يعيش الشباب المسلم ، أينما كان نقيض هذين المرجعين ، فبينما هو يتأمل عدل الرسول صلى الله عليه و سلم وعدل خلفائه البررة رضي الله عنهم ، يعيش واقعًا يتميز بالمظالم على أصعدة كثيرة: سياسية ، وقضائية ، واقتصادية .. وبينما يقرأ عن جهاد فجر الإسلام ، يعيش سلسلة متصلة من الاستسلامات .. وبينما يتذكر الانتصارات والفتوح ، التي انطلقت من جزيرة العرب ، حتى غطت نصف المعمورة ، يعاني من الهزائم المتوالية ، والغزوات الصليبية والصهيونية المتعاقبة ، على أرضه وثقافته وثرواته . وتتحول لديه ، وفي ضميره ، صورة الخلافة العثمانية -آخر الخلافات- إلى غاية منشودة ، بما كانت ترمز إليه ، رغم نواقصها وعثراتها ، من اجتماع المسلمين في كنف واحد ، وتضامنهم شعوبًا وقبائل ، مهما اختلفت أعراقهم وأجناسهم.
فالماضي لدى شباب الإسلام ، يكاد يكون مختزلًا في هذين الأصلين ، ويصبح الماضي في الوعي الإسلامي المشترك مستقبلًا ، تتطلع إلى تحقيقه تلك الحركات الفكرية والسياسية ، التي تعتمد الإسلام منطلقًا ، وقاعدة وأداة كفاح .
والخطر المحدق ، هو أن يظل الحلم حلمًا ، ولا يتحول إلى واقع.
الخطر أن يجهض الحلم ، وهو بصدد التكوين ، فيقع وأد النطفة ، لكي لا تصبح جنينًا في رحم الحضارة .
الخطر أن يتجمد الفكر المسلم ، ويتجلد ، وهو في مرحة الحلم بالمرجعين الأساسين ، بينما يفرض عليه أعداؤه الأمر الواقع ، بتضافر قوى الردة ، والجاهلية ، والصليبية ، والصهيونية .
كيف يمكن توظيف المثل الأعلى ، لتحديد مصير إسلامي أفضل ؟ فقد أثبت التاريخ الإنساني ، أن المثل العليا يمكن أن تظل مثلًا عليا ، على مدى قرون طويلة ولا تتجسم .. وأسطع مثال على ذلك ، المدينة الفاضلة ، التي رسم ملامحها الفلاسفة الإغريق (بداية من 490 قبل المسيح) فتبارى أفلاطون ، وسقراط ، وأرسطو ، وديمقرطيس ، وأبيقور ، وليوكريتس ، على مدى أربعة قرون ، في تشييد مشروع فلسفي متكامل ، ظل على مدى ألفي سنة ، أي إلى يومنا هذا ، مجرد مشروع .. محض حلم ذهني .
والمدينة الإغريقية الفاضلة (جمهورية إفلاطون) ، تناولت لأول مرة في التاريخ الإنساني المعروف ، قضايا الحرية ، والعبودية ، والأخلاق ، والهمجية ، والطبيعة ، والسلطة ، والدين ، والجنس ، وحدود المقدرة البشرية ، أي تعمقت في كل المستويات الفلسفية المعلومة لدينا .. لكن المشروع ، ظل مشروعًا ، وانتهت أثينا إلى نوع من الحكم القهري ، وإلى انقسام حاد وشرس بين الأحرار والعبيد (150 ألفًا من العبيد في مجتمع يعد 400 ألف من المواطنين) ، وإلى انتحار الفلاسفة ، واضطهادهم ، ونفيهم ، وقتلهم . وخارجيًا انهار المشروع الطوباوي ، في حروب طويلة بين أثينا واسبرطة ، وحروب أطول بين اليونان والفرس .
ثم انتهت مغامرة الإسكندر إلى انتصار القوميات ، التي أراد أن يصهرها ، ونشوء الأوطان ، التي أراد أن يقهرها ، وقيام الحدود ، التي أراد أن يمحوها.
وكأن الإسكندر بن فيلبوس المقدوني ، في تلك النهاية ، يشكل تحطم مشروع الفلسفة اليونانية على صخور التاريخ ، وجاءت سورة الكهف في القرآن الكريم تلخص من الآية 83 إلى الآية 99 هذه الجملة من التداعيات ، قال تعال: (ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرًا * إنا مكنا له في الأرض وءاتيناه من كل شيء سببًا * فأتبع سببًا * حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئةٍ ووجد عندها قومًا قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنًا * قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نكرًا * وأما من ءامن وعمل صالحًا فله جزاءً الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرًا * ثم أتبع سببًا * حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترًا * كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرًا * ثم أتبع سببًا * حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قومًا لا يكادون يفقهون قولًا * قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا * قال ما مكنى فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا * ءاتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارًا قال ءاتوني أفرغ عليه قطرًا * فما اسطعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا * قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقًا ) (الكهف:83-99) .
ولا يفوتنا تمسكًا بالدقة، أن نشير في هذا الباب ، أن اختلافًا كبيرًا ، قام بين علمائنا المفسرين ، حول هوية ذي القرنين المذكور في سورة الكهف. فبينما أقر الألوسي ، والثعالبي ، وغيرهما ، أن المقصود هو الإسكندر المقدوني ، نفى ذلك ابن كثير ، ومحمد الطاهر بن عاشور ، وغيرهما ، وقدم كل من الفريقين حججًا وبراهين ، بل إن الشيخ عبد الرحمن الثعالبي (القرن الثاني هجري -الرابع عشر مسيحي) يروي (أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران: فالمؤمنان سليمان بن داود عليهما السلام، والإسكندر الأكبر، والكافران نمرود وبخت نصر) .
ونميل نحن إلى الاعتقاد إلى ما أكده الشيخ سعيد حوي ، حينما ذكر أن النص القرآني لا يذكر شيئًا عن شخصية ذي القرنين ، ولا عن زمانه ، أو مكانه ، فالمقصود إذن هو العبرة المستفادة من القصة ، والعبرة تتحقق بدون الحاجة إلى تحديد الزمان والمكان في أغلب الأحيان.
وإني أستدل بعرض هذه القصة القرآنية ، على أن الله سبحانه وتعالى ، ضرب المثل بها ، على هشيم المشروع الحضاري الإغريقي: (قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقًا ) .
فالإسكندر كان تمليذا لفلسفة اليوانيين ، وتعلم منهم مجموعة القيم التي انطلق غازيًا ، لتجسيمها ، واختلف المؤرخون بعد ذلك في قضايا إيمانه وتوحيده ، لكن العبرة - في نظري المتواضع - من ذكره في سورة الكهف ، هي الإقرار حسب نص الآية الكريمة ، بأن وعد ربي كان حقًا ، حين اندثر صرح الإسكندر الأكبر ، لأسباب عديدة ، أحصت تلك الآيات البينات خلفياتها ، ولسنا في هذا المجال بصدد إفرادها بالتحليل.
لكن هنا تتجلى إرادة الله تبارك وتعالى .. كأنما اندثر الحكم الإغريقي إلى حين أعد الله الأمة الإسلامية ، في خلافة الدولة العباسية لإحيائه ، وتعريبه وتوزيعه ، بل وإثرائه ونقده وتحديثه ، حتى كانت الريادة الحضارية للإسلام الحنيف ، بفضل تفاعل ذلك التراث العلمي والفلسفي اليوناني ، مع العقل المسلم ، الذي تميز بالمغامرة الفكرية الموفقة ، والتسامح الفطري الرائع ، وإرادة الفتح ، والانتشار بالثقافة والعلوم والآداب
الخلاصة
لقد حاولنا في فصول هذا الكتاب ، أن نتجنب الجدل مع صاحب نظرية صراع الحضارات (أو صدام الحضارات) تيمنًا بالفقهاء المسلمين الأولين ، الذين يتورعون عن الخوض في صراع شخصي ، أو فكري ، مع صاحب رأي ، مفضلين على الصدام إقامة الحجة ، وإصابة المعنى ، وإيجاز اللفظ.
ولقد رد على صوميل هنتينجتون ، مثقفون مسلمون كثر جزاهم الله خيرًا ، كفونا مؤونة المواجهة الفكرية . إننا أردنا هذا العمل ، بيانًا لما يمكن للمسلم أن يتحصن به ، من جليل المثل ، وكريم المباديء ، وقوي العتاد ، وهو يسعى لحوار الحضارات ، فلا يتأخر عن نداء المصير ، متمسكًا باحترام صادق لكل الحضارات ، رافع الهامة بكبرياء مشروعة ، معتزًا بذلك الذخر النادر ، والكنز الثمين: تراثه التشريعي ، والسياسي ، والاقتصادي ، والثقافي الإسلامي.