فالهجرة إلى الله ليست رهبانية، تخلص فيها وبها الذات، بمعزل عن الحياة والناس.. بل إن رهبانية الأمة الإسلامية هي الجهاد، الذي هو فريضة اجتماعية تستلزم وجود الأمة والوطن والاجتماع.
لقد أحدثت الدعوة الدينية الإسلامية أثرًا تكوينيًا تربويًا في شخصية الفرد المسلم، أصبح عاملًا نفسانيًا، حقق ائتلاف العناصر الفردية في المجتمع الإسلامي، الطبيبعي منها والشرعي، المدني منها والديني، العقلي منها والنقلي، المادي منها والمجرد.. فكان ذلك الائتلاف حضارة إسلامية، أبدعها الإنسان الذي صاغته الدعوة الإسلامية. وتلك خصيصة من خصائص الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية؛ فالرسالات الدينية التي سبقت رسالة الإسلام الخاتمة، إما أنها تزامنت مع حضارات غير متدينة، فتعايشت معها، دون أن تغيرها وتصبغها بصبغتها؛ بسبب وقوف تلك الرسالات عند حدود خالص الدين، وإما أن تلك الحضارات السابقة على الحضارة الإسلامية قد عاشت في أزمنة الفترة التي خلت من رسالات الدين..
بينما تميز الإسلام بكونه دينًا فجّر حضارة، وصاغ مدنية، وأثمر اجتماعًا إنسانيًا، وألّف في نفس الإنسان -بالمنهاج التربوي الشامل- ذلك الائتلاف المتوازن، الذي جعل هذا الإنسان يبدع الحضارة المصطبغة بصبغة الدين. لقد حقق الدين الإسلامي الائتلاف والتوازن والأمن في نفس الإنسان المسلم، فجاء الإبداع المدني لهذا الإنسان -أي الحضارة الإسلامية- ثمرة مجسدة لهذا الذي أحدثه الدين في نفس هذا الإنسان.. فلما حدث وبعدت هذه الحضارة وثقافتها عن هذه الصبغة كان هذا الخلل الذي نشكو منه، والذي حدث منذ قرون، والذي تطبّ لدائه كل دعوات وحركات الإصلاح في أمة الإسلام.
وإذا كان الإسلام هو سبب تقدم المسلمين، ونهوضهم الحضاري، وازدهارهم الثقافي.. فما سبب التخلف الذي أصاب المسلمين، مع بقاء الإسلام كما هو، على حاله الذي كان عليه عندما فجر ينابيع التقدم في الحياة الإسلامية؟!
إن السبب هو غيبة"الروح" (روح الدين الإسلامي) عن الحضارة (الحضارة الإسلامية) ، هو انقطاع الاتصال بين الإسلام وحضارة المسلمين.. هذه الروح التي جعلت الحضارة إسلامية، بل والتي فجرتها وصبغتها بصبغة الإسلام..
لقد جلس الحسن البصري إلى واعظ من الوعاظ، فلم يتأثر قلبه بموعظته، فسأل الحسنُ الواعظ:"يا أخي، أبقلبك مرض أم بقلبي؟". إن انقطاع الاتصال، لغيبة الروح، هو سبب المرض والمأزق الحضاري، الذي تطب له وتبحث عن علاجه مختلف مدارس الإصلاح.
فما هذه الروح التي جعلت الإسلام -دون الديانات الأخرى- يصنع حضارة وثقافة، ولايقف عند مجرد الدين؟! وأين موطن الخلل الذي عطل الفعل الإسلامي في الحضارة والثقافة؛ فتراجعت الحضارة الإسلامية، وضمرت الثقافة الإسلامية، مع بقاء الإسلام"الدين"كما هو، وبقاء الإيمان به والاستمساك بعراه؟!
