ومن الافتراءات التي يقولون بها أن الإمام الشافعي ولد في غزة ولابد أنه درس القانون الروماني في مدرسة بيروت. وهذا خطأ وجهل فالشافعي حمل بعد فطامه مباشرة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ومن العراق إلى مصر. والشريعة الإسلامية مستقلة تمامًا عن القانون الروماني أو الفرنسي ونشأت في بيئة عربية خاصة ولم يوجد فقيه عربي واحد نقل عن القانون الروماني.
ثم إن هناك عقبة أخرى وهي أن كثيرًا من رجال القانون وأساتذة الجامعات والمفكرين قالوا إننا لدينا تراث قانوني عربي ابتداءً من عام 1875، فهل نهدر هذا التراث لنبدأ مع الشريعة الإسلامية.
فهل الأفضل أن يكون ما لدينا أصيل أم متجنس؟ إن الأصالة بلا شك هي المطلوبة. ثم إننا لا نهدر هذا التراث الذي يتحدثون عنه وتعب فيه القضاة ورجال القانون بل نستفيد منه في صياغة الأحكام.
* وماذا عن اعتراض العلمانيين بأن الأقليات غير الإسلامية عائق في سبيل تطبيق الشريعة، لأنه لا يجوز تطبيق الشريعة عليها؟.
** البعض يثير في هذا الخصوص قضية الأقليات غير الإسلامية، ونحن نقول إن الشريعة الإسلامية تميزت على سائر القوانين الوضعية وغير الوضعية بأمور لم يعرفها العالم إلا بعد الثورة الفرنسية.
فالشريعة اليهودية مثلًا لا تسوي بين اليهود وغير اليهود، فاليهودي لا يجوز أن يقرض يهوديًا بفائدة، ولكنه مطالب بأن يقرض غير اليهودي بفائدة. ولا تسمح اليهودية لغير اليهودي أن يطبق الأحكام الخاصة باليهود، فالعالم لا يحق له إلا أن يكون على دينهم. كذلك فعلت أوروبا المسيحية بالمسلمين، كما حدث لهم بعد هزيمتهم في الأندلس ففرضوا عليهم إما النصرانية أو الفناء.
أما الفكر الإسلامي فقد جاء لأول مرة بالمساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين وغير المسلمين، فهم لهم مالنا وعليهم ما علينا، كما جاء الإسلام بحرية العقيدة وأنه لا إكراه في الدين. وكان الإسلام هو أول نظام يسمح لغير المسلم أن يعيش معه في نفس المجتمع ولا يكرهه على دينه، بل ويمكن لهؤلاء أن يشتركوا في الحكم ولا توصد في وجوههم أبواب الرزق.
وهنا يثير خصوم تطبيق الشريعة الإسلامية عدة مسائل تتصل بالأقليات غير المسلمة مثل الشهادة وتولي القضاء والجزية .. فبخصوص الشهادة كان الفقه القديم لا يجيز لغير المسلم أن يشهد على المسلم للحديث الشريف (ولا ولاية لغير المسلم على المسلم) .
أما الفقه الإسلامي الحديث فقال إن معنى الشهادة هو الإخبار عن واقعة والهدف من الشهادة توخي الصدق وهي فضيلة توجد في المسلم وغير المسلم. ويستثني من ذلك شهادة غير المسلم على المسلم في العبادات والأحوال الشخصية. وبالنسبة لولاية القضاء فإن الفكر الإسلامي الحديث يقبل ذلك في غير مسائل الأحوال الشخصية.
أما عن الجزية فإن الإسلام طلب من الناس في البلدان التي فتحها إحدى ثلاث: إما الإسلام أو الجزية أو القتال، أما النظم غير الإسلامية فلم تكن تعرف إلا أسلوبين فقط إما قبول مبادئها أو القتال. وهذا يفسر أن المسلمين ليس لهم أقليات في الدول غير الإسلامية في الوقت الذي توجد هناك أقليات غير إسلامية في الدول الإسلامية. إن الجزية مبلغ معين يدفعه غير المسلم نظير حمايته، لقد كنا ندفع البدلية حتى لا نشترك في الجيش، وكان المسلمون يفعلون ذلك.
إنهم يعيبون على دفع الجزية، فهل كان المطلوب أن يموت المسلم في الدفاع عن الوطن وغير المسلم يقيم المشروعات ويكسب المال ولا يدفع مقابل ذلك؟.
إن مقدار الجزية كان دينارين أي نصف جنيه ذهبي أو ما يعادل 340 جنية الآن يدفعها غير المسلم كل عام. أما اليوم فالتجنيد إجباري وعلى المسلم وغير المسلم ضريبة الدم. لقد ذكر الطبري مجموعة معاهدات في عهد عمر بن الخطاب حيث سمح لغير المسلمين على حدود الدولة الإسلامية بأن ينخرطوا في الجيش المسلم للدفاع عن الحدود وأسقط عمر عنهم الجزية أي أن الجزية كانت مقابل الاشتراك في الجيوش.
كما يقول خصوم تطبيق الشريعة إن في هذا التطبيق عدوان على حرية العقيدة للمسيحيين مصر. ونحن نقول إن المسيحية ليس فيها إلا الأحكام الأخلاقية والعقائدية والعبادية وليس فيها التنظيم السياسي والاقتصادي والقانوني. ولذلك فنحن نجد دولًا أوروبية تشترك في المذهب الديني وتختلف في المذهب القانوني.
إن المسيحيين من حقهم أن يغضبوا لو عندهم قانون يطبقونه، وبما أنهم ليس عندهم هذا القانون فلماذا الغضب؟.
إن الإسلام يسمح لغير المسلمين بتطبيق أحكام دينهم فيما بينهم حتى ولو خالفت الإسلام، فهل هناك تسامح أكثر من ذلك؟.
وهناك عقبة سياسية أخرى يرفعها البعض وهي قولهم إن العودة إلى تطبيق الشريعة معناها العودة إلى الحكم الثيوقراطي الديني وحكم رجال الدين، ونحن نقول إن الفكر الإسلامي السني الذي يدين به أكثر من 90% من المسلمين لا يعرف الحكم الثيوقراطي. هذا الفكر موجود في المذهب الشيعي، ففي هذا المذهب لا يختار أحد الحاكم، وإنما الحاكم الذي يحكم يختار من يخلفه، والحاكم الشيعي مسئول عما يفعل أمام الله وليس أمام الناس. أما أهل السنة فعندهم أن الحاكم مسئول أمام الناس وليس محصنًا ضد المساءلة والحكم ليس وراثيًا. وهؤلاء المعترضون يقولون ما معنى خليفة يرعى شئون الدين والدنيا؟ وهنا نقول إن ملكة بريطانيا هي رئيسة كنيسة كونتربري بحكم المنصب فهل يعني ذلك أن الحكم في بريطانيا ثيوقراطي؟.
* يرفع العلمانيون مقولة إن تطبيق الشريعة يفتح الباب أمام المتطرفين للاستيلاء على السلطة، فكيف الرد على هؤلاء؟.
** إننا لا نعترف أصلًا بهؤلاء الغلاة كي يستولوا على السلطة من الفكر الإسلامي المعتدل، الذي يرفضهم منذ أيام الإمام علي.
فالمجتمع المسلم الطبيعي الذي تسوده الثقافة الإسلامية الرشيدة يمنع المتطرفين من أن يتولوا أمره.
الحرب العالمية الرابعة .. كتاب عن حروب المستقبل
الأحد 4 من ذو الحجة 1427 هـ 24 - 12 - 2006 م الساعة 10:53 ص مكة المكرمة 07:53 ص جرينتش
صدرت مؤخرا في القاهرة ترجمة كتاب الحرب العالمية الرابعة لمؤلفه باسكال بونيفاس وقام بالترجمة أحمد الشيخ. في هذا الكتاب يستكمل باسكال بونيفاس الكاتب والمفكر الاستراتيجي الفرنسي ما بدأه في كتابه السابق الذي ترجمه الشيخ أيضا من يجرؤ علي نقد إسرائيل؟ والذي حاول من خلاله أن يطرح رؤيته الخاصة المناقضة لأراء الكثير من الجماعات والتيارات السياسية القوية وأن يضع المقولات التي يفترض أنها من المسلمات الإستراتيجية والسياسية تحت الاختبار ويعيد النظر فيها من جديد وكل ذلك في محاولة لتقديم لغة سياسية جديدة: وهو المنطلق الذي دعي المترجم أحمد الشيخ لترجمة كتابي باسكال كمحاولة لمد جسور من التواصل مع الأخر، ومن هذا المنطلق لم تأت ترجمة الشيخ لكتاب الحرب العالمية مجرد عملية نقل من اللغة الفرنسية بل احتوي الكتاب أيضا علي حوار طويل بين المترجم والكاتب الفرنسي وهو ما اكسب الكتاب طابعا حيويا وجدليا أكثر.