إن إصلاح النظرة الدونية تجاه العمل والعمال يكمن في سيادة القيم الدينية الإسلامية داخل برامج التعليم العام وبخاصة برامج التعليم اليدوي والمهني والتقني.
إن العمل التقني في الإسلام يتطلب مهارة ودقة وإتقانًا، بل إن الإتقان والإحكام مطلوب في كل شيء يعمله الإنسان، ولا تستقر الحياة، ولا تتقدم الأمم، ولا تنضبط الأمور إلا عندما تكون متقنة ومحكمة، والإسلام حث على الإتقان؛ ففي الحديث:"إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (1) ، وفي رواية:"إن الله يحب من العامل إذا عمل عملًا أن يحسن" (2) .
ولقد كان من أهم أسباب نجاح الصناعات الحديثة في بعض الدول وتفوقها على غيرها اهتمامها بمراقبة الجودة النوعية، ثم انتشار أسلوب وجود قسم متخصص في كل مصنع لمراقبة جودة الإنتاج واستبعاد أي قطعة ليست في غاية الإتقان، ثم عقد اجتماعات دورية للجان الجودة النوعية لاقتراح ما يرونه مناسبًا لتحسين نوعية المنتجات، بل تطور الأمر فيما بعد إلى إيجاد فريق متابعة الجودة خارج المصنع، وذلك باكتشاف أي خلل أو قصور في أي سلعة، واستبدالها وتعويض المستهلك عن أية خسارة تحملها نتيجة لذلك.
وقد أوجدت تلك الدول جائزة سنوية تمنح للشركات التي تحقق أعظم تحسن في الجودة والنوعية؛ ولأهمية ذلك فقد أنشئت رابطة دولية لحلقات مراقبة الجودة النوعية (3) .
وإذا كان هذا حال الإنسان الذي لا يهمه إلا الكسب المادي في هذه الحياة فما أحرانا نحن المسلمين بمثل هذا السلوك، لننال القوة في الدنيا والفوز في الآخرة.
إن كل عمل لا بد له من هدف في هذه الحياة؛ فالإنسان وجد في هذه الحياة لهدف وغاية، ولم يوجد عبثًا، ولذا يجب أن تكون أعماله لأهداف وغايات، ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا بإتقان العمل.
اهتم الإسلام بالعمل المهني والتقني بمفهومه العام والاصطلاحي، وجعله من القيم التي حرص عليها؛ وذلك أنه يدفع إلى تطور البلاد وزيادة الإنتاج؛ ففي مخاطبة الله سبحانه وتعالى نبيه نوحًا عليه السلام مغزى صريح لأهمية الصناعة في حياة الإنسان والمجتمع. قال تعالى: فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا {المؤمنون: 27} . وفي قصص الأنبياء وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم توجيهات تربوية تقدم ذكر بعضها نستوحي منها أهمية الصناعة والزراعة والتجارة والمهن الأخرى في حياة المجتمعات، وقد حرص الغرب على أن يبقى المسلمون محتاجين إلى علومهم وصناعاتهم وإنتاجاتهم التقنية التي غزت أسواقنا ووفرت الاحتياجات الأساسية والكمالية، ولا سيما الكمالية منها، مما أضعف اشتغالنا بالصناعة، ولئلا يكون ذلك هدمًا لحضارتهم. ولنستمع إلى أحد الساسة الفرنسيين في هذا الشأن؛ إذ يقول:"إن العالم الإسلامي يقعد اليوم فوق ثروة خيالية من الذهب الأسود والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة؛ فلنعط هذا العالم ما يشاء، ولنقوِّ في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني؛ فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بؤنا بالإخفاق السريع، وأصبح الخطر الذي يصيب العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطرًا داهمًا يتعرض به التراث الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية" (1) .
وقد اعتنى القرآن الكريم بالعمل المهني وجعله نعمة تستوجب الشكر؛ حيث قال تعالى: ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون {يس: 35} ، قال الإمام الرازي:"يحتمل أن تكون (ما) موصولة بمعنى: وما عملته، أي: بالتجارة كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما وهما الزراعة والتجارة" (2) . يقول سيد قطب رحمه الله:"مشيئة الله في عمارة هذه الأرض اقتضت أن تكون للناس حاجات لا ينالونها إلا بالعمل والكد، وفلاحة هذه الأرض، وصناعة خاماتها، ونقل خيراتها من مكان إلى مكان، وتداول هذه الخيرات وما يقابلها من سلعة أو نقد أو قيم تختلف باختلاف الزمان والمكان" (3) .