لقد عرض الشيخ محمد الفاضل بن عاشور لهذه القضية المحورية عندما تحدث عن الأمور التالية:
بناء الحضارة والثقافة
تميز الإسلام"الدين"بإفراز الحضارة، وبناء الثقافة:"فإذا كان الإسلام، باعتباره دينًا، يشترك مع غيره من الأديان في القضايا التي هي موضوع الديانات عامة، فإن للإسلام نواحي ينفرد بها عن تلك الديانات، التي اشترك معها في القضايا الدينية بصفة عامة، إذ تكون له جهات اتصال بالثقافات والحضارات ليست لغيره من الأديان الأخرى.. فهذه التي نسميها الحضارة الإسلامية، أو تلك التي نسميها الثقافة الإسلامية، إنما هي سلاسل من الأحداث والأوضاع والكيفيات الاجتماعية والذهنية، كان الإسلام مبدأ نشأتها وسبب تكوينها. فلم يقف الإسلام عند التعايش مع العلم، وإنما أصبح كل موضوع علمي ذا صلة بالعقيدة الدينية، وصار الارتباط بين الدين والمعرفة العقلية، أو بين علم الطبيعة وعلم ما وراءها ارتباط التفاعل والتمازج. ونشأ من ذلك اتجاه نحو الحياة والسلوك فيها، يدفع به العامل الديني الاعتقادي في كل وجه من وجوهه، وسبيل من سبله؛ فصار الداعي الديني يتجلى فيما يصنع العالم، وما ينتج الأديب، وما يصوغ صاحب الفن. وصارت المعرفة العلمية سندًا لكلام المتكلم، وفقه الفقيه، وتصوف الصوفي، على الصورة التي ربطت عناصر المعرفة، وأخرجت كتب العقيدة الإسلامية جامعة للمعارف الطبيعية والرياضية والإنسانية، مع الحقائق الاعتقادية؛ يتجانس فيها العلم مع الدين، ويتساند العقلي والنقلي. لقد تكوّن المجتمع الإسلامي بإثر دعوة دينية، إنه مجتمع ديني بالمعنى الأخص، كان الدين فيه العامل الأول المباشر. ومن دعوة الدين، والإيمان بها، اكتسب الشعب الذي استجاب لتلك الدعوة وامتاز بذلك الإيمان خلالًا نفسية جديدة. لم يستفد علمًا ولا صناعة ولا قوة مادية، ولكن الذين اكتسبه من الخلال طوّع العلم والصناعة والقوة المادية؛ فكانت المدارك الدينية وحدها هي التي فتحت أمام نظر المسلم آفاق الكون للتأمل والاعتبار، والمعرفة والإيمان. فالحقيقة الاعتقادية الإلهية، هي الأساس لكل ما بنت الحضارة الإسلامية من هياكل حسية ومعنوية. وإنسان هذه الحضارة، بالدين فكّر، وبالدين تحضّر، وبالدين أنتج آثار حضارته، وبالدين أقام الدولة الصائنة للمجتمع وحضارته. وكذلك استمرت مظاهر الحضارة متصلة في نفسه بالدين، وعوامل الدين فعالة في مظاهر الحضارة."
التوازن والانسجام
كذلك امتازت هذه الحضارة الإسلامية وثقافتها بالتوازن والانسجام؛ لأنها ثمرة لامتياز الإسلام بتحقيق التكامل والتوازن والانسجام في مصادر المعرفة الإنسانية:"فكل الحقائق، المتصلة بالمادة والمتصلة بما وراءها، هي في متناول الإنسان، يستطيع أن يتوصل إليها بمداركه العديدة المدرّجة، المستند بعضها إلى بعض، في غير تنافر ولا تدابر ولا تناشز. فالمدركات الغريزية، وراءها المدركات الحسية. ثم المدركات الحسية، وراءها المدركات العقلية. ثم المدركات العقلية، تؤدي إلى المقدمات المفضية إلى تلقي المدركات الغيبية، الآتية من طريق الوحي، وإلى التسليم بها، والإذعان لها. وتبقى هذه المدركات كذلك متعاونة متساندة، لا يمكن أن يحصل بطريق واحد منها ما يتناقض مع الحاصل من طريق مدرك آخر، إلا أن بعض ما يقصر عن الإحاطة به أحد هاتيك الطريق، يمكن أن يتصل به طريق آخر منها، حتى تنتهي إلى الإذعان للمدركات الحاصلة بالطريق الخارق للعادة، وهو طريق الوحي. فعقل الإنسان وعقيدته، وحسه المادي، وعواطفه الغريزية، كلها متجانسة متعاونة، لا يخشى بعضها بعضا، ولا يقطع أحد سبيل الآخر. لقد كانت الحضارة الإسلامية من أثر إنسان اكتسب وضعًا منسجمًا في ذاته، آمنا إلى نفسه، فصنع على مثال نفسه حضارة أكسبها مما اكتسب، وأفاء عليها مما أفاء الله عليه، حتى فاقت بما فيها من انسجام غيرها من الحضارات."
ما أسباب التخلف؟