فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 1942

لكن ما الذي حدث حتى تخلفت الحضارة الإسلامية وتهلهلت ثقافتها، مع بقاء الإسلام -الذي صنعهما وحقق لهما الازدهار الذي دام لعدة قرون، كانا فيه منارة للعالمين- على ما هو عليه؟!"لم يكن المصاب العزيز هو الإسلام، وإنما كان الثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية. وكانتا تتطلعان إلى الإسلام بذاته، تحنان إليه، وترجوان شفاءهما عنده. وكان القريب والبعيد يدركون أن ما نزل بالمجتمع الإسلامي، في حضارته وثقافته، ليس إلا أمرًا آتيا من انحراف عن الأصل، وانقلاب في الوضع، وانفلات عن العامل التربوي الأصلي الذي لزم الأصول، وأحكم الأوضاع؛ فلقد أصاب الحضارة والثقافة ما عزلها عن صدق الاستمداد من الإسلام، ومتين الاعتماد عليه، حتى مال عمادها، واضطربت أوتادها.."

فالخلل لم يحدث في ذات الإسلام؛ وإنما في توقف عقيدة الإسلام عن أن تكون روح الحضارة، وانكماش الإرادة الاعتقادية البناءة للحضارة، وغربة الحضاري عن الديني، وتفكيك الدين عن الدنيا:"وإن تبيّن الناحية التي أصابتها العلة من العقيدة، هو الذي يكشف عن الأسباب التي قضت بضعف الحضارة وتهلهلها. إن الذي حدث في العقيدة الدينية، وقضى بتضعضع الحضارة، إنما هو انكماش صدّها عن أن تخلع من روحها على الحضارة، فأصبحت الحضارة خائرة جامدة، لا تتقدم. وما كان ذلك الانكماش إلا أثرًا من آثار الضعف، الذي أصاب العقيدة في جوهرها. إن الإرادة الاعتقادية البناءة هي التي خارت وضعفت؛ فأصبحت الأوضاع الاجتماعية، والآثار المدنية تصدر عن غير ما كانت تصدر عنه، فصارت هي في واد والعقيدة الدينية في واد. وبقي المسلم وفيًّا لعقيدته الدينية، غيورًا عليها، من جهة، متقبلًا لحياته العملية، مطمئنًّا إلى واقعها من جهة أخرى. حتى أصبح المبدأ النظري والواقع العملي عنده متباينين، وتولدت من ذلك نظرية تفكيك الدين عن الدنيا، باعتبار أن الدين خيرٌ غير واقع، والدنيا شر واقع، وأن العبد المسلم يحمل بين جنبيه دِينًا لا يؤثر فيه إلا لمامًا، ويعيش في دنيا لا يعرف فيها إلا كل ما يبعد به عن الدين. ثم هجمت عليه في حياته العملية مدنيات أجنبية عنه، فيها العلم، وفيها الصناعة، وفيها القوة، وفيها الحكمة؛ فلم يجد من إرادته الدينية ما يتناول به هذه المدنية، كما تناول المدنيات التي احتك بها من قبل، يوم كانت إرادته الدينية قوية سليمة، فوقف أمامها جامدًا، واعتبرها من جملة صور الحياة التي كان من قبل آمن بانفكاكها عن الدين..".

ذلك هو موطن الخلل الذي كان ابن خلدون من أفضل من أدركه، وحلله.."لقد حلل ابن خلدون المشكلة تحليلًا دقيقًا، عندما جعل شؤون السياسة والعمران والصناعة والعلم في الدولة الإسلامية، تبعًا لشأن الدين. وجعل الحقيقة الأولى للدين، التي هي العقيدة الفردية أصلًا وأساسًا لذلك كله، فأخذ يدرس مشكلة فساد الدولة، وركود العمران -في عصور الإسلام اللاحقة عن عصوره السابقة- وانتقاص الصنائع، وتلاشى ملكات العلوم، واختلال طرائق التعليم في الأمصار الإسلامية لعهده، جاعلًا ذلك كله راجعًا إلى اختلال الحقيقة الأولى للدين، التي هي أساس العمران الناشئ به، والدولة القائمة عليه، أعني العقيدة الدينية، فردّ ذلك كله إلى صورة تكوّن الفرد تكوّنًا إيمانيًا، يرتبط من جهة بالدين الإسلامي في عقيدته، ويسري منه إلى كل ما انبثق عن تلك العقيدة من مظاهر عمرانية وصناعية وفكرية. وإذا كان الناس يكتفون بأن يمثلوا ما بدا في حياة المجتمع الإسلامي وحضارته من إخلال، بما يرجع إلى نظم الحكم، وصور الدول، وما شاع من فساد الخلق، وتفكك الروابط الاجتماعية، فإن ابن خلدون يطلب لهذه العلل عللًا، ويرد هذه الأسباب إلى أسباب وراءها. فانقلاب الخلافة إلى ملك ليس العلة، وإنما هو عَرض لعلة تغيّر الوازع الديني إلى مقاصد التغلّب والقهر، والتقلّب في الشهوات والملاذ، وحلول عصبية الدولة محل عصبية الدين. لقد أرجع ابن خلدون الحضارة الإسلامية إلى أصلها وأساسها، أو بالأوضح روحها، وهو العقيدة الدينية".