وقد نوه القرآن الكريم بشأن كثير من الصناعات، ومن ذلك:
-صناعة الحديد: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس {الحديد: 25} ، وقوله تعالى: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات {سبأ: 13} .
-صناعة الأكسية: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى"حين {النحل: 80} ."
-صناعة الدروع: وألنا له الحديد 10 أن \عمل سابغات وقدر في السرد {سبأ: 10، 11} .
-قالوا: درع سابغ تام واسع (4) ، والسرد: خرز ما يخشن ويغلظ كنسج الدروع وخرز الجلد، واستعير هنا لنظم الحديد (5) .
-صناعة الجلود: وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم {النحل: 80} .
-صناعة السرابيل: وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم {النحل: 81} ، وقوله تعالى: وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون {الأنبياء: 80} .
-قالوا: السربال: القميص من أي شيء كان (6) ، فقد يكون من القطن والكتان وغيرها، وقيل: هي ما لبس من قميص ودروع فهو سربال" (7) ."
-الصناعات الإنشائية: وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا.
{الأعراف: 74} .
-صناعة السفن والمراكب: فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا {المؤمنون: 27} . يقول الفارابي:"إن فضيلة العلوم والصناعات تكون بإحدى ثلاث: إما بشرف الموضوع، وإما باستقصاء البراهين، وإما بعظم الجدوى التي فيه. وأما ما يفضل على غيره بعظم الجدوى التي فيه فالعلوم الشرعية والصنائع" (8) .
ومن خلال ذلك تتبين قيمة تعلم الصناعات والحرف والأعمال اليدوية والتقنية، وأنها مطلب شرعي قبل أن تكون ضرورة حضارية وأرضًا خصبة للعمل الدعوي.
دور القيم في تطوير أداء العمل:
وإنه ليتحقق دور هذه المبادئ والقيم في تطوير أداء العمل التقني وتسخيره لصالح الدعوة وإقامة بناء المجتمع الإسلامي على أصول ثابتة وأسس حضارية من خلال القنوات والاعتبارات الآتية:
1 -الإخلاص في العمل يجعل العمل الدنيوي قربة وعبادة إلى الله تعالى وهذا بدوره حافز لمضاعفة الجهد والإنتاج.
2 -إيجاد الشخصية الإنسانية الصالحة المسلمة السوية التي تؤدي عملها وتقدر دورها التنموي في المجتمع الذي تعيش فيه وتتعامل معه.
3 -التوصل إلى جهود علماء المسلمين في مجال ترسيخ قيمة العمل المهني، ومن ثم إبراز هذه المجهودات في هذا المضمار؛ إذ استطاعت النظرة الإسلامية من خلال هذه المجهودات أن تفتح ذراعيها لجميع التجارب الإنسانية الصالحة.
4 -إذا أدرك الإنسان حقيقة الإيمان وجد باعثًا من داخل نفسه يدعوه إلى العمل في مجالات الحياة المختلفة ليقوم بمهمته في الأرض، وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة مرهونة بعمله، ولا مجال في الإسلام أن يعيش المسلم على الأماني.
5 -سد الاحتياجات المعرفية والمتطلبات من الطاقات المهنية والفنية التي تحتاجها الأمة لتنفيذ خططها الإنمائية في شتى مجالات الحضارة الإنسانية وتطبيقاتها العملية.
6 -الإسهام في تطوير المجتمع وزيادة إنتاجية المنتجين للعمل على تقليل نسبة البطالة المبطنة والواضحة.
7 -التخصص في الأعمال يعني المهارة لدى المختصين؛ وهذا بلا شك يعني أن إنتاج المتخصص فيما تخصص به أجود من إنتاج غير المتخصص، وفي هذا العصر تبرز وتتأكد أهمية التخصصات التقنية والفنية في تجويد الإنتاج الذي حض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (1) .