أليس الإسلام دين العلم؟ بل لم يعرف التاريخ أمة من الأمم رفعت من شأن العلم وأهله كأمة الإسلام؟ فَلِمَ لا تُربَط العلوم الحديثة بأهداف الإسلام وغاياته ومبادئه وأحكامه كلما طرحت؟ ولماذا لا يركز العلماء والدعاة على هذا الجانب الهام في العمل الدعوي؟ لا نجد مسوغًا يجعل العمل الدعوي بمنأى عن العمل المهني والتقني؛ فالعصر عصرها، وضرورة توضيح قيمة هذه الأعمال المهنية والتقنية في الإسلام قائمة وملحة؛ فإن تعزيز العلاقة وتنمية روابطها بين كل من العملين من شأنها أن توحد الجهود ويعظم تأثيرها. نعم! قد نرى شيئًا من ذلك الربط في مجلة (الإعجاز) مثلًا التي تصدر عن هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وإن كانت ذات توجه تخصصي أكثر؛ مما قد يكون أثَّر على انطلاقها المأمول في الساحة الإعلامية والدعوية.
فمن هنا تبرز أهمية طرح المفهوم الإسلامي للعمل التقني والمهني وربطهما بالمفهوم الإسلامي والمبادئ والقيم والآداب والأحكام التي جاء بها حتى تتبين أهدافه وتتضح غاياتهُ وتَمَيُّزُ أحكامِهِ واختصاصه بالشمولية. ونظرة الإسلام إلى العلم بعامة والحِرَف والمهن التقنية بخاصة نظرة كلها تكريم وإجلال تكمن في أنه جعلها ضرورة من ضروريات الحياة، كما رتب عليها الأجر وجعلها من أفضل وسائل الكسب، ورفع من شأن تعلمها وتعليمها حتى جعلها في ذاتها عبادة ما دامت في حدود ما شرعه الله تعالى، وجعل أداءها وإتقانها والإخلاص فيها غاية يجب أن يسعى إليها المسلم، وإذا أدرك الإنسان حقيقة الإيمان وجد باعثًا من داخل نفسه إلى العمل في مجالات الحياة المختلفة ليقوم بمهمته في عمارة الأرض؛ وأعرض على سبيل المثال بعض ما تضمنته مبادئ الإسلام وما جاء به من قيم وأحكام في أداء العمل، وبخاصة العمل المهني الذي هو أصل التقنية ويلتحق به كل جديد في عالمها اليوم.
إن ارتباط السعادة بالعمل في الإسلام ليس مقصورًا على الدار الآخرة وحدها، بل يجري الجزاء عليه في الدنيا؛ فمن سنن الله فيها أن يُعطي كل عامل مجدٍّ ثمرة عمله؛ فالطالب أو المدرس أو الصانع أو المزارع أو التاجر يدعوه دينه إلى أن يكون عاملًا مثابرًا مخلصًا متقنًا لعمله؛ لأن الله يحب إذا عمل أحدنا عملًا أن يتقنه، ولهذا نستطيع أن نقول: إن العمل التقني سبب لحصول ثمرته من سعادة وأجر دنيوي وأخروي فيما إذا سُخِّر لصالح الأمة.
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتقنون مهن الحياة: زراعة، وتجارة، وصناعة، ولم يكن إيمانهم بالآخرة مانعًا لهم من العمل للدنيا، قال تعالى: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا {القصص: 77} .
وقيمة العمل اليدوي والمهني والتقني استمراريته حتى آخر لحظة من العمر؛ فالأخذ بأسباب عمارة الأرض حتى آخر لحظة من العمر هو شأن المسلم؛ إذ يقول صلى الله عليه وسلم:"إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها" (1) .
العمل التقني ضرورة شرعية وحضارية حيوية؛ فقد نظر الإسلام إليه نظرة كلها تكريم وإجلال تكمن في أن جعل العمل ضرورة من ضرورات الحياة بها ينعم الإنسان ويعمر الأرض، ومما يدل على ذلك أن الإسلام قرن العمل بالجهاد؛ حيث قال تعالى: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله {المزمل: 20} .
وقد فُسِّر الضرب بأنه التقلب في التجارة، والتجارة تُعَدُّ من أصول الأعمال المهنية والفنية.
ومما يؤكد ذلك أيضًا اقترانه بالصلاة والحج، كما في قوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله {الجمعة: 10} .
وفسر بعض العلماء (المنافع في الحج) في قوله تعالى: ليشهدوا منافع لهم {الحج: 28} بأنها"الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا"، ولم يكتف الإسلام بهذا القدر في بيان قيمة العمل والحث عليه بل اعتبر العمل جهادًا؛ فقد قال بعض الصحابة حين رأوا شابًا قويًا يسرع إلى عمله: لو كان هذا في سبيل الله! فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بقوله:"لا تقولوا هذا؛ فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (1) .
أجر العمل اليدوي والمهني في الإسلام دنيوي وأخروي: إذ حث الإسلام على العمل ووعد صاحبه بالأجر العظيم في قوله صلى الله عليه وسلم:"من بنى بنيانًا من غير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غرسًا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجرٌ جارٍ ما انتفع به من خلق الله تعالى" (2) .
وقال أيضًا:"ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (3) ؛ فالزراعة أصل من أصول الأعمال الفنية المهنية.
أما حكم العمل المهني والتقني فيعد من فروض الكفاية التي إذا قام بها بعض أفراد المجتمع قيامًا يسد حاجة المجتمع ويدفع عجلته للتقدم والرقي سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثمت الأمة كلها، وتحوَّل فرض الكفاية هذا إلى فرض عين على كل من يستطيع. والأعمال التقنية من أولويات ذلك؛ ولذلك قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:"لهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد ابن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية؛ فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها"، ثم يقول:"والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غير عاجز عنها".
والعمل ضده البطالة والكسل، وكان موقف الإسلام منهما أن حاربهما وسعى إلى القضاء عليهما بجميع أشكالهما سواء كانت البطالة بطالة ظاهرة أو بطالة مقنعة، بطالة إجبارية كعدم الحصول على العمل مع وجود الرغبة والقدرة، أو بطالة اختيارية بسبب عدم الرغبة وتفضيل الكسل والخمول. وهناك عدد من الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عن البطالة والقعود بلا عمل كقوله صلى الله عليه وسلم:"لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكفَّ الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" (4) .
وقد ذم السلف الصالحُ العاطلَ عن العمل، كقول ابن مسعود رضي الله عنه:"إني لأكره الرجل فارغًا لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة" (5) .
يقدم لنا الإسلام القدوة والمثل الأعلى على الاهتمام بالعمل وبيان شرفه حتى إن الله تعالى جعل العمل نوعًا من الشكر له؛ فبه تتحقق فائدة ما أنعم به وما أوجده في هذا الكون. قال تعالى: اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور {سبأ: 13} . والرسول صلى الله عليه وسلم ربى المسلمين على هذا الاهتمام، فبين شرف العمل وأهميته عند الله في مناسبات شتى.
إن احترام العمل وتقديره والنظر إليه بصفته مبدأ إسلاميًا بحد ذاته سبب رئيس في قيام الحضارة الإسلامية؛ فالعمل هو الثروة الدائمة لأية أمة من الأمم، وهو الطريق الأقوى لبناء الاقتصاد والتقدم العلمي وتحقيق القوة والسيادة، ولقد أدرك المسلمون الأولون ذلك جيدًا وطبقوه في شكل ممارسات واقعية لم يُستثن أحد لمكانته أو ثروته مما أدى بهم إلى بناء مجتمع إسلامي قوي استطاع أن يفرض وجوده على العالم أجمع.
وإحياء مثل هذا المبدأ واجب لتخليص الأمة الإسلامية من الافتقار إلى موارد الغذاء والآلات والمصنوعات.