حجم المشكلة

وإذا كانت هذه هي المشكلة، فما هو حجمها؟ وما هو عمرها؟ إن حجم هذه المشكلة ليس بالهين، وعمرها ليس بالقصير."وإذا كنا لا ننكر أن الحضارة الإسلامية قد تقاصرت وتراجعت وتخلخلت، وأن الثقافة قد ذوتْ وانكمشت واصفرت، وأوشكت أن تصير حطامًا، فإن ذلك ليس وليد الأمس، ولا أمسه. ولكنه الأدواء التي استفحلت في القرون الأخيرة، حتى أعضلت، وعز دواؤها، ثم لم تزل تنمو وتشتد وتتفاقم آلامها وأخطارها حتى انتهت إلى الوضع المفزع، الذي ضج قرننا الحاضر منه بالشكوى.."

ما هو الحل؟

وأخيرًا وبعد تحديد روح الحضارة الإسلامية، وتشخيص موطن الخلل الذي أصاب حضارتنا وثقافتنا؛ فما هو الحل الحقيقي لهذه المشكلة؟ والمخرج من هذا المأزق الذي يأخذ بخناق الأمة؟

إن الحل هو في العودة إلى الروح التي صنعت الحضارة المزدهرة والثقافة المتألقة. إنه عودة الروح الدينية لتصوغ النهضة الحضارية المتميزة والمستقلة. وهذا هو المعنى الحقيقي لمقولة: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها."فلولا التكوّن الفردي المكّي، والتكوّن الاجتماعي المدني، لما كانت آثار الحضارة التي تبدت في عواصم الإسلام. فإذا كان الناس اليوم يحنّون إلى عهود ذهبية، ازدهرت بها تلك العواصم، ويتحرقون إلى إحيائها وتجديدها، فأجدر بهم أن يعودوا إلى العامل الأصلي الذي ولّد تلك العصور الذهبية، والذي بدونه لن تعود زهرة تلك العصور وينعتها، ألا وهو العامل التربوي الإسلامي، الذي كوّن الفرد قبل أن يكوّن المجتمع، ومهد للثقافة طريقها قبل أن يتناول عناصر المعرفة التي ألّفت كيانها".

أما إذا وقفنا عند"استقلال العَلَم والنشيد"، دون حقيقة"الاستقلال الحضاري"، الذي هو ثمرة للصبغة الإسلامية المتميزة، فلن نخرج من هذا المأزق الذي نعيش فيه."لقد خرج العالم الإسلامي من تحت حكم الغير، واسترجع سيادته الذاتية، لكن هل هو مستطيع أن يعاود حضارته، ليضطلع بأعبائها من جديد، وليمثل للناس صورة جديدة من الثقافة والحضارة، منطبعة بطابع شخصيته الإسلامية، ومنبثقة عن المبادئ الاعتقادية الإسلامية، التي انبثقت عنها الصورة الماضية التي عرفها التاريخ من ثقافة الإسلام وحضارته؟ إن نهضة اليابان ليست بوذية، ولا نهضة الصين نهضة كونفوشية، ولا نهضة اليونان نهضة بيزنطية، ولا أفلاطونية، ولا أرسطوطاليسية، بل ولا هي يونانية على الحقيقة بأي حال من الأحوال. فهل سيكون شأن الإسلام مقصورًا على هذا الوضع؟ أو أن حضارة إسلامية الروح، وثقافة إسلامية الطابع، ستبدوان من بين ذلك القدر المشترك المؤلف بين شعوب الأمة الإسلامية، الناهضة المستقلة؟ إن روح تلك الحضارة هي الموقع الرئيسي للمشكلة".

تلك بعض من قضايا وأفكار ومحاور المعضلة التي حار ويحار فيها المصلحون، روح الحضارة الإسلامية، التي صنعت وميزت الحضارة والثقافة في عصور النشأة والازدهار، وموطن الخلل الذي جعل الحضارة تتراجع، والثقافة تتهلهل. والحل والمخرج من هذا المأزق الحضاري الذي تعيشه أمة الإسلام.

* كاتب ومفكر إسلامي - مصر

الحضارة الإسلامية بين الحضارات

* د. محمد ظفر الله خان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت