين قد بنوا مسجدا في دمشق، اعتبر اكبر معجزة في عصره لم يصدق ذلك، فشكل بعثة من المهندسين والمعماريين الرومان، وقال لهم:"إن المسلمين قد غلبونا في حروب البر.. ثم غلبونا في حروب البحر، ولكن أن يستطيع رعاة الغنم وسكان الخيام أن يغلبونا في فن العمارة فهذا لا أصدقه أبدا، فاذهبوا إلى دمشق وزوروا المسجد الأموي وأخبروني بحقيقة الأمر"وتقول القصة إن المعماريين الرومان عندما شاهدوا الرسوم التي وضعها المسلمون للمسجد لم يصدقوا أنه بالإمكان تنفيذها، إلا أن الذهول كان نصيبهم عندما زاروا المسجد ووقفوا على روعة الفن والعمارة الإسلامية، بل إن رئيس المعماريين الرومان شهق شهقة عالية أمام هذا الإبداع الإنساني."

وكل ما آمله من المعدين والقائمين على المقابلات الحوارية، هو القيام بواجباتهم على أكمل وجه، فالثقافة المتعلقة بعظم الحضارة الإسلامية متوفرة بشكل كبير، ولا يستغرق الإلمام بها إلا عدة أيام، فمن المهم للمحاور ليكون مقنعا أن يكون ملما بموضوع الحوار، فمع الأسف تبين من خلال بعض البرامج الحوارية، أن القائمين عليها لا يبذلون الجهد الكافي لذلك، فالرغبة والغيرة على الحضارة الإسلامية لا تكفي لإقامة الحجة على من يدعي معرفة إسرار الكون، على من بهرته القشور، فأصبح يغرد على آثارها.

الحضارة الأوروبية والأمريكية لا يمكن لعاقل أن ينكرها إذا ما قورنت بمعطيات عصرها، ولكنه من غير المستبعد أن تقدم لنا الحضارة اليابانية أو الصينية أو الهندية، بل والإسلامية ما يفوقها تقدما وتطورا في المستقبل القريب.. وعليه فمن الإجحاف إنكار الحضارة المعاصرة وتقليص معطياتها مقارنة بما سيستحدث من غيرها مستقبلا، فهي في عصرها الحالي متميزة، ولكنها ليست فريدة وموسوعية وعالمية كحال الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، فهي بشهادة علماء الغرب، ظهرت وتربعت وبقيت متفردة خلال ستة قرون.

لا أدري ما الذي سيخلفه هذا الانهزام الداخلي الذي يحاول بعضنا تمكينه في نفوس الشبيبة، ولا أدري هل سيترك خلفه توجهًا سلبي المنحى، أم سيقع منا موقع التحفيز فنبرع كما لو لم يبرع غيرنا.. إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

التقنية والعمل الدعوي ضرورة شرعية ملحة

د. سليمان بن محمد بن فالح الصغيّر

المتأمل واقعََ العمل الدعوي ومناشطه يرى ولله الحمد أنه يجري من خلال قنوات عديدة ونشاطات متميزة في الدعوة والإرشاد إلى دين الحق، وتمثله هيئات ومؤسسات حافلة بالأعمال الإسلامية المختلفة، وساحاته الإعلامية آخذة في شق طريقها بقوة وثبات ترعاها بتوفيق الله أيدٍ مخلصة حتى علا بعضها منابر دعوية انتشر صيتها وارتفع ذكرها، ولا نملك إزاء تقصيرنا تجاهها إلا أن ندعو لهؤلاء بأن يخلص الله لهم العمل، ويحقق الهدف الذي يؤمَّل من رجالها وأنصارها بل وعامة الأمة الإسلامية.

ولكن الملاحظ أن الساحة الإعلامية الإسلامية قلما تتطرق في صحفها ومنابرها إلى الحديث عن التقنية ومنجزاتها، وإن تطرقت فبشكل نادر؛ وغالبًا ما يكون ذلك من جهة عامة باعتبار أنها ليست الغاية أو الجانب الأهم في حياة الإنسان، وهي وإن كانت كذلك، فليس معناه أن يكون موقف العمل الدعوي سلبيًا، وفي المقابل حينما نتأمل الأعمال المهنية والتقنية وساحاتها الإعلامية نجدها بعيدة عن ربط مبادئ الإسلام وقيمه وآدابه وأحكامه في ذلك الشأن، وبمعنى أدق: لماذا نرى النشاطات التقنية تكاد تخلو من ربط التقنية بمفاهيم الإسلام وآدابه وأحكامه وبخاصة في المجلات والصحف التي تعنى بالجوانب التقنية، وغالبًا ما يصطبغ طرح الموضوعات المهنية والتقنية فيها بصبغة دنيوية جافة ليس فيها ذكر للإيمان والنية وابتغاء وجه الله والدار الآخرة.

إن ذلك فيما أرى يستوجب مضاعفة الجهود وتكاتف فئات المجتمع. ويعظم دور العلماء والدعاة في ضرورة توجيه أعمال المهن في منظومة العمل الدعوي ومجالاته الرئيسة، والسعي إلى ترابط الجهود الدعوية والتنسيق التعاوني بين ساحاتها الإعلامية ومع جهود رجالات الدعوة وإسهاماتهم من خلال مجالات تخصصاتهم التقنية والمهنية والفنية، وتشجيع البحث العلمي والتقني بين المسلمين بإنشاء المراكز للبحوث العلمية والتقنية، والعمل على نشر العلوم التطبيقية والتقنية انطلاقًا من تصور إسلامي صحيح، وإحياء المفهوم الصحيح للبحث العلمي والتقني في الإسلام وتعميقه في نفوس المسلمين، وإبراز الإشارات العلمية في القرآن الكريم، ووضع سياسات علمية وتقنية دقيقة ومستقرة للعالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت