ثم إننا لابد أن نستخلص صفوة الاعتبار ، من نظرية هنتينجتون ، لأنها ليست نتيجة اجتهاد ذاتي ، لأحد الأساتذة الأمريكان ، بل هي أرضية لاستراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية والأوروبية ، بإزاء الأمة الإسلامية ، حتى وإن لاحظنا اختلافًا طفيفًا حول الجزئيات ، ثم أنها تترجم يوميًا ، في منطق النظام العالمي الجديد ، إلى مواجهة معلنة ، مع تطلعات المسلمين الشرعية ، وحقوقهم الطبيعية ، وتكفي الإشارة إلى مأساة الشعب البوسني المسلم ، وهو يستشهد في قلب أوروبا ، ضحية صراع الحضارات ، ويكفي النظر في فاجعة الشعب الفلسطيني المسلم ، وهو يقاوم الهمجية الصهيونية ، ويسقط شبابه بالعشرات كل يوم ، وكذلك الحال بالنسبة للوجود المسلم في أوروبا ، حيث تعاني الأقليات المؤمنة بالله ، اضطهاد اليمين المتطرف ، والنزعات الصليبية المرخص لها بالعمل السياسي، والمشاركة في هياكل الحكم ، باسم الديمقراطية .. وتكفي الإشارة أيضًا إلى التيه ، في المجتمعات المسلمة ، بين الحفاظ على الأصول ، والهرولة وراء أوهام اللحاق بركب الشعوب الغربية.
هذه بعض مظاهر الصراع بين الحضارات ، مما يدل دلالة قاطعة ، على أن نظرية صمويل هنتينجتون ، كما أسلفنا ، ليست مجرد طرح شخصي ، قابل للنقاش أو التفنيد ، بل هي تلخيص نظري سياسي ، لمجمل العلاقات الدولية ، بين الغرب والحضارة الإسلامية ، كما يراها الغرب ، ويخطط لتنفيذها .
لذلك وجب علينا اختزال مطالبها ، والتعرف إلى ما تهيئه لنا النظرية ، من سوء العاقبة ، وبئس المصير .
يرى هنتينجتون:
(1) أن الديمقراطية نعمة غربية ، لا يمكن أن يتمتع بها المسلمون ، لأنهم باسمها ينصبون في الحكم الاتجاهات المتطرفة .
(2) أن السلام الدولي ، يجب أن يقتصر على الغرب ، لأن انسحابه على العالم الإسلامي ، يحرم الغرب من بيع السلاح ، وشفط الاحتياطي من الثروات.
(3) أن تحديد النسل عملية استعجالية للعالم الإسلامي ، نظرًا لتزايد المسلمين ، واختلال التوازن الديمغرافي مع العالم الغربي.
(4) من الحكمة أن يقع دعم وتأييد ، الجماعات الموالية للمصالح والقيم الغربية ، في العالم الإسلامي .
(5) تقوية المؤسسات الدولية ، التي تعكس المصالح الغربية ، وإعطاؤها الشرعية والعمل على دفع الدول غير الغربية ، للانضواء تحت جناح هذه المؤسسات.
(6) مزيد من تكريس الحضارة اليهودية المسيحية ، ذات المباديء المشتركة ، بإزاء الحضارة الإسلامية.
هذه هي أبرز عناصر نظرية صدام الحضارات ، باختصار مفيد ، لأن مقالة هنتينجتون الشهيرة ، تمضي في تحليلها ، وتفسيرها ، بإعطائها أبعادًا استراتيجية عديدة ، ومن اليسير أن يفهم القاريء ، أن إضافة الحضارة الكنفشيوسية ، بجانب الحضارة الإسلامية ، في مواجهة الغرب ، ما هو إلا للتخفيف ، من عنف ذلك الصدام المعلن ، وإنما تفكير صاحب النظرية كله كان متجهًا للإسلام ، وصحوته الجديدة ، التي يصفها هنتينجتون ، بأنها (صحوة متوحشة مفترسة) ، بينما يصف الخطر الأصفر (الصيني اساسًا ) بأنه ( خطر بطيء ومعتدل ) .
ومن خلال الاستنتاجات الستة ، التي يقترحها المقال ، يمكن أن نستخلص نحن ست مناهج مضادة ، تكون في مصلحة الإسلام ، وتصب في خير المسلمين ، وتجعل الحضارات المستكبرة ، تقرأ لأمتنا حسابها ، كلما سعت الإنسانية إلى تحقيق مصيرها المشترك ، عوض محاولات تهميشنا خارج حركة التاريخ:
(1) إذ اعتبر هنتينجتون الديمقراطية نعمة غربية ، فإن علينا اعتبار الشورى نعمة إسلامية ، وممارستها في كل مستويات مجتمعاتنا ، حتى يقع حل المشكلة الكبرى المطروحة في عالمنا الإسلامي ، ألا وهي مشكلة الشرعية ، فنكون بذلك حققنا إنجازًا سياسيًا عملاقًا ، يتمثل في التوافق بين إرادة الحاكم ، وإرادة المحكوم.
فالشرعية هي مصدر قوة الشعوب ، وانعدامها يجعل الراعي في واد ، والرعية في واد ، ولا يلتقيان ، مما يصرف الأمة عن رفع تحدياتها ، ويطلق العنان للاستبداد والضلال ، ويفتح أبواب العنف ، والعنف المضاد، ولما عناه عبد الرحمن بن خلدون حين قال: تصريف الآدميين طوع الأغراض والشهوات.
(2) يقترح هنتينجتون استثناء المسلمين من عملية السلام ، ونرى نحن أن تسعى الشعوب المسلمة ، أولًا إلى إقرار السلام المدني ، في داخلها ، وبين أبنائها ، ثم إقرار السلام ثانيًا بين بعضها بعضًا. فصراع الحضارات موجود داخل المجتمعات المسلمة كلها ، ويكاد يكون محتدمًا ، داخل معظم الأسر المسلمة ، نظرًا لاختلاط القيم ، وامتزاج المفاهيم ، بين الأصالة والمعاصرة . فالسلام مفقود في ذواتنا ، وعلينا استحضاره بيننا ، بعلم تربوي مؤصل ، وحركة فكرية حرة ، والدخول إلى العصر من مسالكنا الأصيلة . وإذا تحقق ذلك ، يصبح السلام بيننا ، وبين الشعوب الأخرى ، ممكنًا لأنه يعقد ميثاقًا بين أمم نظيرة ، منيعة ، وإلا فهو سلام هش ، يقوم على الهيمنة والسلب والإخضاع.
(3) كان الموقف الإسلامي في المؤتمر العالمي للسكان والتنمية موقفًا متناسقًا ، ولابد من عمل إسلامي ، مكثف لإلغاء جرائم الإجهاض ، التي ترتكب في بعض المجتمعات المسلمة ، تحت ستار التنظيم العائلي ، وتحرير المرأة ، وهي جرائم رفضتها الضمائر الكتابية ، في أمريكا وأوروبا ، فتنظيم العائلة المسلمة ، له وسائل أخلاقية أخرى ، غير هذه العلميات الإبادية ، الرامية إلى إعدام المسلمين في الأرحام ، قبل إعدامهم في الانتفاضات ، والمداهمات ، والمصادمات.
(4) يدعو صمويل هنتينجتون ، إلى دعم الجماعات الموالية للمصالح والقيم الغربية ، في العالم الإسلامي ، وهذا من حقه كمدافع عن حضارته ، ولكن من واجبنا نحن ، دعم الاتجاهات الموالية للمصالح والقيم الإسلامية ، إذا ما تحلت بالفضيلة ، والوسطية ، والاعتدال.
(5) يطرح هنتينجتون بوضوح مباشر ، ما يومئ إليه غيره بتقية ، وهو أن المؤسسات الدولية ، من منظمة أممية ، ومجلس أمن ، ومصارف ، ومنظمات مختصة تابعة لها ، تعكس المصالح الغربية ، وتعطيها الشرعية . وصاحب هذا الاعتراف مشكور على تأكيد ما نعتقده نحن ، وما أشرنا إليه منذ عقدين على الأقل. ولكننا مدعوون كأمة إسلامية ، ذات وزن ، ونمثل خمس الإنسانية ، أن نعود بهذه المؤسسات الدولية، إلى احترام مواثيقها ، والحرص على خدمة قضايا الحق والعدل والسلام ، ونحن نسجل بأسف ومرارة ، استعمال الأمم المتحدة ، أداة لإضفاء الشرعية على عالم المظالم الدولية ، الموجهة ضد المسلمين ، في كل بقاع الدنيا ، حتى أفرغت من محتواها ، وسخرت لعكس ما وضعته لنفسها من رسالة . ولابد كذلك من تفعيل أجهزة إسلامية ، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي ، بعد فشل جامعة الدول العربية .